انعكاسات «النووي» على الاقتصاد اللبناني متواضعة

0

قامت إيران والدول الـ5 + 1 بالإتفاق الخميس الماضي على وَضع أسس لاتفاق على الملف النووي الإيراني. هذا الاتفاق المبدئي ينصّ على تخفيض عدد المخصّبات ومخزون اليورانيوم الإيراني على مدى 15 عاماً مقابل رفع العقوبات. فهل يحتاج الاقتصاد العالمي لهذا الاتفاق؟ الاتفاق المبدئي الذي عملت من أجله إيران والدول الـ5 + 1 على مدى الأشهر الماضية، أبصرَ النور في ظل غموض كبير على التفاصيل. ففي حين أنّ المعلومات تُشير إلى أنّ الاتفاق ينصّ على تخفيض عدد المخصّبات من 19000 إلى 6000 مخصّب وتخفيض مخزون اليورانيوم المُخصّب بنسبة 98% على مدى 15 عاماً وذلك مقابل رفع العقوبات العالمية على الاقتصاد الإيراني، تظهر إلى العلن حساسية التفاصيل وخصوصاً في نقطتين:

الأولى تشمل مراقبة المنشآت الإيرانية والآلية التي ستُعتمد من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمراقبة هذه المُنشآت. وللتذكير، فإنّ الوكالة التي كانت تُراقب سابقاً المُنشآت الإيرانية، تمّ منعها في وقت من الأوقات من الدخول إلى بعض المُنشآت، ما دفع المجتمع الدولي إلى زيادة العقوبات على إيران.

الثانية تشمل آلية رفع العقوبات، فرفع العقوبات بشكل أحادي – أي كل دولة على حدة – لا يُطمئن إيران من ناحية أنّ بعض الدول قد تعمد إلى المماطلة. ورفع العقوبات بشكل إجمالي من كل الدول يجب أن يتمّ عبر مجلس الأمن، وهذا لا يُطمئن المجتمع الدولي. لذلك، فإنّ رفع العقوبات من قبل مجلس الأمن يعني صعوبة إقرار عقوبات أخرى في حال خالفت إيران الاتفاق وذلك بسبب الفيتو الروسي أو الصيني.

هذا الأمر سيترافق مع تعقيدات قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي في آخر شهر حزيران المُقبل، وعلى رأسها معارضة إسرائيل والقدرة على كتابة التفاصيل في ورقة الاتفاق النهائية (The devil is in the details).

الفوائد الاقتصادية

لا شك أنّ الاقتصاد العالمي دخلَ في ديناميكية يصعب فهمها من قبل الأكاديميّين وأصحاب القرار. وعلى رغم الأموال الهائلة التي ضُخّت في الاقتصاد العالمي، لم تنفع النظريات الاقتصادية الموجودة بتغيير المنحنى الهبوطي لهذا الاقتصاد. من هنا يظهر إلى الواجهة الأهمية لاتفاق مع إيران كونه سيكون الباب لعدة فرَص:

أولاً- السوق الإيرانية: فهذه السوق الهائلة، المؤلفة من 80 مليون مُستهلك و400 مليار دولار كناتج محلي إجمالي، تجذب شهية الشركات العالمية التي تسعى إلى زيادة الطلب الخارجي، وهي التي تُعاني ركود الطلب الداخلي. كما أنّ الشركات النفطية العالمية تشتهي عقد اتفاقات مع إيران التي يبلغ احتياطها المؤكد من النفط 154 مليار برميل (9% من الإحتياطي العالمي).

وأكثر من نصف هذا الإحتياط يتواجد في خمسة حقول كبيرة، أهمّها حقل مارون الذي يحتوي على 22 مليار برميل من النفط، أهواز 18 مليار برميل، وآغاجاري 17 مليار برميل. فهل ضمّت المفاوضات على النووي الإيراني أيضاً مفاوضات على العقود النفطية؟ وهل تمّ توزيع حصص بين الدول الـ5 + 1 في ما يخصّ هذه العقود؟

ثانياً- السوق السورية: مع تخطّي حاجة سوريا لأكثر من 300 مليار دولار أميركي لإعادة إعمارها، تظهر إلى العلن شهوة الشركات الأجنبية الغربية لهذه السوق. واتفاق على النووي الإيراني يحمل في طيّاته (بنسبة كبيرة) إتفاقاً على الأزمة السورية.

وهذا يعني أنّ النظام الذي سيحكم في سوريا سيُعطي الأفضلية للشركات الأجنبية الغربية من ناحية الاستثمار والعقود على حساب الشركات العربية والآسيوية. وهنا يُطرح السؤال عن الموقف الروسي من هذا الأمر وما هي حصة روسيا في العقود؟

ثالثاً- الغاز القطري: لا يُخفى على أحد كم تُعاني أوروبا من روسيا جرّاء النزاعات بين روسيا وأوكرانيا، وما لهذا الأمر من تداعيات على نقل الغاز الروسي إلى أوروبا. من هنا تبرز أهمية الغاز القطري لأوروبا ونقله بواسطة أنابيب كانت لتمرّ عبر العراق وسوريا لولا رفض النظام السوري لهذا المشروع.

بالإضافة إلى هذه الفرَص، هناك فرص سياسية أخرى كتطبيع العلاقات مع إسرائيل وتطبيع التبادل التجاري بينها وبين العرب وإيران. ويُمكن أيضاً ذِكر النجاح السياسي للرئيس أوباما وحزبه في الولايات المتحدة الأميركية.

التداعيات على لبنان

إنّ لبنان الذي يقع بين فكّي الكمّاشة السورية – الإسرائيلية، يتعرّض منذ عقود للتجاذبات السياسية الإقليمية والدولية. وتمّ بيعه وشراؤه عشرات المرات في خلال هذه الفترة تحت شعارات مختلفة منها القومية العربية، الطائفية وأخيراً المذهبية. هذا الواقع يُشكل دلالة على هشاشة النظام السياسي اللبناني الذي يُعاني من نسيج المُجتمع اللبناني.

من هنا نرى أنّ لبنان يستفيد حتماً من اتفاق نووي يؤدي إلى اتفاق سياسي شامِل في المنطقة على المحاور الأساسية، مثل الأزمة السورية، والأزمة اليمنية. لكنّ هذه الاستفادة ستكون سياسية أمنية وليست اقتصادية، والسبب يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف لبنان على مستوى المفاوضات على العقود خصوصاً مع الجارة سوريا.

كما يجب التساؤل عن وَضع الثروة النفطية والغازية اللبنانية في ظلّ اتفاق شامل. فهل يُناسب إسرائيل أن ينافسها لبنان في تصدير الغاز إلى مصر؟ وهل يناسب الدول العربية أن يُنافسها لبنان بتصدير غازه إلى أوروبا؟

قد يكون للبنان استفادة من إيران مباشرة عبر تبادل تجاري خدماتي واستثمارات خجولة قد تعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني، إلّا أنها لن تكون بما قد يحلم به المرء.

من هنا نرى أنّ الوضع الاقتصادي اللبناني مُرجّح إلى الإستمرار في علّته، بما أنّ المصارف اللبنانية لا تعمد إلى دعم الإستثمارات في القطاع الخاص، وبما أنّ لبنان لا يملك ماكينة إنتاجية قوية تسمح له بتنويع إنتاجه وبالتخصّص في قطاع صناعي معيّن كالصناعة الرقمية وغيرها.

وما يُثبت نظرتنا إلى هذا الواقع الأليم هو ما حصل في قمّة شرم الشيخ حيث عادت الشركات اللبنانية من دون أيّ عقود، في حين خرجت الشركات العالمية بعقود تفوق الـ 36 مليار دولار. حتى أنه تردّد أنّ الوفد اللبناني من رجال الأعمال لم يتمّ السماح له بالدخول إلى قاعة الإجتماعات. من هنا نرى هشاشة القومية العربية سياسياً واقتصادياً وتأكيد ما ذكرنا أعلاه، أن لا خلاص للبنان إلّا عبر أبنائه.

في الختام، لا يسعنا سوى الوقوف عند مقارنة بين حوار إيران والولايات المتحدة الأميركية من جهة، وحوار «حزب الله» والمستقبل، وحوار التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية من جهة أخرى. فإذا كان العدوّان (إيران والولايات المتحدة الأميركية) قد توصّلا إلى اتفاق، فلماذا لا نستطيع أن نصِل إلى اتفاق داخلي؟

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.