التنمية الاقتصادية والنظام السياسي

0

في تصريح صحافي، قال أحد خبراء البنك الفرنسي BNP-Paribas إن “غياب سلطة قوية تملك إستراتيجية إصلاحية على الأمد الطويل يُفسّر إلى حد كبير المشاكل التي تعترض المشاكل الإقتصادية للبلد المعني”. ليس بالسهل أن نكون مع أو ضد هذا التصريح، لكن بنهاية هذا المقال، سيكون للقارئ الكريم حتماً رأي بخصوص هذا الموضوع.

 

 

 

الوضع الاقتصادي كسبب لعدم ثبات الأنظمة…ليس بالجديد القول إن الفقر هو أحد أسباب التطرف وباب للإرتهانات الإقليمية والدولية. فالثورة الإوكرانية التي عُرفت بالثورة البرتقالية مُوّلت بشكل رئيس من الخارج، كما أن الثورات العربية كان تمويلها يأتي من بعض الدول الإقليمية. والمدخل الرئيس لهذا التمويل كان الفقر الذي يؤدي إلى ثورة يُصبح معها الثوار أغنى مما كانوا عليه قبل الثروة. وللتأكد من هذا الواقع يكفي النظر إلى الإقتصادات المُتطورة كالسويد، وفنلندا، وكندا، وأستراليا وغيرها من الدول التي تشهد تطوراً إقتصادياً كبيراً وتوزيعاً متوازياً للثروة الوطنية، لنستخلص أن هذه الدول تشهد ثباتاً سياسياً كبيراً. فعمر الحكومة في هذه الدول ناتج قبل كل شيء عن خيارات المواطنين الإقتصادية (أو نتيجة فضيحة الذي هو حدث نادر). وفي الدول الأفريقية التي تنام على ثروات هائلة من النفط، الماس، والمواد الأولية، تعيش هذه الدول حالات حرب متواصلة نتيجة الفقر والمرض الذي يضرب شعوبها. وتُغذي هذه الحروب عدة عوامل كالتمييز العنصري والعرقي والدين (بوكو حرام…) وغيرها من العوامل التي يلتجئ إليها الثوار الذين يبدأون ثورتهم عن حق ولكن غالباً تتحول إلى مذابح جماعية. أما في الدول العربية، فتنتقل الحرب بين الدول التي يُعاني شعبها الحرمان (أقله القسم الكبير منه) كسوريا وليبيا واليمن والعراق وُيستخدم العامل المذهبي (سوريا والعراق) و/أو العشائري (ليبيا واليمن) لتشريع الحرب على أساس أن الدين والدم هما أهم الإلتزامات في حياة الإنسان. 

 

النظام السياسي كسبب للتخلف الإقتصادي…أحد الأقاويل الشهرية التي تصف دور النظام السياسي في التخلف الإقتصادي، القول بأنه “يكفي تجويع الشعب لإلهائه عن السياسة والحصول على نظام ثابت”. وهذا القول صحّ في الأنظمة العربية العسكرية وفي لبنان في الإقطاعية السياسية. ويكفي النظر إلى غياب الإصلاحات في الإقتصاد اللبناني وإقتصادات دول الربيع العربي لجزم دور النظام السياسي السلبي في التخلف الإقتصادي. فالإصلاحات الإقتصادية والسياسية والقضائية التي يجب المضي فيها في لبنان، تتعثر بسبب الحسابات السياسية، المذهبية والمناطقية. وفي سوريا أدّى الإهمال بالريف السوري إلى إحداث ثورة بدأت منذ ثلاثة أعوام وما زالت تعصف بسوريا حتى الأن. وتُشير بعض الأبحاث (Rostow 1963, 1975) إلى أن وجود حكومة منتخبة – بواسطة البرلمان – هو عنصر إيجابي على الإقتصاد وتم رصد تطور إقتصادي ملحوظ في البلدان التي تعتمد هذا النظام القائم على المحاسبة كاليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول النامية كالبرازيل. وفيما يخص وجود علاقة بين طبيعة النظام السياسي والتطور الإقتصادي، لم تستطع الدراسات تأكيد أن الديموقراطية قد تُشكل كلفة على الإقتصاد أو أنها عامل تطور. وفيما يخص ثبات النظام الحاكم، فهذه الدراسات ترسم صورة واضحة من دون أن تستطيع تعميمها على كل الأنظمة الموجودة. صعوبة تحديد العلاقة السببية…

 

لم يتفق الباحثون على تحليل التفاعلات بين طبيعة النظام السياسي والاستقرار والتنمية الاقتصادية، وهذا يؤدي إلى نتائج غالباً ما تكون متناقضة فيما يخص وجود علاقة بين الطرفين وإتجاه العلاقة السببية. وهذه التناقضات ترمي حجراً في طريق إختيار النظام السياسي الواجب إتباعه لضمان تنمية إقتصادية حقيقية. ويصطدم الباحثون بعقبة كبيرة في أبحاثهم، ألا وهي مشكلة الخصائص الذاتية المشتركة للعوامل السياسية والإقتصادية. وتطرح هذه المشكلة عدة أسئلة من الصعب جداً الجزم بها لأن الجواب يكون وجهة نظر:– هل طبيعة النظام الحاكم هي من يُحدد مستوى الأداء الإقتصادي أم العكس؟– هل الثبات السياسي له تأثير على مستوى الأداء الإقتصادي أم أن النمو الإقتصادي هو من يُحدد الثبات السياسي؟ بغض النظر عن الجواب، يجب على النظام السياسي القائم – مهما كانت طبيعته – أن يعمد إلى وضع الشق الإقتصادي في أولوياته وأن يكون برنامج كل حكومة هو برنامج إقتصادي بالدرجة الأولى. وفي لبنان، يتوجب على حكومة المصلحة الوطنية أن تُسرع في إجراء إصلاحات وذلك مهما كانت الظروف، لأن في ذلك ضمانة للإقتصاد اللبناني ولإستمرارية النظام السياسي الذي يعيش حالياً بدون رأسه. وعلى هذا الصعيد، لا يُمكننا إلا أن نُشدد على أهمية إنتخاب رئيس للجمهورية لأن الفراغ الحاصل حالياً أوقف عمل المؤسسات الدستورية في لبنان من مجلس وزراء ومجلس نواب ويُنذر بمشاكل أمنية مع الغليان الحاصل في المنطقة. www.lebanonfiles.com/news/731886 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.