السيناريو المتوقّع بعد خفض التصنيف

0

أدّى تراجع الوضع الاقتصادي والمالي والشلل السياسي الحاصل في لبنان إلى تخفيض وكالات التصنيف الإئتماني للنظرة المُستقبلية للبنان. هذه الخطوة هي بمثابة تهديد بتخفيض تصنيف لبنان الإئتماني من B- إلى CCC+ أقله، بما يعني تداعيات سلبية على اقتصاد لبنان وقطاعه المصرفي.  أصبح تخفيض التصنيف الإئتماني للبنان شبه مؤكد بعد تراجع النظرة المُستقبلية من مستقر إلى سلبي. هذا التخفيض المُتوقع ما هو إلّا نتيجة التراجع الاقتصادي والمالي الكبير الذي شهده لبنان في العام 2015 كنتيجة للشلل الحكومي والنيابي وغياب الإجراءات الإصلاحية وإقرار مشاريع مفروضة على لبنان من المُجتمع الدولي.

كما أنّ عدم إقرار لبنان لعدد من المعاهدات الدولية خصوصاً في ما يخصّ مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، دفعت لبنان أكثر إلى خانة إدراج إسمه على لائحة الدول غير المُتعاونة.

وإذا ما حصل هذا التخفيض، فإنّ التداعيات السلبية على لبنان لن تتأخّر بالظهور من ناحية الكلفة المالية على المصارف اللبنانية وعلى الدولة اللبنانية. ومن أهم هذه التداعيات زيادة الفوائد والتي ستكون كارثية على الاقتصاد اللبناني في ظل الظروف الحالية.

إعادة رسملة المصارف

من أهم مقررات معاهدة بازل هو أنّ نسبة رأسمال المصرف إلى المخاطر (Capital adequacy ratios) يجب أن تتوافق مع متطلبات رأس المال القانونية لكي يتمكن المصرف من استيعاب كمية معقولة من الخسارة من دون أن يكون هناك خطر على المودعين. هذه النسبة تأخذ بالإعتبار عاملين: رأسمال المصرف والتصنيف الإئتماني للمصرف (كنتيجة للتصنيف الإئتماني للبنان).

وبالتالي فإنّ المصارف اللبنانية، في حال تمّ تخفيض التصنيف الإئتماني للبنان، ستكون مُلزمة إعادة تكوين رأسمالها للحفاظ على النسبة المئوية لرأس المال على المخاطر المرجّحة بحيث تتلاءم مع متطلبات معايير بازل. هذه العملية ليست بمُشكلة للمصارف اللبنانية التي تتمتع بسيولة كبيرة، وبالتالي لن يكون هناك من مُشكلة لإعادة رسملة هذه المصارف.

التعامل مع المصارف المراسلة

من المعروف أنّ الخدمات المصرفية بين الدول تمرّ عبر المصارف من مصرف إلى آخر. وتتمّ تسمية المصرف الأجنبي بالمصرف المراسل للمصرف المحلّي.

وبحسب القوانين والأنظمة المرعيّة الإجراء في البلدان هناك قيود على التعامل بين المصارف المحلية والمصارف العالمية بحسب معايير يتمّ وضعها داخلياً من قبل سلطة الرقابة وخارجياً من قبل الهيئات الدولية، ومن هذه المعايير التصنيف الإئتماني للمصرف المراسل. وبالتالي، فإنّ أي تخفيض للتصنيف الإئتماني للبنان سيمنع العديد من المصارف العالمية من التعامل مع لبنان.

أيضاً هناك مشكلة عدم إقرار القوانين المُتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والتي، مهما كان التصنيف الإئتماني للبنان، ستحول دون التعامل مع المصارف اللبنانية من قبل المصارف العالمية.

بالطبع هذه التداعيات ستؤثر على المصارف من ناحية التمويل، إلّا أنّ السيولة العالية للمصارف تسمح بتخطي هذه المُشكلة. أيضاً، يُمكن الحديث عن عدم قدرة المصارف اللبنانية لاحقاً على لعب دور الـ HUB بالنسبة للمصارف الإقليمية والدولية.

إنخفاض الربحية ورفع الفائدة

لا شك أنّ التداعيات الآنفة الذكر ستؤدّي إلى خفض ربحية المصارف اللبنانية لأنّ قسماً من أموالها تمّ استخدامه في إعادة الرسملة وكنتيجة رفع المخاطر التي تؤدي بشكل تلقائي إلى رفع الفائدة المطلوبة (Required Interest Rate). وبالتالي، فإنّ توجه المصارف سيكون إلى رفع الفوائد بغضّ النظر عن سعر الفائدة المُحدد من قبل مصرف لبنان.

وقد شهدنا في شباط 2015 كيف عمدت المصارف إلى رفع الفائدة على الليرة اللبنانية وعلى الدولار الأميركي على التسليفات (2 نقطة و4 نقاط). وبالتالي، فإنّ كلفة القروض ستزيد بنسبة تسمح بإعادة الربحية للمصارف إلى مستوى (يُعتبر) مقبولاً من قبل المصارف.

هناك مبدأ إقتصادي إسمه «مثلث عدم التوافق» أو مثلث «منديل» (تيمّناً بالباحث Mendel). وينصّ هذا المبدأ على أنّه من المُستحيل على اقتصاد معيّن في إطار دولي (open economy)، تحقيق الأهداف الثلاثة التالية في الوقت نفسه: نظام سعر صرف ثابت، سياسة نقدية مستقلة، وحرية تنقل رؤوس الأموال. وأثبتت الدراسات أنّ محاولة تحقيق الأهداف الثلاثة تؤدي إلى أزمة نقدية ومالية على مثال الأزمة الآسيوية في العام 1997 أو المكسيكية في العام 1995.

ويعود سبب الأزمة إلى الخروقات في القوانين الاقتصادية التي ترعى الدائرتين الاقتصادية والمالية، إذ أنّ التوازن الضمني (Implied Control) متواجد باستمرار لمَنع هذا الثلاثي من التواجد معاً. من هذا المُنطلق، يُمكن القول انّ التخلي عن أحد هذه الأهداف يسمح بتحقيق الاثنين الآخرين.

ما هي الآلية وراء هذا المبدأ؟

لنفترض أنّ مصرف لبنان ثبّت سعر صرف العملة مقابل الدولار على سعر صرف السوق وسمح بتنقّل رؤوس الأموال بحرّية كاملة. ولنفترض أنّ السياسة النقدية للمصرف المركزي تتماشى مع الأسواق العالمية.

وإذا ما افترضنا أنّ مصرف لبنان قرر اعتماد سياسة نقدية توسعية لتحفيز الاقتصاد (هذا الواجب فعله في ظروف طبيعية)، فإنّ هذا الأمر سيزيد من عرض النقد وبالتالي سيضغط نزولاً على أسعار الفائدة ما سيدفع المستثمرين إلى الاقتراض بالعملة المحلية وتوظيفها بالعملات الأجنبية (Carry Trade).

وبما أنّ هناك حرية في تنقّل رؤوس الأموال، فإنّ هذا سيؤدّي إلى تدهور العملة المحلية وسيعمد مصرف لبنان إلى استخدام احتياطه للدفاع عن الليرة اللبنانية. ومع محدودية الإحتياطي المركزي، سيكون هناك أزمة نقدية ومالية حادّة في لبنان.

وإذا ما أخذنا السيناريو المُعاكس، أي أنه تمّ رفع الفائدة، فإنّ هذا الأمر سيؤدّي إلى خلق فرق بين الفوائد المحلّية والفوائد الخارجية. ما يعني أنّ حركة رؤوس الأموال ستشكّل ضغطاً على سياسة الثبات النقدي نتيجة فرق الفوائد (Interest rate parity) ناهيك عن قتل الاقتصاد نتيجة توقّف تمويله بالاستثمارات كما وانخفاض الإستهلاك.

نتيجة لِما سبق، نرى أنّ تخفيض التصنيف الإئتماني للبنان ستكون له تداعيات سلبية على الأمد البعيد وليس القريب. وربحية المصارف اللبنانية ستكون موضوع الساعة في الأشهر التي تلي هذا التخفيض، كما ورَدّة فعل هذه المصارف.

وبذلك استطاع السياسيون في لبنان ضرب ما عجزت الحرب عن ضربه. وقد يكون من المجدي اليوم إخضاع النظام المصرفي لاختبارات ضغط (Stress Tests) لمعرفة السيناريوهات المُحتملة وكيفية الرد على رفع محتمل للفائدة من قبل المصارف.

رابط الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.