الشمول المالي وأزمة النازحين

0

يُعتبر الشمول المالي العامل الأوّل في انتقال الأزمات المالية بين الأنظمة المالية العالمية. لكن لهذا الشمول فوائد إقتصادية عدة وعلى رأسها تحفيز النموّ الاقتصادي. فكيف للشمول المالي أن يُساعد في استيعاب ما يُقارب المليونَي نازح سوري في لبنان؟ الشمول المالي هو عبارة عن ظاهرة ترتبط من خلالها الأسواق المالية التابعة للدول كما واقتصاداتها إن إقليمياً أو عالمياً وذلك بشكل وثيق. وللشمول المالي أبعاد كثيرة على رأسها: تبادل المعلومات، أفضل الممارسات، التقنيات المتطوّرة بين المؤسسات المالية، الإقتراض المباشر من الأسواق العالمية، الإستثمار في الأسواق المالية العالمية، هندسة أدوات مالية محلّياً وبيعها عالمياً، عبور رؤوس الأموال عبر البلدان، والإستثمارات الأجنبية في الأسواق المالية المحلية.

هذه الأبعاد للشمول المالي، تسمح بشكل أو بآخر للإقتصادات المحلّية بالإستفادة من تدفّق رؤوس الأموال وبالتالي تُحفزّ النموّ الاقتصادي محلياً لدرجة أنّ بعض الإقتصادات كإيرلندا وإسبانيا شهد نموّاً هائلاً في غضون تسعينات القرن الماضي وأوائل القرن الحالي. ووُصفت هذه الإقتصادات في ذلك الوقت بالمعجزة وأصبحت مثالاً يُحتذى به من ناحية الشمول المالي.

وإذا نجح بعض الدول المجاورة في تحقيق شمول مالي كامل فيما بينها كمنطقة اليورو، إلّا أنّ عدم الكمال (imperfections) في الأسواق منع بعض الدول المجاورة كالدول العربية من تحقيق شمول مالي كامل. وهذا الأمر يُمكن تفسيره، بحسب النظرة الاقتصادية، بعدم التوازن بين نسب هوامش الإستبدال للاعبين الإقتصاديين وبسبب الأنظمة المعمول بها في بعض الدول.

على سبيل المثال، تُعتبر الرقابة الدولية على تنقل رؤوس الأموال بهدف مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب أحد أهمّ الأنظمة التي يتوجب وجودها في كلّ الدول التي تريد تطبيق الشمول المالي. وبذلك، لا يُمكن الحديث عن شمول مالي في بلد مُعيَّن إذا لم تكن هذه الأنظمة موجودة عبر قوانين يُصوِّت عليها البرلمان.

ومن عوائق تطبيق الشمول المالي يُمكن أيضاً ذكر القيود على تنقّل رؤوس الأموال في بعض الأنظمة، ونسبة تطوّر القطاع المصرفي والمالي. وكنتيجة لتطبيق كلّ ما ورد ذكره أعلاه، يُمكن للإقتصاد العالمي عبر الإقتصادات المحلية منفردة، أن يُسجّل نسبَ نموّ أعلى وتحظى البشرية بعدالة إجتماعية عبر الحصول على عمل وطبابة وتعلم والإستفادة من مستوى إجتماعي مرتفع عبر زيادة مدخول الفرد في الدول التي تُطبّق الشمول المالي.

وهنا لا بدّ من القول إنّ قياس نسبة الشمول المالي يتمّ عبر قياس التدفقات الإجمالية، أرصدة الأصول والمطلوبات الأجنبية، درجة العلاقة بين عوائد أسواق الأسهم، درجة تشتت أسعار الفائدة الحقيقية في جميع أنحاء العالم، والانفتاح المالي.

الشمول المالي والنموّ الاقتصادي

تتفاوت النظريات الاقتصادية حول تداعيات الشمول المالي على النموّ الاقتصادي. ويعتبر بعض النظريات أنّ مشاركة المخاطر بين المستثمرين يسمح بزيادة رافعة الإستثمارات، زيادة التخصص الاقتصادي، وتوزيع رؤوس الأموال بشكل جيد، وبالتالي زيادة النموّ محلياً وعالمياً.

وتنصّ النظرية النيوكلاسيكية على أنّ الشمول المالي يسمح للدول التي تفتقر لرؤوس الأموال بالحصول علىيها للقيام باستثمارات في الماكينة الإنتاجية وبالتالي زيادة الدخل. كما أنّ الشمول المالي يدفع باتجاه تحسين النظام المالي والمصرفي المحلّي وذلك من خلال التنافسية على استقطاب الخدمات المصرفية والمالية التي تزيد النموّ بحسب النظرية الاقتصادية التي تعتبر أنّ الدائرة المالية موجودة لتمويل الدائرة الإقتصادية.

أما بعض النظريات الاقتصادية الأخرى فيقول إنّ وجود تشوّهات يدفع الشمول المالي إلى تأخير النموّ. وهذا الأمر يُمكن لحظه من تجربة كوريا الجنوبية التي عمدت عند خروجها من الحرب إلى إقفال حدودها التجارية والمالية ودعمت بعض القطاعات بشكل كبير لتعود إلى تطبيق شمول مالي واسع وكامل سمح لها بأن تُصبح قوّة إقتصادية مرموقة.

أيضاً يُمكن ذكر بعض الأبحاث التي أظهرت أنّ الشمول المالي يُمكن أن يؤدّي إلى هروب رؤوس الأموال من الدول التي تفتقر لها، إلى الدول التي تمتلك الكثير منها مع نظام مصرفي متطوّر. وخلُصت هذه الأبحاث إلى أنّ الشمول المالي يدعم الإقتصادات التي تتمتع بأنظمة متطوّرة وبقوانين حديثة.

أزمة النازحين

إنّ أبعاد الشمول المالي تفرض علينا وضع إستراتيجية للقطاعَين العام والخاص كما والتعاون بينهما مع انفتاح على التكنولوجيا في عصر المعلومات والأدوات لمحاربة الفقر ونقل التكنولوجيا للاقتصادات في طور النموّ وهذان الأمران هما من أهداف البنك الدولي (محاربة الفقر) وصندوق النقد الدولي (نقل التكنولوجيا).

وهذا الأمر يفرض البحث في العلاقة بين مفهوم الشمول المالي بكلّ نماذجه ودور كلٍّ من المصارف المركزية، المصارف التجارية، القطاع العام والقطاع الخاص وذلك بهدف تدعيم دور الشمول المالي في تعزيز التنمية الاقتصادية.

وهذا يعني أنّه على المصارف بأنواعها أن تلعب دوراً مهمّاً في تعزيز مفهوم الشمول المالي عبر تبادل المعلومات وأفضل الممارسات واستقطاب رؤوس الأموال كما والمشارَكة في الأسواق المالية الدولية.

كما أنّ التعاون بين القطاعين العام والخاص يسمح بتبادل أفضل الممارسات والتقنيات المتطوّرة ومشاركة المعلومات التي تعود بالفائدة على القطاعين وذلك عبر إدخال تكنولوجيا المعلومات في الدائرة الاقتصادية ما يسمح بابتكار منتجات مالية جديدة يتمّ تداولها في الأسواق المالية وبين المؤسسات المالية في الاقتصادات المختلفة.

من هنا يظهر إلى العلم أهمية إدخال الشمول المالي كاستراتيجية جديدة للحكومات والجهات الرقابية العربية إذ إنّ هذا الأمر سيعود بالفائدة على الاقتصاد كما والاستقرار المالي والنزاهة المالية والحماية المالية للمستهلك وبالتالي أصبحت مسؤولية إنجاز وإحراز الشمول المالي في صلب دور المصارف والقطاع العام والقطاع الخاص في دولنا العربية.

أظهرت الأزمة السورية أنّ النزوح الكثيف هو وسيلة لنقل الأزمات الاجتماعية تماماً كما أنّ الشمول المالي ينقل الأزمات المالية. لكنّ الفكرة هي بقلب الموازين عبر استخدام الشمول المالي لاستيعاب النزوح وهذا يفرض التعاون بين الدول العربية والإقليمية لتطبيق آلية تسمح باستيعاب أزمة النزوح السوري الذي أصبح خطراً كيانياً على بعض الدول كلبنان:

أولاً: خلق صندوق إقليمي لمساعدة النازحين والبيئة الحاضنة

ثانياً: تنظيم وجود النازحين في بعض البلدان (لبنان مثلاً)

ثالثاً: خلق صندوق لدعم الإستثمارات في البيئات الحاضنة لاستيعاب البطالة، تخفيف الكلفة على الدول الحاضنة، التخفيف من خطر الإرهاب عبر القضاء على الفقر…

رابعاً: تحفيز التجارة البينية الناتجة عن هذه النشاطات الاقتصادية

خامساً: إقرار وتطبيق التشريعات والقوانين الرقابية المالية الدولية

سادساً: الإستعداد إقتصادياً ومالياً لإعادة بناء سوريا (بعد انتهاء الحرب) وتحضير خطط لعودة النازحين.

هذا الأمر يتطلّب بالطبع تضافر الجهود والنّية في نقل منطقة الشرق الأوسط إلى مستويات اقتصادية منافسة لاقتصادات الدول والمناطق الأخرى.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.