الحل للقطاع العقاري.. ضريبة على الشقق الشاغرة

0

تكثر في هذه الأيام المزايدات للتنبؤ بمستقبل القطاع العقاري في لبنان. ومن أكثر الأفكار المطروحة أن أسعار العقارات سترتفع مع أول عامل سياسي إيجابي. فهل يصح هذا القول أم أن الوضع الإقتصادي سيمنع الأسعار من الإرتفاع؟ يُعاني القطاع العقاري اللبناني من أزمة إنخفاض في الطلب منذ أذار 2010. هذه الأزمة قضت على نمو هذا القطاع الذي كان من أهم القطاعات التي ساهمت بنمو الأعوام 2005 إلى 2010. ولكن النمو الذي شهده هذا القطاع هو نتيجة عدة عوامل معقدة وتُشكل نقطة أساسية لفهم إنخفاض الطلب الذي يشهده هذا القطاع حالياً.

بعد أن أطاحت الحرب الأهلية في لبنان (75-90) بالبنية التحتية (أبنية، طرقات، مرافئ عامة…)، عمدت حكومات ما بعد الحرب إلى الإستدانة بهدف إعادة الإعمار. وأخذت يإطلاق مشاريع عامة ضخمة. وبدأ الطلب على العقارات يتأثر بعدة عوامل إيجابية ساعدت على إرتفاعه وخصوصاً في الفترة 2005 إلى 2010.

هذه العوامل منها ما هو سياسي ومنها ما هو إقتصادي وإجتماعي، ولكن العامل الأهم هو سياسي أمني تمثّل بإنسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000، وإنسحاب الجيش السوري من كافة الأراضي اللبنانية في العام 2005، مما أعطى اللبنانيين آمالاً جديدة بسلام في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في لبنان.

هذا العامل لعب دوراً كبيراً في تحفيز الطلب والإستثمار في القطاع العقاري وساعده في ذلك العوامل التالية:

– أموال المغتربين اللبنانيين التي شكلت نسبة 60% من المشتريات في ذلك الوقت، والتي وصلت إلى مستوى تاريخي (8 مليار دولار أميركي في السنة)

– أموال المستثمرين الخليجيين التي تدفقت إلى لبنان بشكل مباشر وغير مباشر (Proxy) والتي بلغت أيضاً أرقاماً كبيرة (ما يفوق العشر مليارات دولار). هذه الإستثمارات أتت كنتيجة الإهتمام الخليجي بلبنان لما لموقعه وسياسته المصرفية وليونة القوانين فيه من ميزات.

– الأموال الناتجة عن عمليات تبييض الأموال والتي من الصعب معرفة قيمتها بالتحديد لعدم كشف كل هذه العمليات ولكن تقديراً أولياً يُوصلنا إلى عشرات مليارات الدولارات (لم تُستخدم كلها في القطاع العقاري)

– أسعار العقارات في لبنان التي كانت أقل من نظيراتها في الدول المجاورة مع العلم أن الوضع الجغرافي اللبناني والطقس وجبت إعطاء الأفضلية للعقارات في لبنان

– الإعتقاد السائد بأن الإستثمار في العقارات هو ملاذ آمن يحمي من التضخّم ويسمح بالحفاظ على قيمة الثروة، كما ويسمح بزيادة الثروة في حال إرتفعت الأسعار.

وكنتيجة لإرتفاع الطلب وغلاء الأسعار للمواد الأولية كالحديد والترابة في العام 2005، إرتفعت أسعار العقارات في الفترة المُمتدة من 2005 إلى آذار 2010 بشكل ميكانيكي، خصوصاً مع إنخفاض الأراضي الصالحة للبناء في مناطق بيروت وجبل لبنان.

لكن تمويل عمليات الشراء والإستثمار هذه لم تكن نتيجة ماكينة الإقتصاد اللبناني بل من خارج هذا الإقتصاد الذي كان نموه 8% مقارنة بنمو في أسعار العقارات الذي فاق الـ100% ممّا يعني أن الإقتصاد اللبناني لم يستطع مواكبة هذا الإرتفاع. لذلك نستنتج أن أي خلل في مصادر التمويل سينعكس بشكل تلقائي على القطاع العقاري ولو كانت هذه العمليات مموّلة من ماكينة الإقتصاد لكان التأثّر أقل سرعة (Inertia).

ومع ظهور الأزمة المالية العالمية في الـ2008، بدأت أموال المغتربين بالإنخفاض نتيجة صرف قسم من اللبنانيين العاملين في الخارج. وكنتيجة لذلك بدأ نمو الطلب على العقارات بالإنخفاض لكن هذا الإنخفاض لم يؤثر على الأسعار، بسبب قلة المرونة (Elasticity) على العقارات. ومفهوم المرونة في علم الإقتصاد يسمح بقياس الطلب مقارنة بالأسعار أي بمعنى أخر قياس التغيرات في الطلب نسبة إلى التغيرات في الأسعار.

وفي آذار العام 2010، قام مركز مراقبة المخدرات الاستراتيجي الأميركي بإصدار تقرير لحظ فيه أن لبنان يواجه خطر عمليات تبييض اموال وتمويل نشاطات ارهابية. هذا التقرير دفع مصرف لبنان إلى التشدد في المراقبة على العمليات المصرفية وكنتيجة لذلك أخذ الإستثمار والطلب بالإنخفاض.

تزامن التقرير مع بدء الثورات العربية التي جعلت منطقة الشرق الأوسط تعيش حالة عدم إستقرار ورزح لبنان تحت مخاوف إستيراد هذه الثورات. ومع إندلاع الثورة السورية أخذت الأوضاع الإقتصادية بالتردّي، وأخذ اللبنانيون بإستيراد هذه الأزمة عبر أحداث أمنية هنا وهناك، وبدأت تطال مواطنين خليجيين مما دفع حكوماتهم إلى منعهم من السفر إلى لبنان.

واكب هذا المنع عقوبات من قبل الدول الخليجية على لبنان نتيجة الخيارات السياسية التي قام بها اللبنانيون (إسقاط حكومة الرئيس الحريري) مما أدّى إلى إنسحاب المستثمرين والسياح الخليجيين من لبنان.

هذا الوضع أثر بشكل سلبي على القطاع العقاري وعلى الإقتصاد اللبناني وإنخفض الطلب بشكل كبير على الشقق الكبيرة وعلى الأراضي (بسبب الأسعار العالية) وحافظ الطلب على الشقق المتوسطة والصغيرة على مستواه.

في مطلع هذا العام، أخذ اللبنانيون بالإنغماس أكثر في الأزمة السورية، وسجل القطاع العقاري تراجعاً كبيراً في أوائل الـ 2013. والأرقام تُشير إلى أن عدد العمليات إنخفض بنسبة 20% أما قيمة العمليات فسجلت تراجعاً بنسبة 24% نسبة إلى نفس الفترة من العام 2012.

وإذا ما نظرنا إلى طلبات الترخيص التي تدل على الأمل في المستقبل العقاري نرى أنها إنخفضت بنسبة 30% نسبة إلى نفس الفترة من العام 2012 مما يعني أن المنظورات المستقبلية لا تُوحي بالتفاؤل.

هل سترتفع أسعار العقارات في لبنان ؟

هناك عوامل تدفع باتجاه إنخفاضي كالأوضاع السياسية والأمنية الراهنة التي لا توحي بالثقة مما يعني الإهتمام بالإستمرارية بالدرجة الأولى، والعدول عن الإستثمار حالياً بإنتظار حلحلة في الأوضاع، خصوصاً الأزمة السورية. هذه الأوضاع ستؤثر سلباً على القطاع العقاري، وبالتالي الأسعار، في حال إستمرت.

وهناك أيضاً الأوضاع الأقتصادية المتردية التي لا تسمح للراغبين من الطبقة الوسطى أو الفقيرة بالحصول على قروض نظراً لتردّي الملاءة التي هي أساس شروط المصرف لإعطاء قروض…

وهناك عوامل تدفع بإتجاه صعودي مثل ندرة الأراضي، رغبة الكثيرين من المواطنين بالحصول على مأوى، ورغبة المستثمرين والمضاربين بالإستفادة من إرتفاع الأسعار، إذ أن قسماً كبيراً منهم مقتنع بشكل كبير بأن القطاع سيعود إلى الإزدهار، وسترتفع الأسعار من جديد حتى لو طال الوقت. وهناك إحتمال حصول فرز طائفي في سوريا مما سيدفع الكثير من السوريين إلى شراء عقارات في لبنان…

بحسب رأينا، الوضع الحالي سيستمر كما هو عليه في غياب صورة واضحة عن الأزمة السورية وعن الوضع الإقتصادي. والخروج من هذا الوضع يمر عبر الخروج من دوامة الأزمة السورية وإعادة الوضع الإقتصادي إلى نمو إيجابي يفوق نسبة الفوائد على الدين العام.

لكن يُمكن للدولة اللبنانية إعادة الحياة الى هذا القطاع عبر فرض ضريبة على الشقق الشاغرة. فهذه الشقق غير المستثمرة تحرم السوق من عدد هائل من الشقق (في بيروت وحدها هناك 50000 شقة شاغرة) مما يزيد الأسعار تلقائياً.

هذه الضريبة ستسمح بحلحلة القطاع العقاري إذ أنها ستدفع الأسعار إلى الإنخفاض حيث يُفضّل المالك البيع أو التأجير بأسعار منخفضة لتفادي دفع الضرائب. كما أنها ستسمح بإدخال الأموال إلى خزينة الدولة وهي ضريبة عادلة لأنها ستعطي خزينة الدولة قسما من الأرباح التي حُققت بدون أي تناغم مع غلاء المعيشة.

من المهم أن نُشير الى أن هذه الضريبة هي قبل كل شيء لتحريك هذا القطاع وهي ضرورة في الإقتصادات الرأسمالية الحرة لإعادة التوازن مع الإقتصاد. وعلى سبيل الذكر، لا يُمكن التملك في وسط العاصمة البريطانية إلا لمدة 99 عاماً بعدها تعود الملكية الى الدولة.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.