هل ينهار الإقتصاد المصري؟

0

تَعبُر مصر منذ سقوط الرئيس المصري السابق حسني مبارك في 11 شباط 2011، مرحلة إنتقالية سياسية تشلّ الحركة الإقتصادية. ولم يُحسّن إنتخاب الرئيس المصري السابق محمد مرّسي الوضع بل على العكس، تدهور الوضع الإقتصادي بشكل كبير. وترافق هذا التدهور مع خروج ملايين المُتظاهرين إلى الشوارع مطالبة برحيل محمد مرّسي الذي أطاح به الجيش بتاريخ 3 تموز 2013. ما هو الوضع الإقتصادي الحالي في مصر؟ وما هي تحديات هذا الإقتصاد للعقود المقبلة ؟ يُعتبر الإقتصاد المصري إقتصاداً نامياً ويحتل المرتبة الرابعة في أفريقيا. وحجم الإقتصاد المصري متوسط إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي 500 مليار دولار في العام 2010. وهيكلية الإقتصاد المصري تتوزع على الخدمات 50% من الناتج المحلي الإجمالي، 35% صناعة و14% زراعة.

ويعتمد القطاع الزراعي بشكل أساسي على نهر النيل الذي يُشكّل العصب لهذا القطاع. وتتمتّع مصر بثروات طبيعية هائلة مؤلفة من النفط، الغاز، والمعادن، كما وأن تاريخ الفراعنة في مصر والآثار التي تركوها جعلت من مصر مركزاً سياحياً بإمتياز مما يجعل من هذا القطاع المصدر الأساسي للسيولة في مصر (7 مليار دولار سنوياً تأتي من 13 مليون سائح سنوياً).

التضخّم مرض الإقتصاد

هذا الإقتصاد مُصاب بتضخّم هائل وبطالة عالية زادت في السنين الماضية. وكانت أحد الأسباب الرئيسية في الثورة التي شهدتها البلاد ضد حكم مبارك ونظام الإخوان في مصر. والتضخّم الذي إنخفض، حدثياً، تحت عتبة الـ 11% في آب 2011، كان نتيجة إنخفاض الطلب والضربة التي تلقاها القطاع الزراعي، ولم يُغيّر في هيكلية التضخم المُتعلقة بشكل كبير بأسعار المواد الغذائية التي تُشكل 40 % من مؤشر الغلاء.
الأحداث أدّت إلى تردي ميزان المدفوعات.

وإذا كان ميزان المدفوعات قد سجل فائضاً في العام 2009 (3.4 مليار دولار)، إلا أنه شهد عجزاً تجاوز الـ 10 مليار دولار بسبب الأحداث. هذا العجز أتى بشكل أساسي من غياب السواح وهروب رؤوس الأموال الأجنبية كما ودفع مستحقات سندات الخزينة إلى الدائنين الأجانب.

وهذا ما دفع المصرف المركزي المصري إلى إستعمال قسم كبير من إحتياطه بالعملات الأجنبية للدفاع عن الجنيه المصري (الذي تدهور بنسبة 10% مقابل الدولار الأميركي منذ بداية العام الحالي) حيث إنخفض الإحتياط من 36 مليار دولار إلى 13.5 مليار دولار في ظرف سنتين.

هذا الوضع دفع المستثمرين إلى طلب فوائد عالية نظراً إلى المخاطر السياسية وتردّي الوضع المالي، وبدأ الدين العام بالصعود نتيجة العجز العام الذي تخطّى الـ 10%. وزادت خدمة الدين العام بنسبة 21% بظرف عام واحد. مما يُظهر التحدّي الكبير الذي تواجهه الحكومة المصرية في السيطرة على خدمة الدين العام.

وكانت الحكومة المصرية، قبل سقوط مرسي، قد طلبت من صندوق النقد الدولي قروضاً ميسرة، إلا أن الصندوق لم يتجاوب بسبب الإضطرابات السياسية التي تعيشها البلاد، وبسبب غياب خطط للجم العجز العام الذي تخطّى 23 مليار دولار في 2012 (المتوقع أن يفوق الـ 30 مليار دولار في 2013).

وللجم الدين العام، قدم صندوق النقد الدولي إلى الحكومة المصرية خطة تشمل خفض المساعدات إلى الشعب، ورفع الضرائب. لكن هذه الخطة رفضها الإخوان لخوفهم من أن تُواجه بتظاهرات. فالضرائب وخفض المساعدات ستؤدّي إلى رفع الأسعار وتقليل القدرة الشرائية لمواطن يعيش تحت كاهل الفقر (23% من الشعب يعيش تحت عتبة الفقر). هذه المعضلة أدّت إلى تأخير المساعدة الصندوقية إلى مصر.

من جهة أخرى، عمدت الحكومة المصرية إلى طلب قروض من الدول العربية (قطر، السعودية، الكويت وليبيا)، لكن المبالغ التي أعطيت (بحدود الـ 10 مليار دولار) لا تلبّي بالكامل حاجة مصر الملحة إلى السيولة.

أين يكمن إخفاق نظام مرّسي إقتصادياً؟

بحسب صندوق النقد الدولي، لا يتمتع الفريق الإقتصادي لنظام مرسي بالمؤهلات التقنية اللازمة التي تسمح لمصر بالتخلي عن نظام مساعدات حالي يأكل مدخول الدولة، إلى نظام يحتوي على آليات تسمح للفقراء بإيجاد عمل يؤمّن لهم باب خروج من الفقر. وبالنسبة لصندوق النقد الدولي يفتقد فريق مرّسي إلى “الخيال”.

حصة مصر من النيل

لكي تكتمل الصورة، يتوجّب الحديث عن مشكلة توزيع الحصص بين الدول التي يمر فيها نهر النيل. ففي 13 حزيران 2013، قام البرلمان الإثيوبي بالتصديق على اتفاقية الإطار التعاوني لنهر النيل. هذا الإتفاق يحلّ محل الاتفاقية القائمة بين هذه الدول منذ عهد الاستعمار، والتي تمنح مصر والسودان حصة الأسد من مياه النيل.

وقد أدّى هذا التصديق إلى توتر العلاقات بين مصر وأثيوبيا إلى حد دفع الرئيس المصري الأسبق محمد مرّسي الى القول أن كل الخيارات مفتوحة بما فيها الحرب. وكان الرئيس المصري أنور السادات قد صرح بُعيد التوقيع على إتفاقات كامب ديفيد، أن مصر لن تخوض حرباً جديدة إلا في حال هُدّدت مصادرها من المياه.

وتنصّ إتفاقية الإطار التعاوني لنهر النيل، على إنشاء سد في أثيوبيا “سد النهضة” يُحوّل مياه النيل إلى سد كهرمائي ضخم. هذا إذا ما حصل، سيكون له عواقب وخيمة على الإقتصاد المصري كما على المجتمع المصري لأن النيل يؤمّن أغلب إحتياجات الشعب المصري من المياه في بلد تطغى عليه الصحراء.

التعاون مع صندوق النقد

في الختام، يبقى القول أن الإقتصاد المصري دخل مرحلة الخطر بسبب عدم قدرة المسؤولين المصريين على إدارة هذا الإقتصاد الذي يفتقد إلى مقومات الإقتصاد الحديث وذلك على الرغم من حجمه وضخامة عدد السكان الذين يُعانون البطالة والفقر.

وعلى أمل أن تكون الثورة المصرية الثانية باب خروج من الأزمة الإقتصادية الحالية، يتوجّب على المسؤولين المصريين التعاون الكلي مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات العالمية لتطبيق خطة النهوض المطروحة من قبل الصندوق، ويصعُب تصوّر وجود حلول خارج هذا الاطار.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.