فرنسا في مهب الريح

0

تعيش ثاني قوة إقتصادية في منطقة اليورو أزمة ركود منذ عامين، ولاشيء يُوحي بتحسّن ملموس في حالتها الإقتصادية. آخر الأرقام تُشير إلى أن الإقتصاد سيعيش حالة مُزرية حتى نهاية العام 2014. ما هو وضع الإقتصاد الفرنسي ؟ وأين فرنسا من معاهدة ماستريتش؟ تُعدّ فرنسا خامس قوة إقتصادية عالمية، مع ناتج محلي إجمالي يوازي 2،8 تريليون دولار أميركي (صندوق النقد الدولي،2011). وقد سمحت هذه القوة الإقتصادية لفرنسا بإحتلال المرتبة 35 في لائحة أعلى ناتج محلي إجمالي فردي. ويمكن وصف الإقتصاد الفرنسي بإقتصاد خدماتي لإعتماده بنسبة كبيرة على قطاع الخدمات الذي يُشكّل أكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي.

بعد الحرب العالمية الثانية، عاشت فرنسا نسبة نمو تزيد عن 5% لفترة دامت ثلاثين عاماً، وتميزت بإعادة إعمار ما هدّمته الحرب. وقد أخذت السياسة الإقتصادية منحىً جديداً مع دخول فرنسا إلى الإتحاد الأوروبي حيث أصبح الإقتصاد إقتصاداً مفتوحاً على أوروبا وخصوصاً منطقة اليورو. وهذا ما شجّع على زيادة الإستيراد والتصدير حيث تحتل فرنسا المرتبة السادسة عالمياً.

لكن السياسات الإجتماعية المُتّبعة في فرنسا منذ عقود قضت على القدرة التنافسية للإقتصاد الفرنسي، وقامت بتحويله إلى إقتصاد خدماتي بالدرجة الأولى عبر هروب الشركات الفرنسية والأجنبية إلى بلدان أخرى، حيث الكلفة أقل والقوانين أقل صرامة منها في فرنسا.

وكان لإعادة هيكلة الإقتصاد الفرنسي مقرونة بقوانين إجتماعية أُعتبرت قاسية في الإقتصادات الحرة، أثر كبير على البطالة التي تُعدّ من أعلى مستويات البطالة في الإقتصادات المُتطورة.

وكان للأزمة المالية العالمية التي بدأت في آذار 2007، أثاراً كبيرة على الإقتصاد الفرنسي حيث شهد إنكماشاً بنسبة 4%. ويأتي السبب الأساسي من مدى تشابك الأنظمة المالية الفرنسية مع الأنظمة الأميركية والأوروبية. وشهدت عدة بنوك أزمات مالية حادة دفعت بالحكومة الفرنسية إلى دفع مبالغ كبيرة لإنقاذ هذه البنوك (مثال Dexia). وواجهت فرنسا عدة إستحقاقات مالية أخرى دفعت الدين العام الفرنسي إلى مستويات أصبحت غير مستدامة.

وبحسب المنظمة الوطنية الفرنسية للإحصاء (Insee)، بلغ الدين العام الفرنسي بحسب معاهدة ماستريتش 1833 مليار يورو في نهاية 2012 (90 % من الناتج المحلي الإجمالي). وللتذكير تمنع معاهدة ماستريتش على دول منطقة اليورو تخطي عتبة الـ60% من الناتج المحلي الإجمالي.

عند ظهور أزمة الديون السيادية في أوروبا، أخذ الإهتمام بالدين العام الفرنسي يزداد، خصوصاً من قبل وكالات التصنيف الإئتماني التي خفّضت التصنيف الإئتماني الفرنسي كردة فعل على مستوى هذا الدين وعدم قدرة فرنسا على لجمه.

وقامت الحكومة الفرنسية في أواخر العام 2011 بوضع خطة تقشفية خجولة لم تستطع معها لجم العجز في الميزانية والدين العام. وعند إستلام الإشتراكيين الحكم في فرنسا في أيار 2012، عارض الرئيس الفرنسي فرونسوا هولاند خطة التقشّف معتبراً إنها تزيد البطالة.

وإستمر الدين العام بالإرتفاع. ومنذ فترة، قامت المفوضية الأوروبية بتوجيه تنبيه الى فرنسا داعية إلى لجم العجز عبر لجم الإنفاق الجاري وإصلاحات إقتصادية خصوصاً قطاع التقاعّد.

هذا التنبيه دفع الرئيس الفرنسي إلى الردّ على المفوضية الأوروبية بالقول أنه ليس على بروكسل أن تقول لفرنسا ماذا يجب عليها فعله مما دفع نائب ألماني في البرلمان الأوروبي إلى إنتقاد فرنسا بشكل لاذع.

يبقى السؤال الأساسي، حول قدرة فرنسا على السيطرة على عجزها ودينها العام. هذا الموضوع لا يخصّ فرنسا وحدها لما لفرنسا من تشابّك في الإقتصاد مع دول منطقة اليورو وغيرها من الدول المتطورة كبريطانيا وأميركا. فقد أظهرت الأزمة اليونانية أن التأثير على دول منطقة اليورو قد يكون كارثياً في حالة فرنسا التي هي ثاني إقتصاد في منطقة اليورو.

وللتذكير، يُشكّل الإقتصاد اليوناني 2 % من حجم إقتصاد منطقة اليورو والأزمة المالية والإقتصادية التي يمرّ فيها هذا الإقتصاد، أدّت إلى تخفيض التصنيف الإئتماني لكثير من المصارف الأوروبية المتعرّضة للديون السيادية اليونانية.

ومع توقعات تشاؤمية للإقتصاد الأوروبي عموماً والفرنسي خصوصاً في العام 2013 و2014، لا يجد المرء حلاً لأزمة الديون العامة الفرنسية التي قد تُكلفها في المرحلة الأولى خفضاً في تصنيفها الإئتماني وإرتفاعاً في نسبة الفوائد على إصداراتها. وتعتبر ألمانيا نفسها معنية بشكل أساسي بهذه القضية لكونها المموّل الأول لصندوق الثبات المالي الأوروبي الذي قد تلجأ اليه فرنسا في حال زاد تدهور المالية العامة في فرنسا.

جدير بالذكر أن ألمانيا، وإبان نشؤ الأزمة المالية الإيطالية والتي أتت بعد الأزمة الإيرلندية والبرتغالية واليونانية والإسبانية، قامت بتقدير كلفة خروجها من منطقة اليورو وقارنتها بكلفة بقائها في هذه المنطقة.

وأتت النتيجة على النحو التالي: إن كلفة الخروج من منطقة اليورو ستكون أكبر من كلفة البقاء فيها ناهيك عن الأضرار التي ستتسبّب بها للدول الأوروبية الأخرى ولنفسها أيضاً نظراً لتشابك هذه الإقتصادات مع بعضها البعض.

يبقى أن وقوع فرنسا في أزمة مالية سيكون كارثياً على أوروبا والإقتصاد العالمي. وسيكون لألمانيا دوراً أساسياً في حلّ هذه الأزمة لما يُشكّله المحور الفرنسي-الألماني من أهمية لمنطقة اليورو.

وباستعارة من الزعيم الوطني رياض الصلح نقول بالتصرُّف : “أوروبا قنطرة بقوسين فلا يجوز أن يضعف قوس ويقوى آخر فينهار البناء”.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.