تاريخ لبنان: ثقافة حرب… تخوين ولا عقلانية

0

 

في مشهد شبه يومي، يستيقظ اللبناني على الأخبار السيئة. فبين التفجيرات والمواجهات المسلحة مروراً بالفيضانات، يفقد المواطن كل أمل في هذا البلد ومعه هويته الوطنية.   

 

ماذا يعني أن يكون الإنسان لبنانياً؟ السؤال بسيط والجواب صعب جداً كون نسيج هذا البلد جعل منه وطناً مؤلف من مجموعات لا تشترك مع بعضها البعض إلا بكونها تحمل الهوية اللبنانية. وعلى ذكر الشراكة، لم أستطع معرفة معنى هذه الكلمة، أقله بمعناها اللبناني. فكل يوم نسمع عن “العيش المُشترك” و”الشريك في الوطن” وغيرها من العبارات التي إن دلّت على شيء تدل على مدى الانقسام في المجتمع اللبناني. لا شراكة في الوطن، فهو ليس بقطعة حلوى نتشارك فيها. المطلوب أن يكون هناك رد واحد وكلمة واحدة وموقف واحد. المطلوب أن يكون هناك شعب لبناني واحد. 

 

لكن ما الذي أوصل اللبنانيين إلى هذه النقطة من الإنقسام؟أولاً التوريط، التدخل والتدويل: يُعد تدخل وتورط القوى الأجنبية المُحرك الرئيس للصراعات الداخلية والخارجية. فكل فريق في النزاع يُحاول إشراك قوى خارجية في الشؤون الداخلية أو الإقليمية مما يُعزز موقف هذا الفريق. وهذا الإشراك يتجلى علناً في لبنان من خلال تدخلات القوى الأجنبية في شؤون محلية بحت. وعلى هذا الصعيد، يرى الباحث هنري لورنس أن الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط تعمل بهذه الطريقة وذلك منذ عدة قرون. ولتوضيح فكرته، يُعطي لورنس مثال أزمة العام 1840 حين دعى العرب فرنسا وبريطانيا لطرد الأتراك من أرضهم. ويواصل لورنس تحليله بالقول أن الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط تُؤدي إلى تورط وتدخل القوى المختلفة مما يُعقد الأزمة، وبالتالي تأخذ هذه الأخيرة بعداً دولياً. ثانياً مفاهيم الردع، وحرب الـ Guerilla: يُشكل مفهوم الردع القاعدة الأساسية للعقيدة العسكرية والجيوسياسية الإسرائيلية. وقد أدى الطابع المؤقت لإتفاقات الهدنة في العام 1949 الى خلق مفهوم جديد هو “حرب الحدود”. فقد قامت الدولة العبرية بإعتماد إستراتيجية الإنتقام ضد عودة الفلسطينيين… وتقوم هذه الاستراتيجية على ضربات تُوجه لهيكلية الدول المجاورة، مما ألزم هذه الدول تولي السيطرة على حدودها، وأدّى إلى تدعيم أمن إسرائيل كما يتضح من التجربة مع مصر، الأردن وسوريا. ولكن نجاح هذه الإستراتيجية لم يتم دون آثار سلبية على الدولة العبرية، حيث قامت الدول المجاورة بتعزيزات عسكرية على حدودها، ونشأت الـ Guerilla لمحاربة الجيش الإسرائيلي. على الجبهة اللبنانية، اعتمدت إسرائيل الإستراتيجية نفسها ولكن النتيجة أتت عكس المُتوقع بمعنى أن الدولة اللبنانية أصبحت ضعيفة جداً وظهر حزب الله بعيد الإجتياح الجيش الإسرائيلي في العام 1982. وبالتالي واجهت الدولة العبرية معضلة تعزيز الدولة اللبنانية التي كانت تحت التأثير السوري – الإيراني، أو القبول بوجود حزب الله. والقرار الإسرائيلي تترجم لاحقاً بالحظر على الجيش السوري الدخول إلى جنوب لبنان في العام 1976 وفي العام 1990. ثالثاً منطق التخوين: أدت الحرب ضد الأمبريالية إلى تخوين الأنظمة العربية من قبل بعضها البعض. وهذا ما أوصل الأمور إلى مستوى خطير نشأ عنه عدم الاستقرار في هذه البلدان. فمثلاً اعتمد جمال عبد الناصر استراتيجية التخوين بحق بعض الأنظمة العربية ودعاهم بعملاء الامبريالية، وبالتالي عملاء الصهيونية. وبذلك أصبحت استراتيجية محاربة الإمبريالية أداة للصراع على السلطة داخل البلدان العربية وفي نفس الوقت صراعاً ضد التدخل الخارجي وهذا ما أدى لإضعاف الأنظمة العربية. وأصعب ما في الأمر أن هذا التخوين أخذ بعداً دينيّاً لـ “شيطنة” الخصم. وكنتيجة للتخوين والشيطنة يُصبح الفريق غير قادر على التفاوض. رابعاً تضارب الروايات: مفهوم الرواية مفهوم طاغ في الشرق الأوسط، ويعمل كمصفوفة إجراءات (matrice d’actions). وسرد التاريخ يُنتج لدى عامة الشعب سلوكاً معيناً تتعزز معه المعارضات ويُؤمن إستمرارها. وقد أفرز كل من الصراع العربي-الإسرائيلي والنزاعات الإقليمية روايات أصبحت مصفوفات عمل كما هي الحال في لبنان حيث يمتلك كل فريق روايته الخاصة عن تاريخ لبنان وتاريخه. خامساً ثقافة الحرب: تعود ثقافة الحرب في الشرق الأوسط إلى قديم الزمان. وقد تم تعزيزها خلال الحروب الثورية العربية، الصراع العربي-الإسرائيلي والحرب الباردة. الفكرة الرئيسة وراء هذه الثقافة هو عمل عنيف يمكنه حلحلة الوضع السياسي. ولإثبات هذا القول، يكفي تحليل الوضع الراهن في الشرق الأوسط. سادساً لاعقلانية الزعماء: إن تراكم أخطاء أطراف النزاع يُؤدي إلى وقوع الزعماء في أخطاء حسابية دائمة وغير عقلانية. وارتكاب الخطأ يدفع بالزعيم إلى اتخاذ قرار مبني على القرار الأول وبالتالي ينتج عن ذلك عدة قرارات خاطئة، وهذا كله يُؤدي إلى تعزيز كل طرف في رأيه، قصته ومواقفه. كما وأن غياب المنطق الهدفي (Logique Objective) والتحرر من القيود، يجعل التنبؤ بالأحداث المُستقبلية شبه مستحيل. 

 

المعادلة اللبنانية في ظل هذه الظروف…كل ما سبق ذكره موجود في لبنان. والأصعب في حالة لبنان هو نشوء أجيال متصلبة تعيش في إلهام الروايات التي تروي التاريخ وفق وجهة نظر الفريق الذي يسرد الرواية. فكيف لنا أن نعيش في وطن كل فريق فيه يُخوّن الفريق الأخر، ويعمد إلى استخدام القوة بهدف تغيير الواقع، ويطلب نجدة القوى الغربية والشرقية لمحاربة الفريق الأخر. كل هذا بالتزامن مع ارتهان اقتصادي كبير يدعم التطرف، التشدد في المواقف والمُتاجرة بمستقبل الوطن وشبابه. من أشهر المقولات التي يعتمدها السياسيون : “لنترك التاريخ يحكم على الأفعال”. لم أستطع معرفة عن أي تاريخ يتحدثون فكل فريق له تاريخه (لم نستطع الاتفاق على كتاب تاريخ موحد!). ألم تنتهِ الحرب الأهلية بتصالح الزعماء الخصوم؟ إذا من كان معه حق في قراراته التي اتخذها إبان الحرب؟ إننا إذ نرى استحالة الاستمرار في هذه الحلقة المُفرغة، نرى أنه من الواجب قبل كل شيء قطع الأوصال مع القوى الخارجية وخصوصاً المادية منها للتحرر من الارتهان، وتقبل الفريق الأخر لنصبح جسماً واحداً لبلد واحد. www.lebanonfiles.com/news/641367 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.