هل من فعالية للعقوبات الإقتصادية على إيران ؟

0

تعيش إيران في ظل العقوبات الإقتصادية والمالية الدولية منذ عقود. في البدء كانت العقوبات مخروقة بشكل مكشوف، ولكن، ومع تسريع البرنامج النووي الإيراني زادت العقوبات واشتدت مراقبة تطبيقها. ولكن تحليلاً سريعاً للواقع يُظهر أن إيران تتخطى بنجاح هذه العقوبات مع إحتياط من الذهب والعملات يفوق الـ 100 مليار دولار أميركي، وفائض في الميزان التجاري. فهل من فعالية للعقوبات الإقتصادية ؟  منذ منتصف القرن الماضي وإيران تسعى الى إمتلاك الطاقة النووية. وقد عمدت بريطانيا الى تدريب مئات المهندسين النوويين الإيرانيين في عهد شاه إيران. ومع بدء الثورة الإسلامية في إيران، تغيرت سياسة الغرب تجاه إمتلاك إيران للتكنولوجيا النووية، وبدأت العقوبات تأخذ مجراها.

ولكن المعرفة التي نقلها البريطانيون للإيرانيين لم تَمُتْ بل على العكس، إستفاد النظام الحاكم من هذه المعرفة وقام بتدريب آلاف الشباب الإيراني على هذه التقنيات. ويبقى السؤال عن كيفية تطبيق هذه المعرفة بغض النظر عن النوايا بإمتلاك أسلحة نووية. إذ من المعروف أن التقنيات النووية مبنية على تفاعلات على شكل سلسلة لا يُمكن السيطرة عليها بسهولة وتتطلب الكثير من الوقت لإتقانها.

الحلم الإيراني بجعل إيران دولة كبرى، تُترجم عبر السنين بمحاولة إيران الحصول على الإكتفاء الذاتي عسكرياً عبر تصنيع الأسلحة والذخائر. وقد نجحت إيران الى حد مُعين بصنع أسلحة مختلفة وآخرها كانت الطائرة من صناعة إيرانية بحتة (لسنا هنا بصدد تقييم نوعية هذه الطائرة). والحلم الإيراني لم يقف عند هذا الحد بل يتطلع الى الفضاء بحسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين.

فهل يدخل إمتلاك الأسلحة النووية في الحلم الإيراني؟ وما هي فعالية العقوبات الدولية على إيران؟

إن النظر الى الداخل الإيراني يسمح لنا بالقول أن نتائج العقوبات لا تتطابق مع الأهداف المُعلنة أي منع إيران من إمتلاك الطاقة النووية لأهداف عسكرية.

لا بل على العكس، يُمكن القول أن هذه العقوبات قدمت خدمة للنظام الحاكم من خلال ما يلي:

– شرعنت هذه العقوبات الخطاب المعادي للغرب، وخصوصاً ضد الولايات المُتحدة الأميركية، من قبل النظام الحاكم.

– شكلت العقوبات الدعم الرئيسي للنظام عبر معاملة إيران على أساس ديني.

-حدّت العقوبات من قدرة طبقة من رجال الأعمال المعارضين للنظام على تطوير أعمالهم الخاصة عبر التجارة الحرة مع العالم.

-جعلت العقوبات المواطن الإيراني أكثر اعتماداً على الدولة التي تسيطر على أكثر من 80٪ من الاقتصاد.

– عززت العقوبات السيطرة العسكرية على أجزاء كبيرة من الصناعة الإيرانية.

وبالنظر الى أرقام الإقتصاد الإيراني، نرى أن إيران تتمتّع بإحتياط هائل يسمح لها بتخطي العقوبات ودفع إستيراداتها بالدولار الأميركي. هذا الإحتياطي من العملات الإجنبية والذهب زاد 30 مليار دولار بين عام 2010 وعام 2011 ليصل الى 110 مليار دولار في نهاية 2011. وتحتل إيران المرتبة 11 في تصنيف الدول الأكثر إمتلاكاً للذهب إذ يبلغ قيمة إحتياط الذهب 500 طن (20% من إحتياط العملات الإجنبية والذهب) معظمه موجود داخل إيران.

وقد قامت حديثاً الإدارة الأميركية بالإعلان أن إنهيار الريال الإيراني (عملة إيران) هو نتيجة للعقوبات التي بدأت تُعطي مفعولها. لكن الحقيقة أن هذا الإنهيار المزمن منذ 5 سنوات، ناتج عن قرارت الرئيس الإيراني الذي ضاعف أربع مرات المساعدات الى الطبقات الشعبية كرد على إرتفاع أسعار المواد الغذائية والأولية التي تُفوق في بعض الأحيان الـ 100% (كيلو الرز إرتفع من 200 ألف ريال الى 400 الف ريال إيراني وكيلو اللحمة الحمراء من 200 ألف الى 450 ألف ريال…). كما وألغى الدعم على البترول الذي يُشكل مشكلة كبيرة للإيرانيين من ناحية النقص في مصافي التكرير (للتذكير إيران بلد مُصدر للنفط).

والعقوبات الأخيرة التي فرضتها أوروبا على النفط الإيراني والتي دخلت حيز التنفيذ هذا الشهر، لن تُجدي نفعاً ضد النظام. لا بل على العكس ستلعب دور المكبر (Multiplier) للفائض في الميزان التجاري بسبب التوقعات بإرتفاع أسعار البترول والذي زاد منذ بدء السلة الجديدة من العقوبات في كانون الأول 2012.

لكن العقوبات ستؤذي الى حد كبير النظام الصحي الذي يعتمد على أدوية المختبرات العالمية، والنظام الغذائي. فإرتفاع الأسعار ستضع الشعب أمام معضلة الخيار بين الجوع وإما الثورة.

وإذا ما نجح النظام حتى الآن في إحتواء الغضب الشعبي، إلا أن هذا النظام بدأ يُظهر علامات ضعف والدليل تصريحات قائد حرس الثورة الإسلامية الذي دعا كل من إستسلم للحرب الإقتصادية التي تقودها أميركا ضد إيران، الى عدم الإنجرار الى هذا الفخ. وعلى مقربة من الإنتخابات الرئاسية يبقى الخوف من قدرة الإصلاحيين على حشد تظاهرات ضد النظام كمقدمة لربيع إيراني.

وردة فعل النظام الإيراني كانت بحصر إستعمال الدولار في السوق الإيراني الداخلي كما ومنع إستيراد كل المواد الإستهلاكية التي لها بديل في الداخل ممّا سمح بتوفير ما يوازي 14 مليار دولار أميركي سنوياً. لكن هذه الإجراءات لم تمنع، منذ ثلاثة أعوام، التظاهرات التي ندّدت بالتضخّم.

والعقوبات المفروضة لم تمنع إيران من إنجاز صفقات مع العالم، فالإدارة الأميركية قامت حديثأ بملاحقة البنك البريطاني HSBC الذي أجرى معاملات بقيمة 16 مليار دولار مع إيران بعد تطبيق العقوبات. ومن هنا نرى أن إيران تملك هامش تحرك كبيرا، إذ يكفي تصعيد الوضع الأمني في مضيق هرمز لرفع أسعار البترول وإقناع الصين بشراء النفط الإيراني.

والمُلفت في طريقة رد النظام الإيراني على العقوبات على البترول والمعاملات المصرفية والتي تحرم البنك المركزي من إجراء تحويلات عالمية، هو القدرة على تخطي كل الموانع والعقبات عبر شركات أسيوية تلعب دور الوسيط، مقابل عمولات هائلة.

هذه الشركات تقوم بتحاويل الى عدة بلدان لمنع السلطات المراقبة من إكتشافها. وبذلك تتمكن إيران من بيع بترولها بدون أي إعتراض. وتعتمد السلطة الإيرانية أيضاً على نظام تبادل السلع (نفط مقابل سلع) مع تركيا، اليابان، الصين، وأوكرانيا.

وممّا يُساعد إيران في إجراء معاملاتها، الوضع في الشرق الأوسط الذي يتخبّط في ثورات وحروب وخصوصاً الأزمة السورية التي تخطف الأضواء من إيران. ولا تتردّد بعض دول المنطقة مثل تركيا بزيادة التبادل التجاري مع إيران. ففي الفترة المُمتدة بين كانون الثاني 2012 وكانون الثاني 2013، تضاعف التبادّل التجاري بين إيران وتركيا، وزاد بنسبة هائلة مع العراق، الباكستان وأفغانستان. وحتى بعض الدول الخليجية دخلت في اللعبة.

لذا نرى أن هناك إستحالة لإخضاع النظام الإيراني، بواسطة العقوبات الإقتصادية. اذ يملك هذا النظام ثاني أكبر إحتياط للنفط في العالم، والذي لا يُمكن الإستغناء عنه في الإقتصادات المُتطورة، وفي طور النمو حتى ولو أتى من دولة عدوة.

ونرى أن إنخفاض الصادرات الإيرانية من النفط نتيجة العقوبات عوضتها إيران بإرتفاع أسعار البترول مما يفسر بنسبة كبيرة المناورات العسكرية التي تقوم بها إيران دورياً في مضيق هرمز. ويبقى الحل حلاً عسكرياً، فهل تُقدم الولايات المُتحدة الأميركية على ضرب إيران؟

الحل العسكري مستبعد لسبب بسيط وجوهري ألا وهو عدم ضرب الإقتصاد العالمي عبر صدمة في أسعار النفط. وأي ضربة عسكرية ضد إيران ستعود بكارثة على الإقتصاد العالمي الذي هو في وضع حرج. وربما يُمكن القول أن من مصلحة الإيرانيين ألا يتعافى الإقتصاد العالمي لأن هذا هو العامل الأساسي الذي يمنع الأميركيين من توجيه ضربة الى إيران.

أيضاً يُمكن القول أنه ومع ترسانة صواريخ طويلة الأمد، تمتلك إيران القدرة على ضرب منشآت نفطية في عمق الخليج العربي، أول مُصَدِّرْ نفط للإقتصاد الأميركي. ويُمكن السؤال عن صواريخ الإعتراض من طراز باتريوت وغيرها، ولكن قانون الأعداد الكبيرة يتطبق مرة أخرى. فإذا أطلقت إيران أعدادا كبيرة من هذه الصواريخ، وعلى الرغم من إعتراضها من قبل صواريخ الباتريوت وغيرها، فإن عدداً منها سيسقط على المرافق النفطية الخليجية، وهذا الخطر لن يتحمله الإقتصاد الأميركي.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.