التحولات الاقتصادية أصبحت إلزامية

0

من النفط إلى الإنترنت مروراً بالمحرك البخاري، ثورات صناعية غّيرت مجرى التاريخ ودفعت بالإقتصاد إلى مستويات لم تكن لتحصل لولا هذه الثورات. اليوم وبعد مرور أعوام على الأزمة المالية، لا يزال الاقتصاد العالمي يرزح تحت عبء هذه الأزمة ولا حلّ إلا بتحولات إقتصادية.     في كل مرة كان هناك ثورة صناعية، كان الإنسان المستفيد الأول وذلك عبر الإقتصاد الذي طور ماكينته الإنتاجية. فالإقتصاد في مراحله الأولى كان زراعياً بإمتياز، قبل أن تشهد بريطانيا وفرنسا وبلجيكا الثورة الصناعية الأولى. وتبعتها دول أخرى مثل ألمانيا والولايات المتحدة واليابان وروسيا في القرن التاسع عشر.  الثورة الصناعية عبورمن عصرإلى آخر…الثورة الصناعية تُشكل عبورا من عصر إلى آخر تتغيّر فيه العادات وطريقة العيش ومعها الإستهلاك. فمن عايش ثمانينات القرن الماضي قادر على فهم ماذا يعني عدم وجود جوال أو كمبيوتر. من هنا يُمكن وصف الثورة الصناعية بأيديولوجية تقنية وعقلانية. فمن قلب هذه الثورة تمّ قبول ما يُسمّى بإقتصاد السوق. لذا يُمكن رؤية هذه الثورة كـ “تقارب بين عناصر مدعومة من الإطار التاريخي الذي يواكب إنطلاقها”.على هذا الصعيد علق البابا ليون 13 على هذه الثورة بالقول: “مجموعة أشياء جديدة تؤدي إلى حركة إقتصادية وإجتماعية غير مسبوقة وغريبة تطرح مشكلة إجتماعية”. لكن لماذا الحديث عن ثورة صناعية؟السبب بسيط ويتمثّل بركود الاقتصاد العالمي كما حصل قبل كل ثورة صناعية. لذا هناك حاجة لنوع من تغيير جذري في نمط حياة الإنسان لكي يتسنى للإقتصاد الإزدهار بشكل ملحوظ. هذا التغيير الجذري سيدفع إلى خلق نماذج إقتصادية جديدة قادرة على خلق الثروات وبالتالي سيكون هناك الكثير من الإحتمالات لقطاعات وأعمال تدور في فلك الأفكار المُبتكرة. ما هي أسباب الركود الاقتصادي؟ تنص العلوم الإقتصادية على أن خلق الثروات يأتي نتيجة تصنيع مُنتج تكون فيه التكلفة أقل من سعر البيع وبالتالي هذا الفائض يسمح لصاحبه بإستهلاك منتجات أخرى أو الإستثمار في تصنيع منتجات جديدة. وقد طور الإنسان هذه العملية بشكل مُذهل، إذ قام بإختراع مبدأ الإستيدان الذي يُعظّم حجم الثروة المخلوقة. ثم عمد إلى إختراع العولمة التي بلغت مستويات عميقة جداً من ناحية التبادل التجاري والمالي والثقافي والإستهلاكي… وزادت نسبة التشابك مع إزدياد حجم إقتصادات الدول وزادت معها مخاطر الأزمات التي قد تكون مالية أو إقتصادية. وفي كل مرّة كان هناك أزمة، كانت تتمدد إلى الإقتصادات الأخرى عن طريق العولمة والتشابك الاقتصادي والمالي الناتج منها، وما أزمة العام 2008 إلا مثالا على مستوى المخاطر القابعة خلف النظام الحالي.  لم يبق إجراء إقتصادي إلا وتمّ تطبيقه من قبل الدول ضمن نطاق سياساتها الاقتصادية، حتى أن الإحتمالات المُمكنة لدفع الاقتصاد أصبحت شبه معدومة. وعلى سبيل المثال بعض الدول كانت تلجأ للحروب لدفع العجلة الاقتصادية عبر الصناعة العسكرية. أما اليوم فإننا نرى أن الظروف قاتمة إلى درجة أن نمو الإقتصاد العالمي أصبح ضئيلاً، والنمو المُحقق ما هو إلا نتيجة زيادة عدد السكان في المناطق الإستهلاكية الأساسية في العالم.  الثورة؟ أي ثورة؟لإخراج الاقتصاد العالمي من أزمته، لا بد لنا من العودة إلى مبادئ الاقتصاد وبالتحديد معادلة غوب-دوغلاس التي تنص على أن الثروة المخلوقة تتأثر بثلاثة عوامل: رأس المال، اليد العاملة والتكنولوجيا. وإذا كان رأس المال متوفرا واليد العاملة فائضة، إلا أن التكنولوجيا يُمكن تطويرها بشكل تُصبح ثورة صناعية رابعة. هذه الثورة ستخلق نماذج عمل جديدة ومعها سيكون هناك نوع من التخلّي عن عادات إستهلاكية قديمة لصالح العادات الجديدة ما يعني أن الإستهلاك والإستثمار سيزيدان على نفس نمط ما حصل مع ثورة الإنترنت. وهنا يتوجب التذكير بأن الأبحاث العالمية تدور حول الطاقة المتجددة، التكنولوجيا الرقمية، الفضاء وغيرها من المجالات التي يُمكن للتكنولوجيا أن تفتح آفاقا جديدة.  ولبنان من كل هذا؟وضع الاقتصاد اللبناني أصبح على شفير الهاوية وبتحليل للأرقام الرسمية والوضع السياسي، فإن إنكماش الاقتصاد اللبناني لن يتأخر بالظهور. لذا هناك تحولات إقتصادية وسياسية إلزامية يجب العمل عليها ضمن إطار النمط الإقتصادي الحالي أي أن ليس المطلوب من لبنان أن يقوم بثورات تكنولوجية. وعلى هذا الصعيد، يجب التذكير بإن الإصلاحات الاقتصادية ومحاربة الفساد هما على رأس قائمة ما يجب فعله من قبل الدولة اللبنانية. فنظامنا الاقتصادي لا يتواجد في أي كتب إقتصادية، مزيج من إقتصاد حر، فساد، تآكل الماكينة الإقتصادية، وجود أجنبي هائل على أرضه… من هنا يجب العودة إلى الجذور وإعادة الإقتصاد إلى السكة الصحيحة عبر تنظيم العمل الإقتصادي الذي هو من صميم عمل الدولة اللبنانية.  السياسة والإقتصادبالطبع لا يُمكن فصل الاقتصاد عن السياسة بحكم أن السياسيين يستخدمون الإقتصاد في عالم السياسة من جهة، والإقتصاد يتحمّل أعباء السياسة من جهة أخرى. وإذا كانت الدول المُتطورة قد سخّرت السياسة في خدمة الاقتصاد، إلا أن الدول في طور النمو حمّلت الإقتصاد أعباء فشل النظام السياسي القائم فيها كما يحصل في لبنان. فبدل سنّ القوانين الحديثة التي تواكب الماكينة الإقتصادية والظروف الاقتصادية العالمية، نرى أن في هذه الدول هناك تآكل للمستوى الإجتماعي للمواطن الذي يخسر فرص تطوير نمطه الاجتماعي بغياب الإصلاحات والإستثمارات وتفشي الفساد. يُقال أن الإنسان ليس صبوراً بطبعه وأن ما حققه من تطور إجتماعي في فترة 30 عاماً أكبر بكثير مما حققه خلال عصور. وبغض النظر عن مدى الإمتداد الاجتماعي لهذا القول، إلا أن ما لا شك فيه أن وبغياب أي ثورة صناعية جديدة، سيبقى نمو الاقتصاد العالمي يتأرجح بحدود الـ 2% وذلك بفعل الزيادة السكانية لا أكثر ولا أقل. فهل سنشهد فترة ركود طويلة؟

 http://www.albaladonline.com/ar/NewsDetails.aspx?pageid=338980 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.