الإقتصاد الأردني يَصمُد في «شتاء» العرب

0

في ظلّ الغليان الذي يعصف بمنطقة الشرق الأوسط، يعيش الاقتصاد الأردني تحت رحمة الضخّ الأجنبي (Perfusion). لكنّ هذا البلد الذي يمتلك قيادةً حكيمة تاريخياً، يتفادى ولو بشكلٍ هشّ الكوارث التي كانت لتنتج عن الأزمتين السورية والعراقية. على رغم طبيعة الأرض الصحراوية للأردن، مرّت على هذا البلد قوى إستعمارية عدّة كالمؤابيين، الأدومييين، العموريين، البابليين، الكنعانيين، البيزنطيين، الرومان والبريطانيين. ويُخبرنا التاريخ أنّ القبائل الأردنية ظهرت في الأردن في فترة وجود السيد المسيح. وتأسّست المملكة الأردنية الهاشمية على يد الملك عبد الله الأول الهاشمي الذي يتحدّر من سلالة «بنو هاشم» أحد أفخاذ «قريش».

لكنّ الفضل الكبير في تطوّر المملكة الأردنية الهاشمية إقتصادياً وإجتماعياً يعود من دون أدنى شك إلى الملك الحسين بن طلال بن عبدالله بن حسين الهاشمي الذي ومنذ تولّيه السلطة عمل على بناء بنية تحتية اقتصادية وصناعية أدّت إلى وضع الأسس لصناعات رئيسة في الاقتصاد الأردني كصناعة الفوسفات والبوتاس والإسمنت.

أيضاً عمد الملك حسين إلى إنشاء شبكة طرق على كامل أراضي المملكة وأولى إهتماماً كبيراً للتعليم بحيث إستطاع القيام بنقلة نوعية زادت معها نسبة المُتعلمين 60% خلال ثلاثة عقود. أما في مجال الصحّة، فكان للخطة التي وضعها الدور الأول في خفض عدد وفيات الأطفال بنسبة كبيرة ما دفع بالأردنيين إلى الحزن على رحيله.

ومعرفة الملك حسين بطبيعة الأرض الأردنية وقلة ثرواتها الطبيعية خصوصاً النفط الذي لا يُمكن الإستفادة منه، جعله حذِراً إزاء الأحداث الأمنية والسياسية التي عصفت بالمنطقة على عهده.

الاقتصاد الأردني هش…

يبلغ حجم الاقتصاد الأردني 39 مليار دولار مع دين عام يوازي 90% من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى صعيد هيكلية الاقتصاد الأردني، يُساهم القطاع الزراعي بـ 4.5% من الناتج المحلّي الإجمالي وذلك بفعل المناخ الصحراوي، أما القطاع الصناعي فيُساهم بنسبة 30.8% مع تميّز لصناعة الفوسفات والبوتاس والأسمنت. ويبقى قطاع الخدمات مع 64.7% من الناتج المحلي الإجمالي، العامود الفقري للإقتصاد الأردني وعلى رأسه القطاع المصرفي.

يُعاني الاقتصاد الأردني من البطالة (13%)، الفقر (15%)، التضخم المزمن مع معدل 5%، والميزان التجاري الذي يُسجل عجزاً بقيمة 8 مليارات دولار أميركي سنوياً معظمه آتٍ من الفاتورة الحرارية حيث إنّ الأردن يستورد 98% من حاجاته الحرارية.

ويبقى العجز في الموازنة المُتضرّر الأول من هذه الفاتورة التي تخلق عجزاً يتحوّل إلى دين عام. وفي الفترة التي سبقت حرب الخليج الثانية، كان الأردن يستورد معظم حاجاته الحرارية من العراق. لكنّ حرب الخليج الأولى والثانية ضربت خطّ الإمداد هذا وجعلت الأردن يتعلق بالبلدان المجاورة الأخرى وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

إنّ تداعيات الفاتورة الحرارية للمملكة الهاشمية على المالية العامة وعلى الاقتصاد هي تداعيات كارثية إذا ما أخذنا بالإعتبار المناخ الصحراوي للمملكة. فما كان من الأردن إلاّ أن وقّع عقداً مع شركة روسية لبناء مفاعيل نووية لإنتاج الطاقة والتي من المُتوقع أن تبدأ العمل في العام 2023 بحسب التصريحات الرسمية.

الخطوات الإصلاحية…

منذ تولّي الملك عبد الله زمامَ السلطة في الأردن، قامت الحكومة الأردنية بإصلاحات إقتصادية عدّة على الآمد البعيد وذلك بهدف تحسين الأوضاع الإجتماعية للمواطن الأردني. فقد قامت الحكومة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي بخصخصة قطاعات إقتصادية بالتزامن مع سياسة نقديّة مُتشدّدة (Strict Monetary Policy).

كما قامت هذه الحكومة بتعديل القوانين التجارية لتسهيل الدخول المحتمَل للأردن في منظمة التجارة العالمية كما وتسهيل الإستثمارات الأجنبية المباشرة ولا سيما الآتية من أوروبا مع توقيع إتفاق تعاون مع الإتحاد الأوروبي في العام 2001.

كان لهذه الإصلاحات تأثيرٌ إيجابيّ على الماكينة الإنتاجية التي زاد إنتاجها وذلك مع زيادة الإستثمارات الأجنبية. لكنّ هذا الأمر يبقى غيرَ كاف مع حصر التصدير بعدد قليل جداً من البلدان وعلى رأسها العراق. وبذلك نرى أنه من الطبيعي أن يواجه الأردن مشكلات مالية.

هذا الأمر دفع بالمجتمع الدولي إلى زيادة المساعدات إلى الأردن وذلك بهدف لجم العجز الذي أصبح يتحوّل بشكل تلقائي إلى دين عام زاد من 70% إلى 90% من الناتج المحلّي الإجمالي في ظرف أربعة أعوام فقط.

تحدّيات كثيرة

كانت المملكة الأردنية الهاشمية منذ أقدم العصور مأهولة بالسكان بشكل متواصل حيث تعاقبت عليها حضارات متعدّدة خلقت الأسس لمجتمعات مزدهرة. غير أنّ الأوضاع السياسية والأمنية التي تهزّ منطقة الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، أثّرت كثيراً في تطوّر المجتمع الأردني وأبطأته.

اليوم وفي ظلّ الغليان الراهن في الشرق الاوسط، كان للأزمة السورية والعراقية تداعيات سلبية على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي تجلّت في بعض الأحيان بتظاهرات داخلية للإخوان المسلمين. هذا الأمر أثر ويؤثر بشكل سلبي كبير في المناخ الإستثماري الذي يلجم شهيّة المستثمرين الأجانب خصوصاً الغربيّين منهم، وهذا ما نلحظه من خلال المؤشّرات التنافسية مع دول المنطقة المجاورة.

الى جانب هذا الإشكال الذي على الحكومة الأردنية معالجته بشكل نهائي، تبرز مشكلة البيروقراطية والفساد اللذين يضربان الإدارة الأردنية ويخلقان نوعاً من الشعور بعدم الأمان الاقتصادي والإجتماعي وبالتالي يُمكن إدخالهما في خانة الأسباب للتظاهرات التي حصلت في الأردن العامَ 2011.

أيضاً يُمكن ذكر العمل على خلق قطاعات صناعية وخدماتية أخرى غير موجودة كالصناعة الرقمية والإتصالات والتي قد تؤدّي بفعل الإينيرثيا (Inertia) إلى تدعيم القطاع الصناعي وبالتالي الخدماتي في بلد حرمته الطبيعة من النفط وأفلجته الصحراء.

في الختام لا يسعنا القول إلّا أنّ الإندماج الأفقي لهذا البلد في الاقتصاد العالمي، يجعله رهينة الأوضاع الاقتصادية العالمية ورهينة السياسة الدولية. لذا من المهم جداً على الأردن أن يعمد إلى الإندماج الأفقي مع دول عربية أخرى وذلك عبر تنمية التبادل التجاري والإستثماري.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.