قراءة جيولوجية وإقتصادية في ملف النفط البرّي

0

في حفل حضرته فعاليات سياسية وإقتصادية، سلّمت شركة «نيوس جيوسوليوشنز» إلى وزارة الطاقة والمياه نتائج المسح الجوي الذي قامت به الشركة للبحث عن النفط والغاز في البرّ اللبناني. وإذا كانت هذه النتائج واعدة إلا أن عدداً من الإعتبارات الجيولوجية والجيوفيزيائية يجب أخذها في الإعتبار. ستة آلاف كيلومتر مربع من الأرض تضم شمال لبنان والساحل اللبناني، تمّ مسحها بواسطة شركة «نيوس جيوسوليوشنز» بمساعدة الجيش اللبناني وبالتعاون مع هيئة إدارة قطاع البترول.

هذا المسح أتى ضمن مشروع سيدرز أويل الذي أطلقته وزارة الطاقة والمياه في أيلول الماضي ويهدف إلى تقييم الكميات المحتملة من النفط والغاز في البر اللبناني. وقد إستخدمت شركة «نيوس جيوسوليوشنز» عددا من الطرق العلمية (gravity sensors, hyper spectral sensors and electromagnetic) تسمح بمقارنة المعلومات لمزيد من التأكد (Crossing Information).

يهدف هذا المسح إلى تحديد الهيكلية الجيولوجية للأرض وتحديد الرقع التي تحتوي على الهيدروكاربون مكون النفط والغاز. وللوصول إلى هذا الهدف، يتوجب على الشركة أن تعمد إلى تحليل البيانات الميدانية التي قامت بقياسها وهنا تظهر بعض الصعوبات. وكانت الشركة قد أعلنت أن بعض المؤشرات الميدانية تدلّ بشكل مُشجّع إلى وجود مكامن بترولية في مناطق محددة ضمن نطاق المنطقة الممسوحة.

تكوّن النفط والغاز
يتواجد النفط والغاز في الصخور الرسوبية التي تشكلت على مرّ الزمن الجيولوجي كنتيجة للتآكل المستمر للصخور السطحية. هذه الرواسب التي تشكلت نتيجة التآكل، تُصبح على أعماق كبيرة مع مرور الزمن بفعل تراكم طبقات جديدة. والعامل الأساسي الذي يُحدد تكوين الرواسب في هذه الطبقة يعود إلى الظروف التي كانت الصخور السطحية تعيش فيها.

فالرواسب التي تتواجد على الشاطئ مثلاً في منطقة بحرية تحتوي بدون شك على بقايا كائنات بحرية. ومع مرور الزمن يُسبب النشاط التكتوني بخفض مستوى المياه لتصبح الرواسب عرضة للهواء الذي يعمل على تراكم طبقات فوق هذه الرواسب التي قد تصل إلى أعماق كبيرة في بعض مناطق القشرة الأرضية.

وبحسب عمق الرواسب، تختلف الحرارة والضغط على الرواسب بما يؤثر على طبيعة الكائنات المدفونة. ومن المعروف أن الغاز، وليس النفط، يتواجد في المناطق العميقة جداً بما يعني أن النفط موجود في الطبقات الأعلى. وأحياناً، هناك تواجد مزدوج للنفط والغاز في طبقات معينة (associated gas). وهنا يتوجب الذكر أن بئرا نفطيا أو غازيا قد يُغطي مناطق عدة على مجموعة طبقات.

الجيولوجيا والجيوفيزياء
علم الجيولوجيا والجيوفيزياء («G & G») في الصناعة النفطية يهدف إلى الحد من مخاطر الحفر. ويعتبر المسح السيزمي الأداة الأولى للجيوفيزيائي حيث يستخدم الموجات الصوتية لتشخيص صورة الطبقات الرسوبية والتكوينات الصخرية الأخرى. الجدير بالذكر أن المسح السيزمي لا يسمح برؤية النفط أو الغاز لأنه لا يوجد أي تقنية اليوم تسمح بهذا الأمر.

يستخدم علماء الجيولوجيا والجيوفيزياء المسح السيزمي لتطوير النظريات حول التاريخ الجيولوجي للمنطقة التي يبحثون فيها. في كثير من الأحيان هناك نظريات تتنافس على شرح تسلسل التطور الجيولوجي للمنطقة بما يدفع العلماء إلى الإعتماد على خبرتهم ومعرفتهم للمنطقة التي يبحثون فيها.

هذا الأمر يؤدي إلى طرح نظريات حول ديناميكية التطور الجيولوجي للمنطقة مع الزمن وكيفية وصول الرواسب إلى الطبقات العميقة. وهذا يعني طرح فرضيات مع إحتمالات تجعل هذا السيناريو أفضل من غيره.

شروط نجاح عمليات الحفر
عندما يتكوّن النفط أو الغاز، يؤدّي الفرق بالضغط في بعض الطبقات إلى هجرة النفط أو الغاز. وهذا يعني أنه لا يكفي على الجيوفيزيائي أن يُحدّد هيكلية المنطقة لكي يؤكد وجود النفط.

فوجود «الصخرة المصدر» (source rock) هو شرط أساسي لحفر بئر لكنه غير كاف إذ يتوجب أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، عوامل كمسار النفط من المصدر إلى مكان وجوده. هذا المسار يجب تحديده عبر النظر إلى الصخرة المصدر والصخرة المسامية والقابلة للاختراق (لديها قنوات ربط المسام وبالتالي فإن النفط يمكن أن يتدفق عبرها).

من هذا المنطلق، يتوجب على الجيوفيزيائي أن يردّ على أربعة أسئلة تُعتبر أساسية لتحديد نجاح عمليات الحفر:

1- هل هناك صخرة-مصدر في المنطقة التي يبحث فيها؟
2- هل هناك من مسار يُفسّر وجود النفط بعيداً من الصخرة المصدر؟
3- هل هناك من صخرة-خزان (reservoir rock) تسمح بحفظ النفط حتى يومنا هذا؟
4- هل الهيكلية الموجودة لها خصائص تسمح بحفظ النفط فيها وتمنع هجرته (مصيدة)؟

مدخول النفط البرّي
هذه العوامل الأربعة أي المصدر، المسار، الخزان والمصيدة، هي عوامل أساسية لكن يشوبها الغموض وبالتالي مرفقة دائماً بإحتمالات. هذه الإحتمالات توضع ضمن معادلة تسمح بحساب وجود العوامل الأربعة معاً:

إحتمال نجاح الحفر (probability of drilling success) = إحتمال وجود صخرة مصدر، زائد إحتمال وجود مسار، زائد إحتمال وجود صخرة خزان، وزائد إحتمال وجود هيكلية تمنع الهجرة.

هل سيتم الحفر في البر اللبناني؟
كما سبق الذكر، إن نجاح عملية الحفر تعتمد على وجود العوامل الأربعة أعلاه. من هذا المنطلق يتم حساب القيمة الحالية الصافية عبر الحساب التالي: إذا ما إعتبرنا أن هناك 57 مليون برميل مع إحتمال 90% و217 مليون برميل مع إحتمال 50% و752 مليون برميل مع إحتمال 10%، فإن القيمة الحالية الصافية قد تصل إلى ما يوازي 116 مليون دولار أميركي (أنظر إلى الرسم). هذا الحساب يأخذ بالإعتبار الخزانات التي يُمكن إستخراجها (Recoverable Reserves)، أسعار النفط العالمية.

إذا كان النفط البري من منظار الحجم لا يُقارن بالثروة الغازية القابعة في عمق البحر اللبناني، إلا أن إستخراجه غير المكلف (5 إلى 6 مرات أقل من الكلفة في البحر) يجعله مهماً في ظل الركود الاقتصادي الحالي. ويبقى السؤال عن مدى وعي الطبقة السياسية لإعفاء لبنان من حرب داخلية على السيطرة على هذه الموارد. فهل تكون سبباً جديداً لحرب أهلية ذي طابع نفطي أسود؟

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.