لبنان: تسييس الإقتصاد حتى الإنتحار؟

0

من المعروف أن الأحزاب تعتمد في بعض الأحيان أساليب التعطيل في الحياة السياسية وذلك بهدف تسجيل نقاط. ومن المعروف أيضاً أنها تلجأ إلى تعطيل بعض المشاريع الإقتصادية مدعومة بحجة عدم ملاءمتها للبلد. لكن أن يصل التعطيل إلى مرحلة الإنتحار، فهذا لا يوجد إلا في لبنان. 
منذ إغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، ولبنان يعيش حالة إنقسام عمودي بلغت ذروتها في العام 2008 حيث ظهر إلى العلن إصطفاف قوي بين فريقي 8 و14 آذار. ومنذ ذلك الوقت والإنقسمات تتوالى ومعها التعطيل على جميع الصعد، حيث كلنا يتذكر فترات تصريف الأعمال الطويلة التي شهدها لبنان والشغور الرئاسي المستمر منذ أكثر من عام ونصف. وإذا كان التعطيل السياسي يعود في الدرجة الأولى إلى الإجتهدات القانونية التي تقوم بها هذه الأحزاب سواء كانت في السلطة أو خارجها، فإن تعطيل القرارات الإقتصادية والمالية للدولة اللبنانية نابع في الدرجة الأولى من تسييس الإقتصاد وإستخدام الأحزاب لمواقعها في السلطة بطريقة سلبية.
ما هي الحصيلة من ذلك؟
الواقع أن حصيلة تسييس الإقتصاد سيئة وتعيسة جداً، إذ يكفي النظر إلى وضع لبنان الإقتصادي بين الأعوام 2007 إلى 2010، والفترة منذ بدء الأزمة السورية حتى الساعة، ليستنتج المرء مدى الضرر الكبير الذي تلقاه الإقتصاد اللبناني نتيجة هذه المنهجية العقيمة.

في العام 2010 أعلنت وكالة “الـمسح الجيولوجي الأميركية” (USGS) عن إكتشاف ثروة هيدروكربونية قابعة في قعر البحر في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المُتوسط. على أثرها، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون النفط. لكن الإنقسام السياسي الذي كان قائماً في ذلك الوقت أخّر تعيين هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان أشهراً عدة، كما منع، ويستمر في منع، إقرار مرسوم تقسيم المنطقة الإقتصادية الخالصة إلى رقع ومرسوم شروط تلزيم التنقيب وإستخراج النفط والغاز. نعم هذا التعطيل هو قبل كل شيء ناتج من التعطيل في القرارات في حين أنه في إسرائيل تمّ إستخراج الغاز خلال فترة خمس سنوات منذ إعلان الوكالة الأميركية.
لكن ملف النفط ليس الوحيد، فالإصلاحات الإقتصادية التي يحتاجها الإقتصاد اللبناني تمّ نسفها كلها، وها هي مشاريع القوانين نائمة في أدراج مجلس النواب أو مجلس الوزراء. فمثلاً إذا ما أخذنا قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص، نرى أن هذا الملف الحيوي والأساسي للإقتصاد اللبناني ينام في أدراج مجلس الوزراء من دون معرفة السبب. هذا الملف أساسي لإقتصاد يفتقد إلى الإستثمارات كإفتقاد السمكة إلى الماء والهواء، وبغياب قدرة الدولة على التمويل لا بديل من القطاع الخاص لتمويل الإستثمارات اللازمة في قطاعات حيوية كالكهرباء والإتصالات والطرقات والمياه والصرف الصحي…
ملف الكهرباء الذي تعاقبت عليه حكومات عدة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وإنكبت على دراسته من دون جدوى، يبقى العلّة الأولى التي تستنزف خزينة الدولة اللبنانية، وعلّة مسؤولة عن تراكم أكثر من 36 مليار دولار من الدين العام (أي نصف الدين العام اللبناني). ما السبب في عدم إيجاد حلّ لهذا الملف؟ بالطبع هناك عامل الفساد، لكن يجب المعرفة بأن ترجمة الفساد تتمّ بالتعطيل. وما القول عن ملف الطرقات في لبنان، حيث بإستثناء بيروت وجبل لبنان اللذين يعجّان بالسيارات، لأ يوجد في البلد طرقات في المناطق الحدودية (شمالاً، شرقاً وجنوباً) تسمح بإنشاء نشاطات إقتصادية كالزراعة في عكار والتي تتطلب قبل كل شيء طرقات لإيصال المحصول إلى الساحل! وماذا نقول عن الصرف الصحي الذي رصد له الإتحاد الأوروبي من الأموال ما يكفي لجبل لبنان وبيروت من دون نتيجة، وها هو لبنان يُفرغ صرفه الصحي في البحر وفي الأنهر.
إقتصادياً، هذا التعطيل أدّى إلى تراجع النمو بشكل ملحوظ، وضرب هياكل هذا الاقتصاد مُتحوّلاً بذلك إلى إقتصاد شبه ريّعي لا وجود فيه تقريباً للقطاعين الأولي والثانوي.

كيف يُسيّس الإقتصاد اللبناني؟
يُخبرنا التاريخ أن تسييس الإقتصاد في لبنان أخذ أربعة أشكال: الأول تعطيل إقرار المشروع، الثاني القبول بالمشروع مع إعادة توزيع طائفي ومناطقي غير منطقي، الثالث نسف المشروع مع مجيء وزير أو مسؤول من الصف الأخر، الرابع تعطيل تنفيذ المشروع من قبل المسؤولين التنفيذيين.
وهكذا رأينا العديد من المشاريع التي لم تصل إلى الإقرار، أو أن المشاريع التي أُقرّت، توقّفت في خلال مراحل التنفيذ، كمشروع سدّ جنة الذي تُحيط به العديد من التساؤلات إن من ناحية جدواه الإقتصادية أو من ناحية منع تمويله. أيضاً يُمكن ذكر مشروع الكهرباء الذي أقّره مجلس النواب ولم يُنفّذ.

كيف يُمكن تخطي هذه المُشكلة؟
إن الطريقة الوحيدة لتحييد السياسة عن الاقتصاد، تبدأ بوضع القواسم المُشتركة بين كل الأحزاب اللبنانية في ما يخص النظرة المُستقبلية والرؤية الإقتصادية للبنان. هذه القواسم المُشتركة يجب أن تُشكل نوعاً من الدستور يلتزم به كل الأطراف إن كانوا في السلطة أو خارجها، وبالتالي يتمّ دعم هذه القوانين والمراسيم التي تذهب بإتجاه هذه القواسم المُشتركة. هذا الأمر يعفي لبنان من آتون التعطيل الذي يُهدّد بنسف الكيان اللبناني كله إذا ما إستمر في السنوات المُقبلة. وهذا الأمر ليس بطرح جديد، ففي بلجيكا حيث الإنقسام بين الشمال والجنوب قوي وتمّ تعطيل الحكومة لمدة 180 يوماً لم يتوقف الاقتصاد ولم يتمّ التعطيل والسبب يعود إلى ميثاق الشرف الذي ذكرناه أعلاه وهو تحييد السياسة عن الاقتصاد لما للإقتصاد المُزدهر من خير على كلّ مكونات البلد. فمتى يأتي دور لبنان؟

رابط أسواق العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.