كارثة اقتصادية نتاج 400 ألف زائر يدخلون لبنان مطلع الـ2016

0

مجد بو مجاهد

في حشد الروس العسكري الى سوريا ضريبةٌ على اللبنانيين دفعها. تجليّاتها تختصر بمشهديّة أزمةٍ شهدها واقع البلاد في السنوات الأخيرة، وهي انعكاسات ظاهرة النزوح السوري على لبنان، المتفاقمة العدد، والمتهالكة الأوضاع الإنسانية المأسوية، التي توصّف بحروقٍ اجتماعيةٍ واقتصادية من الدرجة الاولى تطال بلاد الأرز بعدما طالت الشعب السوري المشرقي الجريح. حروقٌ كانت قد شملت، ومن المتوقّع ان تشمل في الأشهر القليلة المقبلة، وبحدّةٍ اكبر، مختلف المرافق الحيوية، من مدارس ومستشفيات، كما تتربّص في الحاجات الأولية وتدخل في مفارق استهلاكية يقابلها ارتفاعٌ في حدّة البطالة. هذا من دون الدخول في مفترق الوضع الامني غير المستقر والهواجس البيئية المتزامنة مع فصل شتاءٍ قادم. فكيف ستستقبل الديموغرافيا اللبنانية 400 ألف لاجئ سوري جديد حتى كانون الأول المقبل؟ وماذا في انعاكاسات قدوم فرق اللجوء الجديدة، اقتصادياً واجتماعياً؟

 

 

1835840 نازحاً سورياً
تأتي زيادة أعداد اللاجئين السوريين الى لبنان تزامناً مع واقعٍ اقتصاديٍّ حرج، تعانيه بلاد الأرز بعد مرور أكثر من 5 سنوات من النضال المستمر الذي اعتمدت فيه خطط العمل على الانعكاسات الايجابية للنمو الاقتصادي الذي شهده لبنان حتى نهاية عام 2010. الا ان اختلاف الواقع في الـ2015 يحكمه انكماشٌ كانت البلاد قد استنفدت خلاله ارباحها الاقتصادية السابقة في تخطي الأزمة التي طالت فصولها. في هذا الإطار، نشرت المفوضية السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين عبر موقعها الالكتروني النسبة المتوقّعة لزيادة اعداد النازحين السوريين في مطلع العام المقبل حيث فنّدت بدقة أرقام الوافدين المرجّحة الى لبنان حتى كانون الاول 2015 مقارنةً بأعداد النازحين المسجّلين منهم في كانون الثاني 2015. وجاء في قراءتها الاحصائية ان عدد الذين قدموا الى لبنان حتى بداية العام الحالي وصل الى 1435840 نازحاً سورياً في حين من المتوقّع تخطي اعدادهم الـ 1835840 شخصاً في غضون الثلاثة أشهر المقبلة. الدراسة نفسها لم ترجّح ارتفاعاً في نسبة الوافدين العراقيين التي استقرّت على 6100 لاجئ منذ بداية السنة، وكذلك لم تتطرّق الى احتمال تزايد اعداد القاطنين السودانيين على الـ170 شخصاً.

من 28 الى 13 دولاراً
يشير مصدر في إحدى المنظمات غير الحكومية التابعة للأمم المتّحدة لـ “النهار” إلى أن ” وتيرة المساعدات المقدّمة الى النازحين السوريين في لبنان الى تضاؤل ملحوظ هذا العام في ظل تراجع الدعم المادي. ويترجم هذا التراجع في ندرة توزيع البطاقات البيضاء الموزّعة على النازحين والمختصّة بمساعدات تدفئة او مسكن بقيمة 25 دولاراً شهرياً، والتي أنشأت أساساً لحالات استثنائية”. ويلفت الى ان “البطاقة الزرقاء التي تعطى كنوع من القسائم المادية للاستفادة منها في شراء منتوجات غذائية تراجعت قدرتها الشرائية من 28 دولاراً الى 17 حتى وصلت في الفترة الأخيرة الى 13 دولاراً اميركياً لا غير”. ويقول المصدر عينه ان “الخدمات المقدّمة تختلف بدورها بين منطقة وأخرى، كالمساعدات التعليمية التي تعطى في بيروت وجبل لبنان على شكل نشاطات ترفيهية تتضمّن دروساً تلقينية، في حين ان الخدمات نفسها تعطى في البقاع والجنوب على شكل صفوف مدرسيّة”.

50 مليون دولار
يشرح الخبير الاقتصادي والاستراتيجي، البروفسور جاسم عجاقة واقع المساعدات الدولية للاجئين السوريين في لبنان: “اجتمعت الدول المانحة منذ فترة هدفاً منها في دعم لبنان ومساعدته في ما يخصّ أزمات النزوح المتفاقمة، وكان هناك وعودٌ جمّة بتمويل الصندوق الخاص الذي انشأته وادارته مؤسساتٌ دولية دحراً للفساد وتأكيداً على وصول المساعدات الى الجهة المرجوّة. لم يتم التبرع حتى الآن بسوى 50 مليون دولار والذي يعتبر رقماً خجولاً ولا يأتي بنتائج فعّالة”. وحول توقّع ازدياد اعداد النازحين 400 الف مواطن اضافي يعتقد ان “هذه الفرضيّة ستحصل حتماً في ظلّ التصعيد العسكري الروسي في سوريا والذي سينتج حتماً من صراعات حدودية في جسر الشغور والشام والزبداني، والتي تعتبر جميعها مناطق محاذية للحدود اللبنانية ما سيفاقم الاعداد الوافدة الى لبنان”. وفي الاسباب التي شاءت دون ايفاء الدول المانحة بوعودها المالية يعزو السبب “الى رغبة سياسية دولية في ابقاء لبنان الحلقة الاضعف في الساحة الاقليمية من شأنها تلقي صدمات عسكريّة في حين ان الاردن على سبيل المثال دولة محصّنة الحدود عسكرياً ولا تسمح بأي تجاوزٍ او زحفٍ بشري”.

تداعيات اقتصادية واجتماعية
يلخّص البروفسور عجاقة النتائج السلبية التي ستنتج من زيادة سكانيّة قوامها 400 ألف لاجئ سوري جديد بالتالي: “تتخّذ الأزمة أكثر من طابع واحد، بين الشق الاقتصادي الذي يتمحور بزيادة نسبة البطالة بشكلٍ كبير، اضافةً الى تدهور حاد في البنية التحتية العامة وبالأخص الكهرباء، ترافقه زيادة في أسعار المازوت الأحمر على ابواب موسم الشتاء، كما سيشهد الصعيد الاستهلاكي غلاءً في الاسعار يحتّم تراجعاً في القدرة الشرائية. وفي المفترق الديموغرافي، تسبّب عملية استيعاب هذا العدد الهائل زحمة سيرٍ كبيرة وتأخّراً في مواعيد الوصول الى العمل مما يؤثّر في الانتاجيّة”. اما في الشق الاجتماعي فيعتبر ان “نسب الفقر ستزداد كذلك الجرائم، وذلك كردّة فعل طبيعيّة قد يقوم بها اي انسان يشوبه القهر والتشرّد، ما يفتح الباب على مصراعيه حول امكان ازدياد مظاهر الفلتان الأمني. المدارس بدورها ستجد مشكلة كبيرة في امكان استيعاب هذا العدد الهائل، مما يطرح ازمةً تربوية مستجدّة في ظلّ ارتفاع نسبة الولادات في صفوف النازحين السوريين”.

لا شكّ في أن مراحل تداعيات الأزمة السورية على لبنان لا تزال تشهد حلقاتٍ جديدة اكثر مأسوية. تراجيديا النزوح تحمل في طيّاتها مفترقين أساسيين. الأول يكمن في معاناةٍ انسانية حقيقية تعتري عوائل مشرّدة تبحث عن مأوى قبل الدخول في مضامين حياتية أخرى، والثاني انعكاس مرآةٍ للمفترق الأول، يحمل في مدّه مجتمع لبنان واقتصاده. لا يبقى في الصورة الأقرب الى الكارثية في الوصف، سوى مسكّن واحد يهدّئ من روع المأساة: انتظارٌ على شاكلة ترقّب، عسى ان يكون للحرب البشرية السورية والاجتماعية اللبنانية “خواتيم سريعة”.

رابط النهار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.