أنتروبيا التشرذم: حالة دول العالم

0

 

يبلغ عدد دول العالم اليوم 200 دولة بارتفاع أربعة أضعاف عما كانت عليه عند نهاية الحرب العالمية الثانية. ويرجع السبب الأساس إلى تفكك الدول إن بسبب الحروب أو بسبب تفكك الأنظمة السياسية. وسنحاول في هذا المقال تطبيق نظرية “الأنتروبيا التشرذمية” (Entropy) المُستخدمة في الفيزياء على الأنظمة السياسية، بهدف إثبات أن عدد الدول في العالم سيزداد في العقود القادمة.   

 

ما هي الأنتروبيا؟أدخل العالم الفيزيائي رودولف كلوسيوس مصطلح “الأنتروبيا” في العام 1865 في أعماله التي تخص الديناميكية الحرارية. وهذا المصطلح المُشتق من كلمة يونانية تعني “التحول”، ما هو إلا عبارة عن مقياس الفوضى في نظام معين. وتنص نظرية كلوسيوس أن توازن نظام ديناميكي حراري معين يتحقق إذا ما بلغت أنتروبيا النظام، القيمة القصوى بالتناغم مع القيود المفروضة. وبما أن عدد التنظيمات الفوضوية لنظام معين هي أكثر بكثير من عدد التظيمات المنظمة، نستنتج أن النظام سيتطور نحو الفوضى. وكتطبيق لهذه النظرية على الكون، تقول نظرية الديناميكية الحرارية أن الكون في حال توسع منذ نشأته (Big Bang) وسيستمر في التمدد قبل أن يعود ويتقلص إلى الحالة التي كان فيها عند نشأته. 

 

الخلاف السياسي يُؤدي إلى التشرذم…يستند وجود الدولة على ثلاثة عناصر أساسية معترف بها دولياً: حدود إقليمية، سكان يُقيمون في هذه الحدود، وحكومة و/أو إدارة تُمارس سلطة على هذه الحدود. وُتعتبر الدولة ذات سيادة إذا ما كانت مستقلة ومعترف بها من قبل الدول الأخرى. وهذا التنظيم ما هو إلا شكل من أشكال التوزيع البشري.وتتواكب نشأة الدولة مع نشأة أنظمة سياسية تتراوح بين الأنظمة الملكية، الجمهورية، الطائفية، الدكتاتورية… وتضارب مصالح هذه الأنظمة يُؤدي بدون أيّ شك إلى خلافات سياسيّة بين مكونات هذه الدولة (أو الدول) قد تؤدي إلى حروب ضارية كما يُخبرنا التاريخ وكما نشهد حالياً. وأثبت التاريخ أن هذه الحروب تُؤدي إلى تفكك الدول في معظم الأحيان. وهذا ما حصل مع انهيار الامبراطوريات الاستعمارية الأوروبية في أفريقيا وآسيا، وتفكك الإتحاد السوفياتي في العام 1991. والإحصاءات تُؤكد وجود 200 دولة ذات سيادة و25 منطقة تحت الوصاية (غرينلاند، وجزر البهاماس …). ومن هنا نستنتج أن هناك حالة من التشرذم تُؤدي إلى خلق عدد كبير من الدول التي تتراوح مساحتها بين الصغيرة كالفاتيكان الذي تبلغ مساحته 0.44 كيلومتر مربع، إلى دول بمساحة هائلة كروسيا التي تبلغ مساحتها 17 مليون كيلومتر مربع. وبحسب مبدأ الأنتروبيا، فإن عدد هذه الدول سيرتفع أكثر، ونعتقد أننا في ثلثي المنحنى الصعودي أي أن عدد الدول المرشحة للظهور سيزداد مع الوقت. ومما يعزز هذه الفكرة، انتشار الفوضى في مناطق كثيرة في العالم كمقاطعة الباسك (فرنسا-إسبانيا)، جنوب السودان، جنوب الفليبين، ليبيا، الصحراء الغربية… وغيرها.والجدير بالذكر أن الأنظمة العالمية لا تتطور بشكل متناغم، إذ نرى أن بعض الأنظمة تُحاول التجمع (الإتحاد الأوروبي…) وبعضها الآخر يتجه إلى التفكك (ليبيا…). آلية التشرذم السياسي…

 

بعقله الباطني، يُحبّ الأنسان التميز. والصفات بحد ذاتها هي مقياس للتميّز، لذا اخترع الإنسان صفات تُميّزه عن غيره (طويل، قصير، جميل، بشع، مؤمن، غير مؤمن…). وتتمحور الأراء السياسية حول تحسين الصفات التي تجعل الإنسان يتميز عن غيره، فمثلاً مشروع إقتصادي معين يسمح بتغير صفة البلد من بلد أقل غنى إلى بلد أكثر غنى. من هنا نجد أن إختلاف الرأي حول موضوع معين يدفع إلى تشرذم يتمثل بإصطفافات سياسية تظهر بعدد الأحزاب السياسية. ويزيد عدد الأحزاب مع زيادة نسبة الجهل. وقد يعتقد القارئ أننا في صدد قول أن الأنظمة الديكتاتورية تعكس معرفة قوية، إلا أن الحقيقة ليست كذلك، فمبدأ الديموقراطية يفرض وجود خيارات للإنسان. من هنا نرى أن في معظم الدول المتطورة هناك توافق على مبادئ فكرية عامة تُؤدي إلى إنشاء أحزاب كبيرة (3 إلى 5 أحزاب) ويستطيع الإنسان التميّز ضمن إطار هذه الأحزاب. 

 

نظرية الفوضى الخلاقة…هذه النظرية هي تكيّف لفكر الفيلسوف ليو شتراوس (1899- 1973)، الذي اقترح تقسيم الناس إلى “عامة الشعب” (عددهم كثير) و”الحكماء” (عددهم قليل). ومهمة الحكماء هي الحفاظ على النظام، والذين للوصول إلى هدفهم، يستخدمون “الأكاذيب النبيلة”. والحفاظ على النظام أساس في عالمنا لأنه وبدون قيود تنحرف “عامة الشعب” إلى الفوضى وفق النزعة الفرديّة والليبراليّة. وهناك أسطورة اخترعها الحكماء وتُستخدم للسيطرة على الناس، الا وهي “الحرب الدائمة”. تسمح هذه الاسطورة بالسيطرة على “عامة الشعب” للحفاظ على مصلحته. والحرب الدائمة تفرض وجود عدوّ بشكلٍ مستمرّ ممّا يعني أنّ القضاء على عدوّ يتوجّب خلق عدو آخر مكانه لتستمرّ الأسطورة. تمّ تبنّي هذه النظرية من قبل المحافظين الأميركيّين (Neo-Conservators) الذين يعتبرون أنّ السلطة لا تُمارس بالجمود. لذا تعتمد السياسة الخارجية الأمريكية في صياغتها، بشكل كبيرعلى ألافكار الرئيسية والمذاهب الفلسفية. وكل تدخلات الولايات المتحدة في العالم هي تدخلات ناضجة فكرياً وتطبيق هذه النظريات والأفكار هو الأساس العلماني للسياسة الخارجية بغض النظر عن الاتجاه السياسي والعقائدي للرئيس. وهذا ما يُبرّر وجود إدارة أميركيّة تسمح باستمراريّة الخطط الاستراتيجيّة الموضوعة. 

 

التشرذم ضرب لبنان…بناءً على ما تقدّم، نرى أنّ عوارض التشرذم بدأت تضرب لبنان. وعلى الرغم من وجود قطبين كبيرين، نرى أنّ ما يؤلف كلّ قطب من هذين القطبين هو رفض وضعيّة معيّنة لدى القطب الأخر. وكنا نتمنا وجود رؤية موحدة عن لبنان الذي نريده تسمح بتخطي التمايز الحالي والناتج عن الأزمة السورية، لكن عدم وجود هذه الرؤية يُلقي بظلاله على لبنان وعلى إمكانية حصول تفكك كما حصل في دول أخرى. وأول مقومات الدولة التي تبدأ بالتشرذم نتيجة الفوضى هي الإقتصاد والمالية العامة. وإذا ما أخذنا حالة لبنان نرى أن إقتصاده قد دُكّت هياكله وماليته العامة دخلت مرحلة الفوضى العشوائية. وهذا ما خلق التبعية الإقتصادية التي تمثلت بخلق إقتصادات مذهبية تتمثل بشركات مذهبية، تمويل مذهبي وتوظيف مذهبي. وكل ما هو مشترك بدأ بالإنهيار (حالة المالية العامة) وأصبحت القوى الخارجيّة تُموّل هذه الاقتصادات المذهبيّة وكأنّها تُبارك تفكك المجتمع اللبناني. ونسمع حاليّاً تهديدات من قبل الهيئات الاقتصاديّة، تنصّ على التوقف عن دفع الضريبة على القيمة المضافة التي تُشكل حجر أساس في الماليّة العامة. وهذا إذا ما حصل يدخل في خانة المشاركة في تفكّك الدولة، فهل الهيئات الاقتصاديّة متواطئة على الدولة؟ لا نعتقد ذلك، بل نظن أنّ أحد الفلاسفة تقدّم بهذا الاقتراح بهدف الظهور الإعلامي لا أكثر ولا أقل، ونطلب من الهيئات الاقتصاديّة تحمل مسؤوليّاتها الوطنيّة عبر عدم المشاركة بتفكيك الدولة تحت غطاء المطالبة بالدولة. www.lebanonfiles.com/news/601338 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.