سلسلة الرتب والرواتب: مقاربة موضوعية

0

صار معروفاً لدى الجميع أن سلسلة الرتب والرواتب، التي يتم دراستها حالياً في اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة، سيكون لها تأثير سلبي على الإقتصاد والمالية العامة. أبرز العواقب التضخم الذي سينتج عن عدم إيجاد مصادر تمويل، بالاضافة الى ضخ 4000 مليار ليرة في هذا الإقتصاد. فهل يُمكن إقرار السلسلة وتحاشي إلحاق أضرار جسيمة بالإقتصاد والمالية العامة؟ وما هي المصادر المُمكنة لتمويلها؟ تُعدّ إحالة سلسلة الرتب والرواتب من قبل مجلس الوزراء الى مجلس النواب إعترافا ضمنيا لمجلس الوزراء بعدم قدرته على إيجاد مصادر تمويل لهذه السلسلة. على الرغم من أن مشروع سلسلة الرتب والرواتب المُحال يحتوي على 19 بندا للتمويل، إلا أنها لا تؤمّن كلفة السلسلة.

فالبنود في معظمها تقترح التمويل من زيادة الضرائب والرسوم والغرامات وتسوية الأوضاع، مفترضة بذلك أن هذه التدابير ستؤمّن كلفة السلسلة والتي لا تعرف الحكومة حتى الآن كلفتها بالتحديد.

مقاربة الملف

من أجل فهم عواقب السلسلة يتوجب مقاربة الملف من عدة جوانب، من أهمها:

أولاً على صعيد التمويل: إن تمويل سلسلة الرتب والرواتب ليس إلزامياً لإقرار السلسلة، لكن إقراره دون مداخيل حقيقية سيؤدّي إلى زيادة العجز مما سيؤثر بشكل كارثي على المالية العامة. وسيُترجم كل هذا بزيادة الدين العام وإضعاف الليرة اللبنانية.

والبنود الـ 19 المقترحة للتمويل لا تُغطي كلفة السلسلة. على سبيل الذكر، تقترح الحكومة زيادة الضريبة على القيمة المضافة الى 15% على عمليات استيراد وتسليم الأجهزة الخليوية وقطع الغيار العائدة لها، السلمون، القريدس، الكافيار، والسيارات بكافة أنواعها.

هذه الضريبة ستؤمّن، بحسب وزارة المالية، ما يُقارب الـ 100 مليون دولار. وتقترح الحكومة أيضاً في مشروعها، خفض 20% للضريبة على القيمة المضافة القابلة للاسترداد من قبل السياح وقُدّرت وارداتها بـ 5 مليارات. ومع موسم سياحي ميت، يتساءل المرء من أي سواح ستسترد الحكومة الضريبة المقترحة؟

ومن بين البنود المُقترحة أيضاً، رفع رسم الطابع المالي على رخص البناء، وفرض ضريبة على ارباح المبيعات العقارية بمعدل 15%. وبما أن القطاع العقاري يعيش حالة جمود نستنتج أن هذا البند لن يُعطي المداخيل المرجوة لا بل على العكس سيُخفّض عدد العمليات العقارية… كل هذا للقول أن المداخيل المقترحة لن تُؤمّن الأموال المرجوة لأن معظمها مرتبط بالوضع الإقتصادي ولن تستطيع بالنتيجة تأمين كلفة السلسلة.

ثانياً، التأثير على الإقتصاد: إن سلسلة الرتب والرواتب هذه تأتي لتصحيح الخلل الذي طال الأجور على مرّ السنين الماضية. وحتى لو كان هناك من مصادر تمويل أكيدة، فالتأثير على الإقتصاد سيكون كارثة على عكس ما يدَّعيه البعض بأنها ستدفع الإقتصاد إلى النمو. هذه الكارثة تكمن في ضخ ما يُقارب 4000 مليار ليرة في الإقتصاد (الرقم الحقيقي غير معروف حتى من قبل وزارة المال) مما سيدفع بالقدرة الشرائية للمواطن إلى الإرتفاع بنسبٍ لا تتناغم مع النمو الإقتصادي.

وفقدان التناغم هذا سيُترجم بتضخّم هائل قد يقتل كل أمل في نمو إقتصادي حقيقي. لذا تبرز أهمية تقسيط السلسلة على عدة سنوات لمنع أي تضخم غير إعتيادي من التغلغل في الماكينة الإقتصادية، لأن الإقتصاد لا يُحب الإنقطاع (Discontinuity).
ثالثاً، التأثير على المالية العامة: إن فقدان مصادر حقيقية لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، سيؤدي إلى زيادة العجز في المالية العامة التي هي أصلاً في حالة عجز مزمن.

وهذا سيؤثر على الدين العام. ولكن هذا التأثير لن يكون الوحيد، فالليرة اللبنانية التي تعكس الثروة الوطنية، ستتأثر بتآكل المالية العامة، وسينعكس سلباً على معدلات الفائدة على الدين العام (تخفيض التصنيف الإئتماني) مما يعني زيادة الطلب على العملة الأجنبية. وإذا كان إحتياط مصرف لبنان يُشكل صمام أمان، إلا أن هذا الإحتياطي لن يكفي في ظروف غير إعتيادية على تحمّل فترات طويلة (للتذكير إنخفض إحتياط المركزي المصري من 36 إلى 13 مليار دولار في ظرف سنتين).

رابعاً على الصعيد الإجتماعي: إن إقرار سلسلة الرتب والرواتب، سيعيد لفترة وجيزة التوازن الإجتماعي. ونقول فترة وجيزة لأن التضخّم سيأكل هذه الزيادة في الأجور لوجود مهارب (Gaps) في الإقتصاد. ولفهم هذا الأمر يكفي أن نسأل ماذا سيفعل المواطن الذي سيستفيد من هذه الزيادة؟

هناك إحتمالان: الأول إدخاله إلى الدائرة الإقتصادية عبر الإستهلاك مما يعني التضخم، والثاني إيداعه في المصرف مما يعني زيادة الودائع في المصارف وبالتالي خفض الفائدة على الودائع. وهذا يعني عملية تحويل قرض الدولة من المصارف والأسواق، لتمويل السلسلة، إلى ودائع في المصارف لحساب المودعين. انها معادلة، لا أحد يستطيع التحديد أين الفائدة منها!

كيف يُمكن حل هذه المُشكلة؟

ولئلا يكون هناك أي لغط، ينبغي التأكيد على دعم إقرار السلسلة، لكن الاعتراض هو على طريقة التمويل المُقترحة، لأنها فعلاً ستكون كارثة. وللخروج من هذا المأزق يجب على اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة المولجة دراسة السلسلة إعادة المشروع الى الحكومة لتأخذ بالإعتبار المصادر الحقيقية القادرة على تأمين سلسلة الرتب والرواتب: الأملاك البحرية مع مفعول رجعي على كل الفترة التي أستُغلت بها؛ فرض ضرائب على الشقق الشاغرة (45000 شقة شاغرة في بيروت وحدها)؛ فرض ضرائب على الأرباح العقارية منذ العام 2005 حتى الآن؛ فرض ضرائب على أصحاب المولدات الذين يحرمون الدولة من مبلغ سنوي قدره 128 مليون دولار أميركي؛ فرض ضرائب على المصالح التي تُشغل أيدٍ عاملة أجنبية غير مُصرّحة للضمان كالمطاعم ومحطات البنزين وورشات البناء وغيرها؛ التشدّد بجباية فواتير الكهرباء والضرائب غير المدفوعة والتي تبلغ قيمتها 3 مليار دولار؛ لجم الهدر على المرافئ العامة وخصوصاً المطار ومرفأ بيروت؛ لجم الهدر في التخمينات العقارية والتي تحرم الدولة من الضرائب والرسوم عليها؛ إستيراد النفط من المصادر دون المرور بالشركات الخاصة والتي تحرم الدولة من 1,5 مليار دولار سنوياً؛ لجم الهدر في الوزارات والإدارات العامة؛ إعتماد نهج تقشفي في الموازنات العامة… وهناك عشرات المصادر الأخرى.

ويجب على وزارة المال إعطاء عدد المستفيدين مباشرة وغير مباشرة من هذه السلسلة بالتحديد إذ ليس من المعقول الدخول في تمويل بهذا الحجم دون معرفة الكلفة بالتحديد. أما من ناحية النقابات العمالية، فيتوجب عليها القبول بمبدأ التقسيط على عدة سنوات لأن في ذلك تفاديا لكارثة ستطال المواطن قبل المسؤول السياسي.

إنه لمن السهل اليوم وكما سبق الذكر، إقرار هذه السلسلة بدون مصادر تمويل حقيقية، إلا أن إقرارها وفق المشروع الحالي هي بمثابة خضوع للشارع. وينبغي مناشدة أصحاب السعادة التحلّي بالحكمة بما فيه خير الشعب ولبنان.

رابط الجمهورية 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.