رضخت سويسرا والآن دور لبنان

0

من كان يتخيل أن ترضخ سويسرا للضغوطات الأميركية وتكسر سريّتها المصرفية؟ هل أتى دور لبنان؟

 

 الحاجة لإلغاء السرية المصرفية…إن الحاجة لإلغاء السرية المصرفية في العالم أتت في الأساس من مبدأ مكافحة تبييض الأموال. وهذا الأخير يمر عبر تفعيل الرقابة على العمليات المصرفية والتي تُعتبر الوسيلة الأولى لتبييض الأموال. لكن الرقابة على العمليات المصرفية تصطدم بالسرية المصرفية التي تُعيق عمليات الرقابة الدولية. والولايات المُتحدة الأميركية، المتضرر الأول في العالم من السرية المصرفية، وضعت ثقلها الاقتصادي لكسر هذه السرية في أكوارها. وتضرّر الولايات المُتحدة الأميركية بالدرجة الأولى وباقي الدول في الدرجة الثانية يأتي من حاجتها لمكافحة ثلاثة أنواع من العمليات تتعارض مع مبادئ أخلاقية مُتفق عليها في المحافل الدولية: أولاً، مكافحة تبييض الأموال: وهي قضية أخلاقية قبل كلّ شيء، لأنّ مصدر الأموال مبني على أعمال مُصنّفة إجرامية وفق الأمم المُتحدة (تجارة المخدرات، التجارة بالسلاح، الدعارة، المُتاجرة بالبشر…). وحجم تبييض الأموال في العالم يبلغ 4 تريليون دولار أميركي منها 2 تريليون دولار أميركي في الولايات المُتحدة الأميركية وحدها. ثانياً، مكافحة تمويل الإرهاب: أثبتت أحداث أيلول 2001 أنّ الإرهابيين الذين نفذوا عملية الانتحار، استفادوا من دعم مالي هائل. وهذا الدعم المالي لم يمرّ عبر الحدود بل بواسطة النظام المصرفي. مما دفع الأميركيين إلى وضع قانون باتريوت الذي يهدف الى مكافحة تمويل الإرهاب عبر زيادة الرقابة على القطاع المصرفي العالمي. والأحداث الإرهابية التي تلت أحداث أيلول 2001 كانفجارات مدريد وغيرها، دعّمت موقف الولايات المُتحدة الأميركية وعزّزت الإجراءات والقوانين العالميّة لمكافحة تمويل الإرهاب. ثالثاً، محاربة التهرب الضريبي: إنّ الأزمة الماليّة التي اجتاحت العالم في العام 2008 وتبعتها أزمة إقتصادية، أدّت إلى ضخّ أموال هائلة في الأنظمة الاقتصادية ممّا دفع المصارف المركزية إلى اللجوء إلى طبع الأموال بهدف إنقاذ النظام المصرفي كما ودعم الاقتصاد الذي يعجز حتى الساعة عن النهوض. والأموال التي ضخها الاحتياطي الأميركي والتي بلغت أرقاماً وهميّة تجاوزت الـ 16 تريليون دولار أميركي، أجّجت شهية السلطات الأميركية لتعبئة خزينتها. وما كان أمامها إلا ملاحقة التهرب الضريبي والذي يُقدر اليوم بما بين 21 و32 تريليون دولار أميركي والتي قد تدرّ ضرائب تُقدّر بما بين 200 و300 مليار دولار أميركي وفق جمعية Tax Justice Network. 

 

السرية المصرفية في سويسرا…تميّزت سويسرا على مرّ السنين بسريتها المصرفية التي كان يُضرب بها المثال من حيث استحالة خرقها. وعلى مرّ عشرات السنين، قام القطاع المصرفي السويسري بتلقي الأموال من العالم بأسره. لكن هذه الضيافة السويسرية بدأت بالتراجع إلى الوراء مع الضغط الهائل الذي تعرّضت له سويسرا من قبل السلطات الأميركية والأوروبية. ورضخت سويسرا بعد أعوام من الضغوط، وقامت بالردّ إيجابياً على طلبات إدارات أجنبية (أميركية خصوصاً) بشأن مواطنين أجانب يتهربون من الضرائب ويُودعون أموالهم في المصارف السويسرية. ومن الأسباب التي دفعتها الى الرضوخ والردّ إيجابياً على هذه الطلبات، الغرامة التي فرضتها وزارة الخزينة الأميركية على مصرف UBS، أكبر مصرف سويسري والتي بلغت 810 مليون دولار أميركي. وهذه الغرامة أتت على خلفيّة الاتهام الأميركي للمصرف السويسري بإغراء ألآف المواطنين الأميركيين بالتهرب من دفع الضرائب عبر إيداع أموالهم في المصرف. ووفق مصرف UBS، فإنّ المصرف ينوي عدم استقبال إيداعات غير مصرّح عنها اعتباراً من نهاية العام 2014 حفاظاً على المصرف وعلى صورة القطاع المصرفي السويسري في العالم. ومصداقية هذه المصارف بدأت بالظهور إلى العلن عبر حجم تحويل الأموال التي بدأت بالخروج من سويسرا. واللافت في الموضوع، هو قبول سويسرا بالتصريح التلقائي عن جميع المواطنين الأميركيين الذي يمتلكون حسابات في مصارف سويسرية. وهذا ما دفع الأوروبيين ودول الـ OECD بالطلب من سويسرا التصريح أيضاً لهذه الدول عن مواطنيها. 

 

السرية المصرفية في لبنان…إذا كان القانون في لبنان يُشرّع السرية المصرفية ويحميها، إلا أنّ القوانين العالمية تُحاربها من ناحية أن القطاع المصرفي قد يُستخدم من قبل بعض الأشخاص أو المُؤسسات في عمليات تبييض الأموال، تمويل الإرهاب و/أو التهرب الضريبي. لذا يطلب المجتمع الدولي اليوم من لبنان أن يحذو حذو سويسرا تحت طائلة العقوبات على قطاعه المصرفي وهذا إذا ما حدث، أي العقوبات، سيشكل كارثة على لبنان واقتصاده. لذا لا يُوجد أيّ خيار أمام المصارف اللبنانيّة إلا التقيّد بالقوانين الدولية على حساب القوانين اللبنانية. ولكن هل المصارف اللبنانية، تشترك بتبييض الأموال، تمويل الإرهاب أو التهرب الضريبي؟ الجواب هو لا والسبب يعود (بغض النظر عن البعد الأخلاقي) إلى أنّ المصرف الذي سيقوم بهكذا أفعال يحكم على نفسه بالانقراض. إذاً، لماذا تُمعن الولايات المُتحدة الأميركية بالضغط على المصارف اللبنانية؟ الجواب يأتي من طبيعة الاقتصاد اللبناني، فتشابك الاقتصاد اللبناني مع اقتصادات دول المنطقة وتشابك النظام المصرفي اللبناني مع نظرائه الغربيين وخصوصاً الأميركيين، يجعل منه نقطة ضعف قد يستغلها بعض الأشخاص أو المؤسسات بهدف تنفيذ مأربهم. 

 

سريّة مصرفيّة استنسابيّة…إن حاكم مصرف لبنان الذي سعى إلى حلّ قضية البنك اللبناني-الكندي، فهم التحديات التي تعترض السرية المصرفية. ووفق رأينا، فإنّ المفاوضات التي تجري بين مصرف لبنان والخزينة الأميركيّة تدور حول نوع الرقابة التي ستُمارس على القطاع المصرفي اللبناني من قبل الأميركيين كما ونوع المعلومات التي قد تُطلب عن العملاء. وإذا كان حاكم مصرف لبنان يحاول عدم تسليم معلومات تلقائيّة قد تضرّ بالسرية المصرفية للأميركيّين أو غيرهم من الدول الغربيّة، إلا أنّ السؤال يدور حول النوايا الغربيّة عن نوع المعلومات المطلوبة عن العملاء. وهذا ما سيؤدي حتماً الى سرية مصرفية استنسابية. 

 

تداعيات كسر السرية المصرفية في لبنان…إنّ إحدى أهم سلبيات كسر السرية المصرفية، هي هروب رؤوس الأموال المُودعة في المصارف اللبنانية. وفي المُقابل سيحظى لبنان بشفافية دولية ستُكسبه ثقة المُستثمرين الأجانب. وإذا كان الشق السلبي يغلب الشق الإيجابي على الأمد القصير، إلا أنّ مصداقية القطاع المصرفي اللبناني ستربح على الأمد الطويل خصوصاً أنّ الودائع الموجودة حالياً في المصارف اللبنانية، وعلى الرغم من ضخامتها، لا تُستخدم في الماكينة الاقتصادية (قسم كبير منها). ممّا يعني أنه إذا تمّ سحب قسم من هذه الودائع، لن يكون هناك من كوارث على القطاع المصرفي أو على الاقتصاد اللبناني. وفي الختام، يجب الاعتراف بأنّه إذا كان ثمن الحفاظ على القطاع المصرفي اللبناني هو كسر السريّة المصرفيّة، فيجب الموافقة على ذلك وبدون أيّ تردّد. وإذا كانت المعطيات حول هذا الملف تبقى بمعظمها في الكواليس، فلنا ملء الثقة بحاكم مصرف لبنان الذي فرض نفسه وبشكل مُستحق، كراعٍ ومُدافع عن القطاع المصرفي اللبناني. www.lebanonfiles.com/news/647726   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.