موازنة 2012: مشروع لا يتماشى مع تحديات الوضع الراهن

0

 يمر لبنان بأزمة إقتصادية حادة وأزمة مالية عامة قد تقوده الى الإفلاس. وكما في كل دولة، يتوقع المواطن رداً مناسباً من السلطات المعنية لتخفيف وطأة الأزمة واعتماد سياسات إقتصادية، مالية ونقدية تسمح بتحفيز النمو الإقتصادي كما والسيطرة على خدمة الدين العام التي تسبب أزمات جمة في العالم الغربي. وبالنظر الى مشروع موازنة 2012، يُمكن للقارئ أن يُلاحظ غياب أي سياسة إقتصادية ومالية من هذا المشروع، لا بل هناك إستمرارية للسياسة الإقتصادية للحكومات السابقة مع وجود عامل سلبي إضافي ألا وهو الزيادة في حجم الدين العام.    ومن المعروف أن الموازنة هي عبارة عن بيان تقديري لنفقات وإيرادات الدولة تشمل فترة مستقبلية هي عادة السنة المُقبلة. وهذه الأداة الرئيسة لسياسة الحكومة المالية والإقتصادية والمنصوص عليها في البيان الوزاري، تحتاج في أغلب الدول الى موافقة السلطة التشريعية عليها قبل تنفيذها وهذه الموافقة تدخل في مجال الرقابة الطبيعية التي تمارسها السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية. مع تطور الإقتصاد بدأت الدولة بأخذ أدوار جديدة غير معروفة بالسابق في الإقتصادات الحرة. فبالإضافة الى دورها كمشرع، منظم للإقتصاد، وموزع للثروات عبر الضرائب، أصبحت الدولة تُنافس القطاع الخاص في بعض القطاعات الإنتاجية وبدأت الموازنة تأخذ حيزاً كبيراً في الإقتصاد. وبدأت ماليتها العامة تزن في الإقتصاد عبر نسبة الفائدة التي ترتفع مع تدهور المالية العامة والتي تتأثر كثيراً بالتصنيف الإئتماني الذي يؤثر بدوره على المؤسسات التي لا يُمكن أن يكون تصنيفها أعلى من تصنيف الدولة. وأصبح للمالية العامة دور في تحقيق الاستقرار الاقتصادي. وبالنظر الى الوضع من وجهة النظر هذه، نرى أن اليد الخفية لـ أدام سميث ليست موجودة لا بل على العكس أصبح هناك دور قيادي للدولة في الإقتصاد، وتموضعت الحكومات من حكومات تراقب الإقتصاد الى حكومات تلعب دور الوكيل الإقتصادي (Agent Economique)، وهذا ما لاحظناه في الولايات المُتحدة الأميركية التي أممت بعض المصارف وبعض الشركات. وهذا التدخل مُغاير لروح الليبرالية. ومن المعروف أن الحكومات تعتمد في تحضير الموازنة على طريقة من إثنتين: الطريقة الحسابية التقليدية (موازنة الإيرادات والإنفاق) والطريقة المالية المتطورة التي تقبل بعجز في الموازنة في حال كان هناك إستثمارات تهدف الى توازن مالي وإقتصادي. وفي حال لبنان، فإن منهجية وزارة المال في تحضير الموازنة يتبع الطريقة الحسابية. وقد قمنا بدراسة مشروع موازنة 2012 الذي من المفروض أن يكون ترجمة للبيان الوزاري. وهنا نرى أن الموازنة لا تعكس لا من قريب ولا بعيد البيان الوزاري ولا الخطوات الواجب إتخاذها في وجه التحدي الإقتصادي والمالي الحالي. وأولى الملاحظات التي تُدهش القارئ فعلاً هي أننا لا نعرف كيف يُمكن الإعتماد على موازنة 2011 وليس هناك قطع حساب لعام 2011، يستطيع من خلاله واضع مشروع الموازنة أن يضع موازنة 2012. وإذا ما إعتبرنا أن وزارة المال تملك معلومات عن إنفاق وإيرادات 2011 فإن هذه الملاحظة ليست الوحيدة التي تشوب مشروع موازنة 2012، لا بل على العكس يوجد هناك الكثير من الملاحظات. وفي التفاصيل، أخذنا الإنفاق العام والإيرادات وقمنا بتحليلها على الشكل الأتي (لم نضع كل التفاصيل في هذا المقال ولكننا اكتفينا بعينة): الإنفاق العام:أولاً: أول ملاحظة يُمكن قولها أن الإنفاق إستمر على وضعه بين مشروع موازنة 2011 ومشروع موازنة 2012 بحسب ما يُظهره الرسم (مصدر الأرقام: الموقع الإلكتروني لوزارة المال). ومن هنا السؤال: ما هي الخطوات التقشفية التي أخدتها الحكومة للجم التدهور في المالية العامة؟ والجواب للأسف، لا يوجد. – ثانياً: إن مشروع موازنة 2012 لا يتضمن العجز الحقيقي للموازنة. فالمشروع يعترف بعجز قدره 5569 مليار ليرة لبنانية (أي ما يوازي 3,7 مليار دولار أميركي). والحقيقة أن العجز الأكيد يبلغ 6 مليار دولار. وهذا العجز لا يتضمن العجز الذي قد ينتج عن سوء تقدير للإيرادات. وبالرجوع الى عجز الـ 6 مليار فإن الحساب بسيط: 1500 مليار ليرة ناتجة عن شركة كهرباء لبنان، 6000 مليار ليرة ناتجة عن خدمة الدين العام، و2000 مليار ناتجة عن تمويل سلسلة الرتب والرواتب (بحسب وزير المال محمد الصفدي). مما يُعطي مجموعاً قدره 9500 مليار ليرة (أي ما يوازي 6,3 مليار دولار أميركي). – ثالثاً: إن مشروع موازنة 2012 لا يتضمن إستثمارات إقتصادية في القطاعات الإنتاجية، وهذا النقص سيجعل الإقتصاد في حالة رجوع الى الوراء لما لعامل الإستثمار من دور في الإنتاجية ولما للدولة من دور تلعبه على هذا الصعيد. على صعيد الواردات:أولى المفاجأت تظهر مع التوقعات الماكرو- إقتصادية التي وبحسب المشروع كالأتي: الناتج المحلي المتوقع 64120 مليار ليرة؛ معدل النمو الحقيقي 3%؛ نسبة التضخم 4%. وهذه الأرقام هي أرقام بعيدة عن الواقع، فكيف يُعقل إفتراض نمو 3% مع العلم أن هذا النمو لا يتخطى الـ 1% حتى شهر أيلول 2012؟ وكيف يُعقل إفتراض التضخم 4% مع العلم أن التضخم بحسب حساباتنا يفوق الـ 10% حتى شهر أيلول 2012؟ وأين حساب التضخم إذا ما دُفعت سلسلة الرتب والرواتب؟ بالأحرى يجب تسمية هذه الموازنة، موازنة التضخم! ثم يُطلعنا مشروع موازنة 2012 على الإيرادات والتي حُسبت على أساس موازنة 2011؛ كما وحساب الإيرادات من الإجراءات الضربية المُقترحة. لكن يغيب عن بال واضع الموازنة، وجود مفهوم في الإقتصاد يُسمى المرونة (Elasticité) والذي ينص على أن الإستهلاك يخف مع إرتفاع الأسعار. فكيف مع تضخم برقميين يُكمن للمستهلك الإستمرار على نفس وتيرة الإستهلاك؟ ويُلاحظ من مشروع موازنة 2012 غياب الضرائب على الأملاك البحرية مما يحرم خزينة الدولة ما يُعادل مدخول الضريبة على القيمة المُضافة. كما يُلاحظ غياب الضرائب على الشقق الشاغرة والتي قد تدر على خزينة الدولة، بحسب الحسابات التي قمنا بها، ما يُعادل مليار دولار أميركي في السنة. إن حساب الإيرادات هو حساب بعيد جداً عن الواقع. وبحسب إعتقادنا فإن العجز الحقيقي سيتخطى بكثير ما ينص عليه مشروع موازنة 2012. ويبقى السؤال: أليس من المُجدي أن يتم عمل قطع الحساب للعام 2011 والسنين السابقة لمعرفة عجز الدولة وبالتالي ديننا العام. مع وصول الوضع الإقتصادي والمالي الى ما وصلت اليه ومع فشل القوى السياسية بوضع خطة إقتصادية تتناسب مع الوضع الحالي، يُمكن القول أن لبنان دخل مرحلة حرجة جداً قد تنتهي بشكل مأساوي. أما فيما ما يخص الإعتماد على قطاع النفط لإنتشال لبنان من أزمته، فإننا نُذكر القوى السياسية أن إستخراج النفط لن يكون قبل 8 سنوات على الإقل. وعلى هذه الوتيرة فإن ديننا العام قد يتخطى الـ 100 مليار دولار حتى ذلك الحين. www.lebanonfiles.com/news/467416 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.