العلاقات الروسية – الصينية من منظار إقتصادي

0

يتخوّف العالم من تنامي العلاقات الصينية-الروسية والتي تُشكل حفيظة دول عدة،على رأسها الولايات المُتحدة الأميركية. يتمثل هذا التخوّف بإزدياد نفوذ التحالف الصيني – الروسي على أصعدة عدة: سياسية، عسكرية وإقتصادية، والذي إذا ما إستمر، قد يُشكّل ضربة قوية للأحادية القطبيّة. فما هي طبيعة الشق الإقتصادي لهذا التحالف؟ وما هو بعده الإستراتيجي في الحرب الإقتصادية الدائمة؟  يُشير التاريخ إلى أن أول إتصال رسمي على صعيد الدولة بين روسيا والصين يعود إلى العام 1640 حيث عمد البلدان الى اقامة علاقات دبلوماسية ما لبثت أن تطورت إلى علاقات تجارية ورسم حدود عبر توقيع أربع معاهدات رسمت الحدود الحالية بين الدولتين (بكين 1960، نرتشينسك 1689، كياختا 1727، أيجان 1858). أتى توقيع هذه المعاهدات على خلفية أزمة الحدود التي تلت ضم روسيا لنهر أمور الذي يفصل بين الدولتين.

وفي العام 1949، إستعاد البلدان علاقتهما الثنائية بعد تحالفهما مع كوريا الشمالية، لكن في العام 1958، تدهورت العلاقات مجدداً وبشكل كبير خصوصاً بعد الدعم الروسي للهند في حربها ضد الصين في العام 1963. تترجم هذا التدهور في العلاقات بمواجهات عسكرية على الحدود بين الدولتين في العام 1969.

مع مطلع تسعينات القرن الماضي، أخذت العلاقات الروسية – الصينية منحى إيجابياً جديداً مع التوصّل إلى إتفاق على أزمة الحدود بينهما. وتترجم هذا التطوّر الإيجابي في العام 2001 بتوقيع معاهدة “تعاون وحسن الجوار والتعاون الثنائي الودِّي”. وبدأت الثقة المتبادلة بالتزايد إلى حد تصنيف العلاقات الروسية – الصينية بعلاقات إستراتيجية على الأمد الطويل.

البعد الإقتصادي

من منظار إقتصادي، يبلغ حجم التبادل الروسي – الصيني 88.16 مليار دولار أميركي (2012)، والتوقعات تفيد بأن هذا الرقم سيبلغ الـ 100 مليار دولار في العام 2015 و200 مليار في العام 2020. وتأتي روسيا بين الدول العشر الأكثر تبادلاً تجارياً مع الصين. تعتمد الصين بشكل كبير على روسيا لتحديث جيشها، وبذلك تستورد المعدات العسكرية بشكل كبير من روسيا.

كما وتستورد الصين الخشب الروسي، النفط، والمعادن الحديدية. في المقابل، تستورد روسيا معظم السلع الإستهلاكية من الصين. وتطمح روسيا في أن تزيد الصين من إستثماراتها المباشرة في إقتصادها والتي بلغت 44.2 مليار دولار في العام 2012.

ويعمل البلدان على تفعيل التعاون الصناعي بينهما من خلال تطوير صناعتهما. فإتفاق التعاون التكنولوجي في تشرين الأول 2011 ينصّ على أن الصين وروسيا ستدفعان قدماً الأبحاث المشتركة في مجالات النانوتكنولوجيا، البيوتكنولوجيا، المعلوماتية والطب بهدف الإستفادة تجارياً وصناعياً من نتائج هذه الأبحاث.

يُشكل التعاون في قطاع الطاقة أساس التحالف الإقتصادي بين روسيا والصين. وطبيعة وأهمية هذا التعاون تأتي من تشابك المصالح بين الدولتين. فالصين ثالث أكبر مُستورد للنفط بعد الولايات المتحدة الأميركيَّة واليابان والتوقعات بحسب وكالة الطاقة الدوليَّة أن تتضاعف مُستوردات الصين من النفط إلى خمسة أضعاف في عشرات الأعوام القادمة.

من جهة أخرى، تُعتبر روسيا عملاقاً في مجال الطاقة، حيث تمتلك سابع أكبر إحتياطي نفطي في العالم. لذا تظهر الحاجة الماسة للصين إلى موارد الطاقة من روسيا، التي تمتلئ أعماق أراضيها بالغاز والنفط.

تترجم هذا الواقع بتوقيع الصين وروسيا إتفاقية في عام 2007 تتعلَّق ببناء مصنع لتكرير النفط في الصين بقدرة 10 ملايين طن في العام. كما وُقِّع في موسكو في العام نفسه مُلحق للاتفاقيَّة الحكوميَّة المعقودة عام 1992 حول التعاون لبناء مصنع في الصين لإنتاج أجهزة الطرد المركزي التي تعمل على الغاز لتخصيب اليورانيوم.

كما تمّ توقيع الاتفاقيات الاستراتيجيَّة حول التعاون في مجال النفط في العام 2009 بقيمة تقارب الـ100 مليار دولار. وتطوَّر التعاون في قطاعات الغاز والفحم، وازداد حجم واردات الأخشاب إلى الصين، وبدأت روسيا تُصدِّر الى الصين دفعات كبيرة من الفحم الروسي.

جدير بالذكر أنه في أيار 2003، قامت المؤسّسة الصينيَّة للنفط والغاز الطبيعي وشركة “يوكوس” الروسيَّة للنفط بالتوقيع على إتفاقيَّة تتضمّن تنفيذ مشروع مد أنابيب النفط والغاز من سيبيريا إلى الصين قادراً على تزويد الصين بـ 700 مليون طن من النفط الروسي خلال 25 سنة.

وفي العام 2011، بدأ العمل بخط أنابيب النفط الذي يربط الشرق الاقصى الروسي وشمال شرق الصين والذي يسمح بنقل 15 مليون طن من النفط الخام من روسيا الى الصين سنوياً.

البُعد الإستراتيجي

لا يخفى على أحد أن الحرب الإقتصادية بين الدول هي حرب دائمة تطال كل دول العالم، وصانعوها هي الدول الكبرى. وقد أخذت هذه الحرب أبعاداً كبيرة إلى حد التأثير على القرارات السياسية للحكومات. وأكبر مثال على ذلك رفض أوكرانيا الأسبوع الماضي معاهدة التفاهم مع الإتحاد الأوروبي في 26 من الشهر الجاري على إثر التهديدات الروسية بقطع الغاز الروسي عن أوكرانيا وسحب الشركات الروسية من السوق الأوكراني.

والصين التي أصبحت رسمياً ثاني أكبر إقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية وأمام اليابان (الناتج المحلي الإجمالي للصين 5878.6 مليار دولار أميركي في العام 2010) تحتاج إلى أسواق غير الأسواق الأوروبية والأميركية التي تغرق بأزمات مالية، لتُصبح أول قوة إقتصادية في العالم. كما تحتاج إلى تطوير سوقها المحلي.

لذا ترى الصين في التعاون مع روسيا باباً لتعزيز نموها الإقتصادي ولإستمراريته، وترى فيه تحقيقاً لمصالحها الذاتية على المدى الطويل. أما من جهة روسيا، فإنها ترى في الصين مخرجاً لغازها ونفطها وخصوصاً مع تزايد المنافسة في السوق الأوروبي من قبل دول غازية أخرى كقطر وغيرها.

لكن إستمرار التطور والتنمية الحالية للصين على الصعيد الإقتصادي وعلى الصعيد العسكري سيسمح لها بخلق أحادية قطبية على الصعيد الإقتصادي حيث ستصبح في العام 2025 أكبر دولة إقتصاديَّة مع إقتصاد يبلغ ما يعادل مرة ونصف إقتصاد الولايات المتحدة وأحادية أخرى عسكرية في العام 2050 مع إستراتيجية عسكرية تطمح لخلق ماكينة عسكرية تحمي هذا الإقتصاد.

كل هذا يُثير الحذر لدى الجانب الروسي الذي إذ يرى مصلحة له في التحالف الجيوسياسي لمواجهة الهيمنة الأميركية، يتخوّف من أن تُصبح روسيا للصين كما كندا للولايات المتحدة الأميركية.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.