الغاز في إسرائيل والحسابات الجيوستراتيجية الجديدة

0

لم تكن اسرائيل لتحلم بتوقيت أفضل، ففي 30 أذار 2013، إحتفلت بعيدها الـ 65 وبنفس الوقت دشّن رئيس الوزراء الإسرائيلي بدء عمليات إستخراج الغاز من حقل تامار المُكتشف في 2009. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الإحتفال أن إسرائيل تحتفل الأن بإستقلالها في مجال الطاقة. فهل من أبعاد إستراتيجية لهذا الحدث ؟ وما تأثيره على الإقتصاد العبري؟ `يفتقر الإقتصاد الإسرائيلي للثروات الطبيعية بما فيها الماء والمعادن الثمينة. وكنتيجة لذلك، قامت إسرائيل بالتعويض عن هذا النقص بتطوير قطاع التكنولوجيا مدعومة من أميركا ومن اللوبي الصهيوني المنتشر في العالم.

وعلى مرّ عمر الدولة العبرية، أخذ التطور التكنولوجي مساره التقدمي إلى حد دفع إسرائيل إلى المراتب الأولى في الصناعة العسكرية، وخصوصاً الجوية. وبتنا نسمع عن عقود تجارية بين إسرائيل ودول صناعية متطورة كألمانيا لشراء طائرات عسكرية بما يُؤكد التفوق الإسرائيلي في هذا المجال.

ولكن دراسة الإقتصاد الإسرائيلي تؤدي إلى الإستنتاج التالي: قبل إكتشاف حقول الغاز قبالة الشواطئ الإسرائيلية، كان الإقتصاد الإسرائيلي يفتقر إلى عنصرين أساسيين الماء والنفط.ولحل هذه الأزمة، قامت إسرائيل بإحتلال أقسام كبيرة من الضفة الغربية لوضع يدها على الموارد المائية حيث تستهلك 80% من الموارد المائية للضفة.

وغزت جنوب لبنان لوضع اليد على نهر الوزاني حيث قامت بوضع محطة ضخ للمياه في القسم المتنازع عليه مع لبنان. ولحل أزمة النفطـ، عمدت إسرائيل إلى إستيراد الغاز المصري بأسعار بخيسة ضمن إتفاقية مع مصر.

لكن مع تغيير النظام المصري ووصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، وتفجير أنابيب الغاز التي تُصدّر إلى إسرائيل من قبل بعض المتطرفين، قامت إسرائيل بتسريع إيجاد حل لمشكلة الغاز.

وساعد إسرائيل في ذلك عاملين: الأول المسح السيسمي الذي قامت به المنظمة الأميركية USGS، والدعم الإستثماري الأميركي. وفي عام 2009، إكتُشف حقل غاز تامار وقُدّر محتواه بـ 240 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

وقامت شركة نوبل إينرجي الأميركية بالإستثمار في هذا الحقل على مدى 4 سنوات وبدأ الإستخراج الفعلي للغاز في 30 أذار 2013. وفي نفس الوقت إكتُشف حقل ثانٍ أكبر من تامار دعي بـ لافياتان ويحتوي على كمية هائلة من الغاز تدفعه إلى المراتب الأولى في العالم من ناحية الكمية إذ يحتوي على 450 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي (أنظر إلى الرسم).

هذه الإكتشافات لها أثار هائلة على الإقتصاد الإسرائيلي كما على الإستراتيجية الوطنية الإسرائيلية. فمن الناحية الإقتصادية، ستسمح هذه الثروة بضخ مبالغ ضخمة في الإقتصاد مما سيقلّل التعلّق بالمساعدات الأميركية ويسمح للدولة العبرية بالإستثمار في مجالات أخرى في الإقتصاد كالزراعة والصناعة والخدمات والبنية التحتية الإسرائيلية (بما فيها المستوطنات).

ومن المتوقع أن تعمد إسرائيل في حلول الـ 2020، إلى زيادة إستثماراتها الخارجية في العالم على نفس نمط قطر بما يسمح لها بتأمين موازاناتها كلياً من الإستثمارات الأجنبية. وعلى الصعيد الداخلي ستسمح هذه الثروة للدولة العبرية بإستيعاب الإحتججات الإجتماعية كالتي ضربتها في تموز 2011 عبر سياسات إجتماعية إنفاقية.

من الناحية الإستراتيجية، حصلت إسرائيل على إستقلال ذاتي في مجال الطاقة ولم تعد متعلقة بالعدو الصديق “مصر” ولا بأي دولة أخرى. فإستهلاك إسرائيل من الغاز في تزايد مستمر (أنظر إلى الرسم) حيث بلغ إستهلاكها 3 مليار متر مكعب في العام 2009. وهذا الإستقلال في مجال الطاقة سيسمح لها بالتطرف أكثر في مواقفها تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي والصراع الإيراني-الإسرائيلي.

وإذا كانت إسرائيل عاجزة عن الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران لأسباب إقتصادية لما لهذه الحرب من كلفة على الإقتصاد الإسرائيلي، فإن 5 أو 6 سنوات ستكون كافية للدولة العبرية لخوض مغامرة عسكرية مع إيران.

خلال هذه السنين ستعمد الحكومة الإسرائيلية إلى إعتماد إستراتيجية دفاعية تأتي في مرتبتها الأولى القوة العسكرية كحامية للإقتصاد والثروة النفطية التي تحتل المرتبة الثانية في الإستراتيجية الإسرائيلية.

وسينتقل الصراع من صراع وجود للدولة العبرية إلى صراع سيطرة على الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الموارد المائية التي ستصبح السبب الأساسي في المواجهات المُستقبلية.

يبقى، أنه في حين تُسرع إسرائيل في إستخراج الغاز من حقولها البحرية، يتخبّط لبنان في صراعات داخلية أسبابها خارجية ووقودها مذهبي، وليس له من قدرة حتى على تشكيل حكومة للإسراع في إستخراج النفط والغاز الموجود في حقوله البحرية والبرية. هذا التأخير ستكون له عواقب جسيمة على الإقتصاد اللبناني وعلى الحياة اليومية للمواطن.

فالمواجهات التي قد تندلع في لبنان بين جبهة النصرة وحزب الله، وفي غياب أي حل، ستوقف الماكينة الإقتصادية بشكل قوي وستؤثر سلبياً على التجارة الخارجية وعلى القطاع المصرفي وعلى السياحة وبالتالي على الليرة، عجز الميزانية، وعلى الدين العام وستعمد وكالات التصنيف إلى تخفيض التصنيف الإئتماني للبنان مما سيزيد في سوء الوضع المالي، وسيدخل لبنان في دوامة تُكلفه ما يُقارب الـ 12 مليار دولار أميركي سنوياً.

كلنا نريد لبنان حراً مستقلاً ولكن كل فريق على طريقته الخاصة، فحبذا لو نتفق على الأسس المشتركة التي قد تقودنا إلى بر الأمان.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.