اسوأ ما ينتظره اللبنانيون في ايلول… ازمة مختلفة، اتت ضربةً قاضية

0

مجد بو مجاهد

وكأن ساحة الشهداء غصّت بالمطالب اللامتناهية. صدى ضجيج المتظاهرين ضاقت به السماء. حتى إن العبارات المثيرة للسخرية التي كتبت بخط اليد على “كرتونة”، ربما لم يقصد بها اثارة الضحك. متظاهرٌ اراد بيع السيارة، لعله لم يكن يمزح. جاء ايلول، شهر العودة الى المدارس وحاجة رب المنزل الى استنشاق رائحة العملة يهزم ولع مدمن المخدرات. وجع الناس اكبر من كل الاستعراضات التحليلية لابعاد الانتفاضة. الاقساط بدورها الى زيادة، رغم مشاركة لجان الاهل في التوقيع على موازنة المدارس السنوية. وتيرة ارتفاعها سنوياً تتأثر بعوامل عدة، البعض يراها محقّة وآخرون يعتبرونها مجحفة. المختلف حالياً، تأرجح الازمات وتصارعها في ما بينها لتقود احداها الصوت. في ايلول الصرخة قد تزداد انغامها لتشكّل سمفونية كمانٍ حزين. فماذا في ازمة تكاليف الدراسة هذا العام؟

 

 

الى المدرسة الرسمية “درّ”على رغم عدم اقتناعهم بالمستوى التعليمي للمدارس الرسمية في العشرين سنة الاخيرة، الا ان ما عاد امام اللبنانيين من حلول سوى اللجوء اليها أمام أقساط المدارس الخاصة المرتفعة، التي ما عادوا يستطيعون تحمّلها، حتى بدون الزيادة التي قد تشملها. قرار عائلة خالد جاء بعد اضمحلال فرص النجاة أمامه. يروي الأب التفاصيل: “اعمل في احدى الشركات الخاصة كمحاسب. فضّلت تعليم اولادي الثلاثة في مدرسة خاصة، الا ان غلاء الاقساط في السنوات الاخيرة كان مفاجئاً كما ان الوضع السيئ الذي تمر به البلاد جعلاني اقرّر نقلهم هذا العام الى (المعارف)، رغم الامتيازات التي تتمتع بها والدتهم كمعلّمة في المدرسة نفسها، الا ان ايجار المنزل والضرائب والفواتير التي ندفعها شهرياً، تساهم وحدها في إنفاق الراتبين معاً”.

زيادة الاقساط مشروعة

يشير مصدر في وزارة التربية لـ “النهار” ان “مسألة زيادة اقساط المدارس الخاصة هي عمليّة محتّمة سنوياً يتحكّم في طيّاتها عاملان. الاول متعلّق بمسألة التدرج الذي ينعكس زيادة على رواتب الاساتذة سنوياً ابتداءً من 60 الف ليرة لبنانية. هذا اضافةً الى الزيادات الطارئة التي قد تقرّها الدولة في حال قرّرت منح درجات استثنائية للجميع”. ويعتبر ان “هذه الزيادات محقّة، قد يحدّ منها احياناً سياسات تقشفية تعتمدها المدرسة لعدم تحميل وزر الزيادات للطلاب. الا ان عملية اعتراض الاهالي على الاقساط تأتي عادةً لعدم رغبتهم في دفع المال رغم ان غالبية لجان الاهل يوقعون على الزيادات ويأتون ليسجلوا اعتراضهم في الوقت نفسه”. وعن المشكلات التي قد تسفر عنها المناوشات المستمرة بين الطرفين، يؤكّد المصدر أن ” وسائل الاعلام تؤدي دوراً بارزاً في تضخيم الامور، بيد ان اغلب المشاكل تنتج من عدم تحبيذ اللجوء الى المدارس الرسمية من قبل ذوي الدخل المحدود، فيأتون الينا للاعتراض وهم لا يمتلكون المال لتسجيل اولادهم في مدارس مرموقة، ورغم ذلك يريدون تعليم اولادهم فيها. هنا الحلّ يتم في غالب الأحيان من طريق المساعدات المتوافرة بشكلٍ كبير لكل من احتاج اليها، اما في حال كان للمشكلة ابعاد مختلفة ساهمت في تفاقمها يتم اللجوء الى المحاكم من دون التخلي عن حق الطفل في التعليم حيث يتم نقله الى القطاع الرسمي”.

التدرّج يزيد والطلاب الى تناقصوجهة نظر المدارس الخاصة تعبّر بدورها عن احقيّة الزيادة لاسبابٍ مشروعة وملحّة لضمان استمرارية المدرسة. فتؤكّد المديرة المساعدة لمدارس الليسيه في لبنان الاستاذة نجلا حولي ان “نسبة الزيادة على الاقساط المدرسية في مدارس الليسيه بلغت نحو 4% العام الماضي، وهي تختلف بين مدرسة واخرى بحسب المنطقة الجغرافية وعدد الطلاب المسجل سنوياً”. وتشير الى ان “السبب الرئيسي في #زيادة_الاقساط هو التدرج الوظيفي الذي يزيد رواتب الموظفين سنوياً في حين قد ينخفض عدد الطلاب المسجل، وهذا ما حصل خلال الاعوام العشرة الاخيرة حيث تراجع العدد نظراً إلى الظروف الامنية السيئة تحديداً، فالمدرسة تضم العديد من الاولاد الحاملين لجنسية فرنسية او اجنبية، اضافةً الى الاجانب الذين يتولون مهام رسمية في لبنان فيأتون وعائلاتهم. تفاقم الهواجس الامنية ادى بهؤلاء اما الى الهجرة بالنسبة إلى البنانيين منهم، واما الى قدوم البعثات الاجنبية دون عيلها مما ساهم في تراجع عدد الطلاب”. وتلفت الى ان “المدرسة تنظر في اوضاع العائلات المتأزم عبر صندوق خاص لمساعدة المحتاجين اضافةً الى امكانية التقسيط الشهري بحسب رغبتهم في الدفع مع احترام الشروط العامة”.

 اقبالٌ على الكتب المستعملةشراء الكتب واللوازم الدراسية هي احد وجوه الازمة ايضاً. يؤكّد محمد، مدير اداري في احدى المكتبات اللبنانية، “ان وتيرة الاقبال على شراء الكتب الجديدة قلّت بشكلٍ كبير حتى من قبل ذوي الدخل المرتفع الذين يسألون دائماً عن كتب مستعملة لاهم المدارس المرموقة، وغالبيتهم يعود ادراجه حين يعلم اننا لا نبيع سوى الكتب الجديدة. كما ان شراء القرطاسية محدود ويقتصر على الاشياء المطلوبة من المدرسة. ويشير إلى ان “اسئلة معيّنة تشكّل نوعاً من الهاجس لدى الاهل بخاصة في ما يتعلّق بارتفاع الاسعار، حتى ان طلب الكتب الجديدة لا يأتي كلائحة كاملة بل بشكلٍ انتقائي، وهذا ما يدل على ان الازمة تطال جميع الطبقات الاجتماعية، وحتى الميسورة منها”.

مؤسسات تجارية بحتة؟لنظرية احقية زيادة المدارس اقساطها نظرة ثانية مغايرة ترفض الذرائع المطروحة. فيتساءل الخبير الاقتصادي والاستراتيجي، البروفيسور جاسم عجاقة، عن الاسباب التي تدفع المدارس والجامعات الخاصة في لبنان الى زيادة اقساطها سنوياً، ويعتبر “ان تكاليف التعليم في لبنان تلخّص برواتب الاساتذة وكلفة النقل من والى المنزل، اضافةً الى كلفة وسائل التدفئة. اسعار برميل النفط انخفضت في السنوات الاخيرة لتصل الى 40 دولاراً للبرميل فلا تبرير محق في هذا المجال. اما من ناحية الرواتب، فسلسلة الرتب لم تدخل حيذ التنفيذ، لذلك لا ذريعة لديهم من هذا المفترق. الجسم التعليمي ايضاً لا يشهد زيادات في اعداد التوظيف بل هو مستقرّ. لذلك فإن زيادة الاقساط في السنتين الاخيرتين عملٌ جائر يلخّص بالرغبة في الربح المادي لا اكثر فهذه المؤسسات تحوّلت الى تجارية بحتة”.ويعتقد ان “المبرر الوحيد الذي قد يتقنّع به مديرو المدارس هو موضوع المفعول الرجعي للسلسة، فيعتبرون انهم يتحضرون من اليوم لدفع مستحقات واجور الاساتذة. لكن ما يطرح هنا، هو ان موضوع السلسلة مؤجل حتى اشعارٍ آخر، ما يعني ان التذرع بها غير منطقي، ولنفترض عدم اقرارها، مثلاً، ماذا تفعل المدارس حينذاك؟ هل تعيد المال الى الاهالي الذين بدورهم لم ينالوا زيادة في الاجور بل ينتظرون كغيرهم”.

 ازمة رواتب القطاع العاميلفت البروفيسور عجاقة الى ان “الاعتمادات التي اقرّتها الحكومة فيما يخص رواتب القطاع العام صالحة لغاية نهاية السنة الحالية. المصيبة هنا في حال تم شلّ وتعطيل الحكومة فكيف سينال موظفو القطاع العام اجورهم في هذه الحال بعد انقضاء هذه الفترة؟ وكيف سيدفعون الاقساط المدرسية، خصوصاً ان عملية الدفع غالباً ما تتم على 3 مراحل. المدارس اجمالاً تنتظر شهرين قبل ان ترسل الاولاد الى البيوت في حال التخلّف عن دفع المال. هذا يعني اننا على مشارف ازمة حقيقية تطال القطاع التربوي اللبناني”.يقال ان ايلول ضيفٌ ثقيلٌ على جيبة المواطن اللبناني. هذه السنة سيترك هذا الشهر اثراً خاصاً في النفوس. على شفير ازمة جديدة، سيستفيق اللبنانيون في غضون اسابيع. تتغنى المدارس بشعارات العودة في كل سنة. على امل ان يعود الاطفال الى مقاعد دراستهم دون خوفٍ يعتري مصيرهم التعليمي… علّ العود أحمدُ.

رابط النهار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.