لبنان يحتاج التخصّصية في الإنتاج لإيجاد تركيبة أسعار تُناسب التصدير

0

من أهمّ الأقاويل التاريخية للعالم الإنكليزي ريكاردو، والتي تنطبق على لبنان، هو القول الشهير الذي عَزا فيه مسؤولية التفاوت في المجتمع والأزمات الاقتصادية إلى الرّيع. هذا الرّيع هو مخالف للنظرية الاقتصادية التي تنص على أنّ الماكينة الاقتصادية هي وحدها خالقة الثروات. تنصّ الكتب السماوية على أنّ الله سبحانه وتعالى خلق العالم في ستة أيام وارتاح في اليوم السابع. من هنا أخذ الإنسان منذ قديم الزمان مبدأ العمل كمحور أساسي في حياته، حتى أنّ البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي في العام 1981، قال: «من خلال العمل يستطيع الإنسان جَني خبزه اليومي والمساهمة في التطور المستمر للعلوم والتقنيات، وخاصة الإرتقاء الثقافي والأخلاقي المستمر للمجتمع».

كتب ريكاردو (1772-1823) في كتابه الشهير مبادئ الاقتصاد: «إنّ الرّيع الناتج عن جَني الأموال من دون عمل (مثل الفائدة، أو إيجار العقارات…) هو السبب الأساسي الذي يُسبب التفاوت بين أفراد المجتمع والأزمات الاقتصادية التي تعصف باقتصاد معين».

وبحسب ريكاردو إنّ العمل له ثمن، أمّا الريع فهو ناتج عن امتلاك ثروة طبيعية، وبالتالي لا يخلق ثروات. وهذا ما دفع كارل ماركس إلى اعتبار أنّ أرباح الرأسمالية ناتجة عن استغلال الموارد البشرية (وهي موارد طبيعية في إطار واسع!).

لكنّ الأهمّ في أعمال ريكاردو كانت نظرية الميزة النسبية التي أظهر فيها أنّ كل البلدان بما فيها الأقلّ تنافسية، تتمتّع بميزة نسبية عن طريقة التخصص في الإنتاج مع عدد من القيود وعلى رأسها المنافسة الحرة، غياب التدخلات السياسية… هذه الميزة النسبية تسمح للبلد بزيادة إنتاجه وإنتاج الدول التي يستورد منها باعتبار أنّ التخصّص على أساس الميزة النسبية يسمح بإيجاد تركيبة أسعار تُناسب كل البلدان التي تتبادل تجارياً السلع مع تحسين حجم التبادل.

لكنّ لبنان، وكما هو معروف لدى الجميع، يستورد ما يزيد عن 90% من استهلاكه وذلك بسبب ضعف الماكينة الإنتاجية التي تفتقد إلى الاستثمارات بشكل حاد. هذا ما أدّى إلى تحويل الاقتصاد بشق كبير إلى اقتصاد رَيعي بحسب تعريف ريكاردو للرّيع.

كل هذه العوامل تدفع إلى الاستنتاج أنّ لبنان ومن دون التخصّص لا يستطيع أن يشهد حركة نهوض اقتصادي. ومع الوقت، ومع تآكل الماكينة الاقتصادية بغياب الإستثمارات، ستصبح الحاجة إلى هذه الأخيرة كبيرة جداً كمَن يخرج مباشرة من حرب دمّرت كلّ بناه التحتية.

لكن ماذا يمكن أن يكون اختصاص لبنان إنتاجياً؟ هذا السؤال يفرض معرفة عدة عوامل تدخل في تحديد ميزة لبنان النسبية نسبة إلى دول العالم الأخرى التي يمتلك تبادلاً تجارياً معها.

ففَتح السوق المحلّي على الأسواق العالمية يُعرّض عناصر الإنتاج – أي رأس المال، القوى العاملة والتكنولوجيا – إلى تنافسية من المفروض أن تكون حرّة من كل قيود بحسب ريكاردو. وهذا الأمر ليس بصحيح بالمطلق، من ناحية أنّ البلد الذي يتخصص في إنتاج معين يُصبح متعلقاً بالبلدان الأخرى لتأمين حاجاته من السلع والبضائع الأخرى.

وهذا ما قد يُستخدم سياسياً للضغط على البلد المعنيّ سياسياً (حالة العقوبات على إيران وكوبا وغيرها)، لكن من جهة أخرى قد يكون عاملاً إيجابياً من ناحية توطيد العلاقات بين الدول التي تتمتع بتبادل تجاري بينها، إضافة إلى الإستفادة الأساسية أي زيادة الإنتاج وبالتالي زيادة النمو (فكرة الإتحادات الاقتصادية).

يتميّز الاقتصاد اللبناني باعتماده على قطاع الخدمات بنسبة 70% وعلى القطاع الصناعي بنسبة 17% وعلى القطاع الزراعي بنسبة 12%. وإذا كان لبنان قوياً خدماتياً وخصوصاً القطاع المصرفي، إلّا أنّ السؤال المطروح هو عن قدرة هذا القطاع على منافسة القطاع المصرفي العالمي في ظل هيمنة المصارف العالمية الكبرى. أمّا على صعيد قطاع السياحة، فيبقى لبنان مقيّداً بالوضع الأمني والسياسي الذي يضرب كل تنافسية للقطاع السياحي مع باقي الدول.

من هنا تبرز أهمية تمركز لبنان كـ HUB للخدمات المصرفية وللترانزيت على الصعيد الإقليمي. وممّا يساعد لبنان في هذا الأمر قدرته التنافسية من ناحية موقعه على البحر قريباً من أسواق الإستهلاك الأوروبية والشرق أوسطية.

وإذا كانت الفكرة مُغرية جداً من عدة نواح: عدد القطاعات المعنية (خدمات مصرفية، خدمات ترانزيت، إتصالات، خدمات إستشارية…) وحجم المردود من هذه الخدمات (مليارات الدولارات سنوياً)، إلّا أنّ النقطة الضعيفة تكمن في الوضع الأمني والسياسي خصوصاً الأزمة السورية وما لها من تداعيات على لبنان واقتصاده.

ومع قرب ولوج عصر الغاز والنفط في لبنان، تبقى البنية التحتية للبنان عاملاً إضافياً للتنافسية في هذا المجال. فإنشاء معامل تكرير للنفط والغاز (تسييل) كما أنابيب من الدول المجاورة وتصديرها عبر البر إلى أوروبا عبر سوريا، يجعل من لبنان معادلة أساسية في السياسات الاستراتيجية لاستيراد النفط والغاز من قبل الدول الأوروبية.

لكن هذا الأمر مرهون أيضاً بالوضع السياسي والأمني الحالي في لبنان وكل تأخير على هذا الصعيد في إنشاء هذه البنى التحتية، يسمح للدول المجاورة باستغلال عامل الوقت لمنافسة لبنان.

أمّا في ما يخصّ الصناعة، فيبقى قطاع المجوهرات قطاعاً واعداً مع أسواق عالمية للبنان في سويسرا وأفريقيا الجنوبية وغيرها. وهذا يتطلّب زيادة الإستثمارات في هذا القطاع الذي يلمع فيه اللبناني وتبرز فيه أيضاً أهمية فتح أسواق جديدة لهذا القطاع.

وإذا ما أضفنا إلى هذه الصناعة الصناعة الرقمية، فإنّ لبنان سيتمركز بشكل كبير جداً على صعيد المنطقة، خصوصاً أنه يمتلك الكثير من المهارات والأسواق الأخرى ما زالت بعيدة إلى حد معيّن (باستثناء السوق الإسرائيلي).

وعلى الصعيد الزراعي، تبرز حاجة السوق العالمي إلى القمح والدواجن، خصوصاً البقر، حيث من المتوقع أن يكون هناك نقص في لحوم البقر في العقود القادمة. من هذا المنطلق، فإنّ امتلاك لبنان لسهل البقاع ومناخ ملائم سيجعل منه بلداً متخصصاً في هذا المجال. والجدير بالذكر أنّ لبنان يستورد حالياً القمح من أوروبا الشرقية.

في الختام، تبقى الخطة الاقتصادية، التي من المفروض وضعها للإقتصاد اللبناني، الحجر الأساس في كل خطوة يتوجّب أخذها على هذا الصعيد من ناحية أنّ هكذا تخطيط يحتاج إلى عقد لوضعه قيد التنفيذ ويحتاج قبل كل شيء إلى ثبات سياسي وأمني يفتقر إليه لبنان حالياً.

 رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.