خطر الدين العام يتعاظم

0

عشرة أعوام كانت كافية لارتفاع الدين العام اللبناني إلى الضعف. عشرة أعوام تخللتها سنوات مجد مع نمو فاق الـ 9%، ولم يستطع لبنان لجم دينه العام ولا العجز الذي يولده. ويبقى السؤال عن قدرة لبنان على الصمود أمام دين يمكن أن يتضاعف في الأعوام المقبلة.  

يعتمد الاقتصاد الأميركي على عمودين أساسيين: النفط والإستدانة. وهذان العاملان هما أساس هذا الاقتصاد وسبب نموه وتطوره. وحاولت دول عديدة في العالم، مثل اليونان ولبنان، تقليد النموذج الأميركي، إلا أنها فشلت. والسبب الرئيسي يعود إلى الفساد وغياب الخطط الاقتصادية التي تسمح للإقتصاد بالتطور.  والدين بحد ذاته يُعتبر مؤشراً جيداً في المطلق من ناحية أنه يرسم أملاً للمستقبل. والمعروف في الاقتصاد، أن الإستيدان بهدف الإستثمار هو علامة جيدة ويسمح بدفع الاقتصاد (Leverage) عبر تعظيم المداخيل من الإستثمار. أما الإستيدان بهدف الإنفاق الجاري فهو علامة سيئة تدلّ على عجز الدولة في إدارة النفقات والإيرادات. الخطط الأساسية للحكومات اللبنانية التي تعاقبت على السلطة بُعيد إنتهاء الحرب الأهلية، كانت تعتمد بشكل أساسي على الإستيدان (بغياب الموارد الطبيعية) وذلك بهدف دعم الاقتصاد. إلا أن هذه الخطط لم تنجح في دعم الماكينة الإنتاجية وكان هناك إتجاه أكبر نحو الربحية الريعية، عبر الودائع في المصارف أكثر منها في الاقتصاد. وكذلك فعلت المصارف عبر خفض تمويل الإقتصاد والإتجاه إلى الربحية الأكيدة المُتمثلة بفوائد عالية على سندات الخزينة والتي من المستحيل أن يحققها الإقتصاد اللبناني. النتيجة بالطبع كارثية إذ أن الإنفاق المتزايد للدولة اللبنانية وقلة النمو المُسجّل (بإستثناء الأعوام 2007 إلى 2010)، جعلت العجز يتراكم ويتحول إلى دين عام بشكل جنوني. ويكفي النظر إلى مستوى الدين العام في 2008 (47 مليار دولار) ومستواه اليوم (69.2 مليار) لمعرفة أنه في الأعوام التي كان فيها نمو يفوق الـ 7%، كان العجز أقل، وبالتالي كان الدين العام يزداد بوتيرة أقل مما هو عليه منذ بدء الأزمة السورية. لكن مقارنة العجز بنمو الدين العام تُعطي البرهان القاطع أن سبب نمو الدين العام آت من العجز في الموازنة. فإذا قمنا بمقارنة العجز المتراكم منذ العام 2004 حتى حزيران 2015 والزيادة في الدين العام خلال الفترة نفسها، نجد أن العجز المتراكم هو 33.5 مليار دولار، أما الزيادة في الدين العام فكانت 33.4 مليار دولار أميركي. ويبقى أن نذكر أن فائدة الدين العام تُحتسب في رأسمال الدين إذا لم تُدفع، وبالتالي فهي مأخوذة في الإعتبار. نقطة إيجابية في الإستحقاقات

يبقى الدين العام اللبناني مرتفعاً جداً نسبة إلى الناتج المحلّي الإجمالي (147%) وذلك على الرغم من التعديل الحسابي الذي قامت به وزارة المال في عهد حكومة الرئيس سعد الحريري (2009- 2011)، والذي خفّض -حسابياً- هذه النسبة. وبالنظر إلى هيكلية هذا الدين نرى أن ما يقارب النصف هو دين داخلي والنصف الآخر خارجي. لكن زيادة الدين العام تمّت في الأعوام الأخيرة بتمويل داخلي شبه كلّي من قبل المصارف التجارية ومن قبل مصرف لبنان. 

من هذا المنطلق، نرى أن هناك إتجاهاً إلى خفض التعلق بالخارج والإتجاه أكثر إلى الإستدانة الداخلية. لكن النقطة الإيجابية الأكبر تتعلق بهيكلية الدين من ناحية أدوات التمويل، فبنظرة إلى هذه التركيبة نجد أنه تمّ تنفيذ عمليات تبديل الأدوات القصيرة الأمد بأخرى بعيدة الآمد (Debt Swap).

كما أن السندات القصيرة الأمد والتي تهدف إلى تغذية الخزينة بالسيولة، طال أمدها من 6 أشهر إلى 12 شهراً وبالتالي فإن خطر إفلاس الدولة اللبنانية تراجع، أقلّه مؤقتاً. وبحسب الحسابات المالية التي قمنا بها، فإن نقطة الثقل في سندات الخزينة تتواجد على بعد 4.75 سنة أي أن الدولة اللبنانية هي تحت خطر حتى الأعوام الخمسة المقبلة وبعدها تُصبح في بر الأمان إذا لم يكن هناك من إستيدان إضافي.

استحالة الإستمرار في النهج نفسه

المشكلة الأساسية تبقى في أن اللجوء إلى الأسواق لتمويل عجز الدولة هو في إزدياد مُستمرّ. ففي آذار الماضي، تمّ إصدار سندات خزينة بقيمة 2.3 مليار دولار أميركي وهذا الرقم مُخيف حين يعلم المرء أنه يُشكل ما يُقارب الـ 13% من الموازنة. وها هي وزارة المال تتجه إلى إصدار آخر بالقيمة نفسها، ما يعني أن الدين العام سيزيد بما لا يقل عن 3.5 مليار دولار في النصف الثاني من هذا العام. من هذا المُنطلق، نستنتج أنه لا يُمكن الإستمرار في هذا النهج الإنفاقي وخصوصاً أن النمو الإقتصادي يدفع فاتورة الأزمات السياسية التي يتخبط فيها لبنان. ويتوجب على الدولة اللبنانية أن تبدأ بحلّ مشكلة كهرباء لبنان لأن كل قرش يتمّ صرفه عليها يتحول تلقائياً إلى عجز، كما أن الإنفاق الجاري والذي يُشكل 92% من مجمل الإنفاق هو وليد غياب الموازنات العامة منذ العام 2005. لذا يتوجب وضع موازنة واقعية تعكس الواقع الحالي ويكون مضمونها إصلاحياً، لأنه في حال لم يتمّ إقرار موازنة للعام 2016، فإن الدين العام سيرتفع بشكل إسّي (Exponential) سيدفع بلبنان إلى الرعاية الدولية التي ستفرض عليه ما فُرض على اليونان.
بالطبع إن غياب النمو – الوحيد القادر على إمتصاص العجز – يُعتبر العائق الأول للجم الدين العام، لكن الإنفاق لا يقلّ أهمية عن النمو، فالإستمرار في هذا المُستوى من الإنفاق كارثي. وللذكر فإن إيرادات الدولة لا تُغطي إلا خدمة الدين العام (أي الفوائد على الدين العام) والأجور، ما يعني أن إنفاق مؤسسة كهرباء لبنان والإنفاق التشغيلي والإنفاقات الأخرى تتحول تلقائياً إلى عجز وبالتالي إلى دين عام. كل هذا ولم نتحدث عن الفساد الذي يحرم الدولة من مداخيل مباشرة وغير مباشرة بقيمة 10 مليارات دولار سنوياً (25% من الناتج المحلّي الإجمالي!). 

 www.almodon.com/economy/7a5c5061-8d71-407f-beaf-07c2b2925e29

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.