الأنا في الحياة السياسيّة اللبنانيّة

0

 

طقوس للتقرب من الناس، إفراط في الاستجابة للأحداث ومسرحيات لإظهار النفس، هذه بعض الأساليب التي بدأ بعض السياسيين يقومون بها. بالتأكيد تغيرت الممارسات مع الأجيال وخصوصاً تحت تأثير وسائل الإعلام التي أصبحت سلطتها أقوى من أيّ وقت مضى. وهذا يُبيّن أن الساحة السياسية أصبحت صداماً بين شخصيات.   

 

لمواجهة الحياة ومشاكلها، يعمد الإنسان إلى خلق الأنا (Ego). ومعظم الأشخاص الذين نجحوا في عالم السياسة والأعمال أو في أي مجال أخر، خلقوا حولهم “أنا مع عضلات”، دروعاً قرنيّة وشخصيّة قوية. هذا النجاح يسبب “تورم الأنا” الذي غالباً ما يصبح حاجزاً لا يمكن لصاحبه تخطيه. لكن في المقابل، عدم تغذية الأنا يخلق شعورا بالنقص لا يسمح أيضاً لصاحبه بعيش حياته على أكمل وجه. في علم النفس، الأنا لا تعني أن يحبّ الإنسان نفسه بدلاً من الآخرين، إنما هو نتيجة عدم محبة الإنسان لنفسه وهذا ما يجعل الأنا يظهر إلى الوجود ويستمر. ويظهر الأنا في أحاديث الأشخاص عبر عبارات نموذجيّة:

  • “أنت مخطئ حول هذا الموضوع، وهذا لا يعمل بهذه الطريقة” (على اللبناني: إنت غلطان وهيدا ما بيمشي هيك)؛
  • “لا، ليس هكذا على الإطلاق” (مش هيك أبداً)؛
  • “اذا فعلت هذا، فهذا سيكون خطأ كبيراً” (إذا عملت هيك بتكون…)؛
  • “لا، لم يكن لك حياة سهلة، مع كل هذه المعاناة هذه ليست بحياة” (حياتك عذاب، ما إلها طعمة)؛

 

 

لماذا يحتاج السياسيون إلى الأنا؟لا يخفى على أحد أنّ الأحزاب السياسية في لبنان قوية بنسبة كبيرة وعددها كبير مما يعني صعوبة وجود ثبات سياسي. وهذا يعني أن الشخص الذي يتحدث بالنيابة عن حزبه، لا يتمتع بشرعية شخصية خارج إطار الحزب. من هذا المنطلق، يعمد السياسي إلى إظهار شخصيته باستخدام الكاريزما والإغواء للقاعدة الشعبية ولا يتردد في استخدام وسائل الإعلام لإظهار حياته الشخصية. وكردة فعل، يُصبح المواطن متعلقاً بالشخص أكثر منه تعلقاَ بالحزب وبأفكاره. أي بمعنى أخر “تفقد شرعية الحزب المقدسة من مكانتها لصالح شرعية الشخص والتي تعتمد على أداءٍ عالٍ في العمل والمهارة في إنجاز المطلوب” (François Dubet). وهذا ما دفع المواطن إلى الاعتقاد بأنّ مستقبل لبنان والقرارات المُتخذة هي بأيدي عدد قليل من الأشخاص. وبذلك غابت المبادرات من قبل المواطن إن كان موظفاً أو أستاذاً أو يُمارس أيّ مهنة أخرى. وغياب المبادرة دفع بالمواطن إلى الارتهان أكثر وأكثر للأشخاص ذوي النفوذ الذين يعيشون الأنا بأقصى مستوياتها. غياب الأنا من الأداء السياسي يجب أن يُترجم باستفتاء – أقله على صعيد الحزب – لمعرفة رغبات المحازبين والمؤيدين مما يعطي زخماً أكبر للشخص وللحزب. وهذا الاستفتاء يكون بمثابة إعادة الثقة إلى القاعدة الشعبيّة التي أعطتها سابقاً الى الشخص والحزب. 

 

الأنا والعمر السياسي…أحد أهم المؤشرات للأنا هي العمر السياسي، فكلما طال كانت الأنا طاغية وهذا يُخالف مبدأ الديموقراطية التي تعتمد على التغيير في كل مرحلة حاسمة من تاريخ البلاد. فما أعظم شارل ديغول الذي فضل إعتزال السياسة والتخلي عن الأنا بمجرد إحساسه أنّ الشعب لن يكون معه، وهو الذي أتى من أجواء استعمارية وكان رجلاً عسكريّاً بامتياز وكانت مختلف المعطيات في ذلك الوقت تُشير إلى أنّه سيحكم فرنسا لمدة طويلة. بكل بساطة يُمكن القول إنّ الأنا لهذا الرجل العظيم لم تُسيّر أفعاله.لا توجد حلولٌ نموذجيّة مبنيّة على أسس علميّة مع قرائن لهذا التورم، بل وحدها الروحانيّات لها مفعول تذويب الأنا. وهنا يبدأ الطريق الطويل لكلّ شخص قرّر محاربة الأنا التي في داخله. www.lebanonfiles.com/news/705644 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.