أضرار التمديد على الاقتصاد اللبناني

0

قام مجلس النواب بالتمديد لنفسه في جلسة تُعتبر قياسية من ناحية قصر مدتها، إذ دامت عشر دقائق وأتُخذ فيها أهم قرار مناهض للديموقراطية. ولكن الملاحظ، وبغض النظر عن الشق السياسي، أن هذا التمديد لم ترافقه أي دراسة عن النتائج المترتبة على الاقتصاد اللبناني. فما هي التحديات الإقتصادية الجديدة التي فرضها هذا التمديد؟ وهل من حل في ظل هذه الظروف؟

 

 

 

يُعَرَّفْ البلد كبلد ديموقراطي إذا ما كان هناك مجلس نواب منتخب من الشعب، وحكومة تخضع للمراقبة من قبل هذا المجلس، ونظام قضائي يُمكنه محاسبة أعضاء المجلس والحكومة وأخيراً نظام إعلامي حر أو ما يُسمّى بالسلطة الرابعة. هذا كلّه موجود في لبنان (أقله على الورق)، إذاً أين المشكلة؟ تكمن المشكلة في الإقطاعيّة السياسيّة التي، على مرّ عمر الدولة اللبنانية، أدت الى الوصول الى هذه الحالة السياسية الهشة والحالة الإقتصادية المزرية. وللأسف تاريخ لبنان يقول لنا إن كل المشاكل السياسية لا تُحل إلا عبر الشارع وعلى حساب خزينة الدولة. والملفات الأخيرة أكبر شاهد على ذلك. لا تعيش هذه الإقطاعية في ظل نظام ديموقراطي إلا عبر التجييش المذهبي، والفساد لجعل المواطن رهينة أهل السياسة، ما خلق حالة عدم استقرار أمني بهدف جمع المواطنين تحت جناح الزعماء، ومزج الشأن العام بالمصالح الشخصية. والأصعب في كل ما ذكر يبقى الفساد الذي أصبح ثقافة يُفتخر بها وتسمّى في لبنان “شطارة”. ولمنع المحاسبة تم تسييس القضاء وديوان المحاسبة ومجلس شورى الدولة… ولاختصار الوضع الإقتصادي القاتم في لبنان، يُمكن القول أنه لم يعد من مقومات لهذا الإقتصاد. ونظراً الى خطورة الوضع الإقتصادي، كان يتوجب على الدولة اللبنانية القيام بعدد من الخطوات بهدف تخفيف حدة الأزمة. لكن التركيبة السياسية اللبنانية تقف عقبة رئيسة أمام هذه الخطوات، ونجد أن المسؤولين السياسيين في لبنان يصرفون وقتهم بالجدالات السياسية العقيمة التي تلعب دوراً أساسياً في الفلتان الأمني في لبنان. ويأتي الانقسام المذهبي ليؤجج الوضع عبر المواجهات الأمنية التي تعصف بالمكونات الطائفية للبنان. ولعب النظام السياسي في لبنان دوراً سلبياً في تدارك الوضع الإقتصادي من قبل المعنيين في الدولة الى حد منعهم من التعامل مع الوضع بمسؤولية وطنية تغلب فيها مصلحة الوطن على المصالح الشخصية. من هذا المنظار، نجد أن الطبقة السياسية فشلت وتحمل مسؤولية الأزمة الإقتصادية التي يتخبط فيها لبنان حيث يكتفي المسؤولون اللبنانيون بتصريحات إعلامية لا تُصرف في الإقتصاد. وأدى الأداء السياسي اللبناني خلال السنين الماضية الى خلق دويلات طائفية داخل المجتمع اللبناني نتج عنها انقسام حاد على جميع الأصعدة. ودخلت المحسوبيات السياسية في صميم القطاع الخاص حيث نجد شركات محسوبة بالكامل على فرقاء سياسيين تخدم مصالحهم. أدت هذه المحسوبيات الى ارتباط أداء الشركات التجاري بشكل مباشر بالوضع السياسي والأمني. ويعتقد الكثيرون من الذين يُطالبون بإلغاء الطائفية بأنها السبب الأساس، والحقيقة هي أن سبب هذا الوضع هي هذه الإقطاعية التي لن تسمح باستقرار سياسي وأمني، أساس النهوض الإقتصادي. 

 

الأمن الاقتصادي معدومإن علاقة الإقتصاد الحر بالسياسة والأمن هي علاقة وطيدة تنبع من مبدأ أن لا إقتصاد بدون أمن ولا أمن بدون سياسة حكيمة تعفي لبنان من فقدان الأمن. لذا يُشكل الثلاثي: سياسة، أمن، واقتصاد وحدة متكاملة في الدول المتحضرة. وهذه العلاقة الوطيدة خلقت مفهوماً جديداً في العالم اسمه “الأمن الاقتصادي” الذي ينطوي على عدة أبعاد هي: ضمانة الدخل، الحقوق الفردية والجماعية، أمان سوق العمل، ضمانة العمالة، محتوى العمل، ظروف العمل، والإبقاء على مستوى عالٍ من المعرفة. هذه الأبعاد تُحدد مدى تأثر الأمن الإقتصادي بالظروف السياسية، الإقتصادية والمعرفية. ‌والقوة العسكرية للدولة تلعب دوراً أساسياً من ناحية المحافظة على ما حققه البعد الإقتصادي للأمن القومي، إن داخلياً حيث تؤمن القوة العسكرية الأهداف الإقتصادية المهمة والحيوية وخارجياً حيث تدفع العدو الى العدول عن مأربه بوضع اليد على بعض المناطق الإستراتيجية التي تُمثل مصالح الدولة الإقتصادية. فأين لبنان من كل هذا؟ 

 

عواقب التمديد على الاقتصادأولاً: أول عواقب التمديد لمجلس النواب هو فقدان الأسواق المالية الثقة بالدولة اللبنانية. ففي الإقتصادات الحرة، يُعتبر تداول السلطة أساس الديموقراطية التي تُحافظ على قدسية الملكية أساس الإقتصاد الحر. فليس من مانع لمجلس نواب مدد لنفسه أن يعمد إلى تأميم ملكية خاصة. وهذا سيُترجم بعدم الإستثمار في لبنان والعزوف عن شراء سندات خزينة لبنانية وكلاهما سيء للاقتصاد والمالية العامة. ثانياً: من عواقب التمديد عدم الحصول على شرعية كافية للحكومة القادمة لوضع وتنفيذ خطة إقتصادية تُنقذ لبنان من مهب الإعصار الذي يضربه. فكل خطة ستواجه برفض مبني على ارتهان سياسي خارجي وفق لون الحكومة وسنعيش انقسامات داخل الحكومة تُؤدي إلى تعطيل الحياة الإقتصادية. ثالثاً: لا نعرف مدى قدرة المجلس النيابي المُمدد له على مواكبة ملف النفط اللبناني إن من ناحية التنقيب أو إقرار توزيع المداخيل على القطاعات. فهذا المجلس سيحسم خياراته الإقتصادية بناءً على التزاماته السياسية بأحزابه والتي قد لا تعكس بالضرورة تطلعات المناصرين نظراً لـتأثير الأزمة السورية على خيارات الشعب اللبناني. رابعاً: تدهور تصنيف لبنان في كل المؤشرات العالمية (التطور الإنساني، الديموقراطية، التصنيف الإئتماني…) وكل هذا له عواقب على الوضع المالي والإقتصادي لأن اقتصادنا هو اقتصاد مفتوح على العالم الخارجي. خامساً: إن قبول المجلس الدستوري الطعن في التمديد، ستكون له عواقب جسيمة على الاقتصاد لأن الطائف وكل قرارات مجلس النواب التي تلته ستصبح غير شرعية ويُمكن الطعن بها بما في ذلك الالتزامات المالية والمعاهدات الثنائية… 

 

ما هو الحل في هذه الحالة؟قبل كل شيء يجب على المجلس إقرار قانون انتخابي جديد بأسرع وقت والدعوة إلى إنتخابات في شهر تشرين الثاني بأقصى حد تفادياً لفقدان لبنان مكانته بين الدول الديموقراطية. وباعتقادنا، لا سبيل لإيجاد حل للأزمة اللبنانية إلا بالحوار بين مكونات المجتمع اللبناني حيت أثبت التاريخ أن لغة السلاح لم تحل أي أزمة في لبنان بل على العكس أزّمت الوضع وزادت الإنقسمات. وهذا الحوار يجب أن يتم على أربعة أصعدة:

  • حوار بين الطوائف على موقع لبنان السياسي والإقتصادي في الشرق الأوسط وفي العالم،
  • حوار بين التكتلات السياسية تسمح بأخذ الإجراءات المناسبة لتدارك الوضع السياسي والأمني،
  • حوار بين التكتلات السياسية تسمح بتحييد الاقتصاد عن التجاذبات السياسية،
  • حوار بين أرباب العمل والطبقة العاملة والدولة بهدف التضامن للنهوض بالاقتصاد اللبناني.

 ولا يعتقد أحد أنّ وضع خطة اقتصادية هو بأمر مستحيل فهناك عشرات الحلول التي تسمح بالنهوض بالاقتصاد اللبناني والأمر متوقف على أداء أصحاب القرار. www.lebanonfiles.com/news/554385  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.