البنية التحتية التي يحتاجها لبنان لقطاعه النفطي

0

يُعاني ملف النفط اللبناني حال جمود ناتجة عن عدم إقرار المراسيم المُتعلقة بتقسيم المنطقة الإقتصادية الخالصة ونموذج دفتر الشروط. هذا الوضع الذي قد يتحلحل في المستقبل، يطرح السؤال عن قدرة البنية التحتية الحالية لمواكبة هذا الملف. فما هي البنية التحتية اللازمة لإستخراج الغاز والنفط من البحر؟ وما هو حجم الإستثمارات المتوجبة لنكون على المستوى المطلوب عند بدء الإستخراج؟ تعتبر صناعة النفط مجموعة العمليات التي تُغطي السلسلة الصناعية للنفط والغاز الطبيعي، من الآبار حتى المستهلك. هذه السلسلة تمر في مراحل تمتد من البحث عن النفط، الحفر، الإستخراج (التقييم، الإستعادة الأولية، معالجة السوائل، الإستعادة الثانوية، الإستعادة الخدماتية، الموارد والاحتياطات)، التوزيع (النقل بواسطة خطوط الأنابيب، النقل عن طريق البحر، بوسائل أخرى)، إلى التخزين، والتكرير.

تمر مرحلة الإستكشاف بالبحث عن المواد الهيدروكربونية بواسطة عمليات رصد الزلازل ومعرفة ما اذا كان من المُجدي الإستمرار بها من خلال التنبؤ بمحتوى الخزان. ثم تأتي مرحلة تقييم محتوى الخزان وعملية التطوير والتي تقضي بتقييم الكمية تحت السطح بواسطة الخدمات السلكية والتطوير والصيانة كما وتقدير المخزون والكمية الممكن استخراجها بكلفة معقولة.

وتطوير الخزان يتم بواسطة استعمال معدات تحت سطح البحر. أما مرحلة الإنتاج فتتم عبر إستخراج المواد الهيدروكربونية من باطن الأرض الى السطح بواسطة خدمات التحفيز والأنابيب…الخ.

البنية التحتية

من المعروف أن الدول النفطية في العالم تحتاج إلى بنية تحتية تستطيع مواكبة إستخراج النفط والغاز. وكلمة بنى تحتيّة تعني الأُسس والهيكليّة الاقتصاديّة الداعمة لنشاط إقتصادي معين (هنا القطاع النفطي).

تتوزع هذه البنية بين البنية التحتية المباشرة التي لها علاقة مباشرة مع قطاع النفط كمنصات الإستخراج، محطات التكرير، الطرقات العامة، والمرافئ؛ والبنية التحتية غير المباشرة أو الداعمة والتي تضم الفنادق، الإتصالات، الكهرباء، الخدمات، الصناعة، وغيرها.

لا يمتلك لبنان من البنى التحتية المباشرة إلا القليل الذي يتمثّل بمصفاتي تكرير للنفط غير صالحتين للعمل، وطرقات لا تستطيع إستيعاب السيارات الموجودة حالياً، بما يعني أن لبنان في حاجة إلى منصات إستخراج النفط والتي عادة تكون على حساب الشركات، ويتم إستيفائها لاحقاً من مدخول الغاز أو النفط.
 
كما أننا في حاجة إلى مصافي تكرير تسمح لنا بزيادة أسعار النفط والغاز المُستخرج، ناهيك عن فرص العمل التي قد تُخلق في هذه المصافي، وإلى إيجاد حل للطرقات التي أصبحت شبه مُشبعة بالسيارات والتي يستحيل معها نقل النفط والغاز داخلياً. أما في ما يخصّ المرافئ، فلا نعتقد أن المرافئ البحرية قادرة في حالتها الراهنة على إستيعاب البواخر النفطية من وإلى لبنان لتصدير النفط والغاز المُستخرج.

وحال البنى التحتية الداعمة ليست بأفضل، فالفنادق التي يُمكن إعتبارها الأكثر جهوزية ليست مؤهلة لإستقبال عمال أجانب لفترات طويلة مما سيرتدّ على القطاع العقاري الذي سيشهد حركة إرتفاع بالأسعار قد تقضي عليه لاحقاً.

أما في ما يخصّ الإتصالات ومع وضعها الحالي، فلا يُمكن أن تستوعب خطوطا جديدة لأن الكابلات ومراكز البث أصبحت مشبعة (Saturated) إلى حد أنه لا يُمكن للمرء إجراء إتصال دون أن يُعاود المحاولة مرات عدة.

ووضع الكهرباء ليس بأفضل، إذ لا يُمكن فعلياً تغذية الماكينات في هذا القطاع بما يعني أن الشركات ستعتمد على مولدات وكل هذا خسارة لخزينة الدولة. أما وضع الخدمات الأخرى كالبريد، وسلسلة المطاعم وغيرها، فقد يكون وضعها أسلم بكثير من ناحية قدرتها على التأقلم وقلة الإستثمارات التي تحتاجها.

حجم الإستثمارات المطلوبة

إن الأرقام التي ترد فيما يلي، مبنية على تخمينات قمنا بها. هذه التخمينات هي لسد النقص في الأرقام الرسمية والتي هي أساس القياس في الإقتصاد:
أولاً منصات الإستخراج: هناك العديد من المنصات النفطية في العالم وتبلغ مساحة البعض منها 5000 م2. ويتراوح سعر المنصة بين 200 مليون ومليار دولار. والإستثمار في هذه المنصات يتم من قبل الشركات التي تسترد ثمنها من مدخول النفط.

ثانياً مصافي التكرير: هناك مصفاتا طرابلس والزهراني الموقفتان عن العمل، وفي حاجة إلى إستثمارات تُقارب الـ 3 مليار دولار لإعادة تشغيلها. لكن هذه المصافي تُكرّر النفط العراقي والسعودي. لذا نحن في حاجة إلى إعادة تأهيلها لتصلح لتكرير النفط اللبناني، وفي حاجة إلى إنشاء مصافي تكرير الغاز تقريباً بحدود مليار دولار لكل مصفاة تكرير (في قطر تم إقرار مشروع لإنشاء أكبر مصفاة للغاز السائل حيث يبلغ حجم الإستثمار 14 مليار دولار).

ثالثاً الطرقات العامة: كما سبق الذكر أعلاه، لا يُمكن لطرقات لبنان تتحمّل نقل الغاز والنفط بين مختلف المناطق في وضعها الحالي. وقد يفترض المرء أن أحد الحلول تكمن في إستخدام النقل البحري بين مختلف المرافئ اللبنانية، لكن هذا الخيار يفرض تأهيل المرافئ وتأهيل الطرقات إلى الداخل اللبناني. والكيلومتر من الإسفلت لتعبيد الطرقات يُكلف ما بين 10 إلى 20 دولارا أميركيا. لذا، فإن الكلفة لتأهيل الطرقات تتعلق بخيارات الوزارة عن المواقع التي سيتم تخزين الغاز والنفط فيها كما وآلية التوزيع.

رابعاً المرافئ: إن الإحتمال الأكبر الوارد هو أن يتم تصدير الغاز والنفط عبر الموانئ اللبنانية، بما يعني إستقبال ثلاثة أنواع من البواخر بحسب حمولتها الساكنة: البارجة (25000 طن)، ناقلة نفط (ما بين 50000 و550000 طن) والسوبر ناقلة نفط (550000 طن). والسؤال المطروح: هل تستطيع المرافئ اللبنانية إستقبال هذه السفن؟

من المعروف أن قبرص، إسرائيل، اليونان وإيطاليا هي في طور مفاوضات فيما بينها حول مشروع أنبوب بحري لنقل الغاز من أماكن إستخراجه في البحر إلى أوروبا. ولبنان حالياً ينأى بنفسه عن الدخول في هذه المفاوضات بسبب وجود إسرائيل فيها.

وعدم إشتراك لبنان في هذا المشروع سيجبره على تأهيل مرافئه بما يعني إستثمارات بعشرات المليارات من الدولارات وستكون تكلفة المتر المكعب من الغاز اللبناني أكبر بكثير من التكلفة الإسرائيلية أو القبرصية. فكيف سيتعاطى لبنان مع هذا الوضع؟

خامساً الكهرباء: كلنا نعرف مشكلة الكهرباء ولا حاجة للتذكير بأننا لا ننتج حاجتنا من الكهرباء. فكيف يُمكن تلبية حاجات إضافية آتية من قطاع النفط؟ الجواب لا يُمكن في الوضع الحالي.

وهذا ما سيفرض على الشركات أن تلبّي حاجاتها بواسطة مولدات بما يعني خسارة للدولة اللبنانية التي كانت لتبيع الكهرباء للشركات والإستفادة منها، وهي التي تخسر 128 مليون دولار سنوياً بوجود المولدات الخاصة المنتشرة في كل لبنان. ونعتقد أن تأمين 3000 ميغاواط سيتطلب إستثمارات بقيمة 4 مليار دولار أميركي بما سيلبّي كل حاجة لبنان وسيسمح بتلبية قسم من حاجات الشركات النفطية.

أما في ما يخصّ باقي القطاعات، فالأرقام تتراوح بين المليارين وثلاثة مليارات دولار أميركي لكل قطاع: الصناعة، 4 مليار دولار؛ قطاع الخدمات، قطاع الاتصالات والقطاع العقاري، 3 مليار دولار لكل قطاع؛ القطاع السياحي، قطاع المياه والأبحاث، 2 مليار دولار لكل قطاع.

لكي تكتمل الصورة، تتوجّب الإجابة على أسئلة مهمة لها تأثير كبير على حجم الإستثمارات الواجب القيام بها: هل ستعمد الحكومة إلى خلق مخزون إستراتيجي؟ هل سيتمّ تكرير الغاز والنفط في لبنان؟ هل سيتمّ تصدير الغاز والنفط عبر المرافئ اللبنانية أم سيتم من مكان الإستخراج مباشرة؟ كيف سيتم توزيع الغاز والنفط داخلياً؟ هل هناك من نية لإلزام الشركات النفطية بالإستثمار في لبنان عبر سياسة ضريبية مناسبة؟

كل ما تقدمنا به من تحليل يبقى بعيد المنال في حال لم يتم إصدار مراسيم تقسيم المنطقة الإقتصادية الخالصة إلى مربعات بحرية ودفتر شروط التلزيم. لذا، من الضروري الإسراع في هذا الملف الذي يحمل في طياته مداخيل هائلة تتراوح بين 370 و1700 مليار دولار أميركي. وحبذا لو تعمدّ الجهات المسؤولة إلى نشر مسودة المشروعين حفاظاً على مبدأ الشفافية.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.