غياب السياسة الاقتصادية يضرب المالية العامة

0

مما لا شك فيه أن أياماً سوداء تلوح في أفق الاقتصاد اللبناني وذلك من باب الوضع المالي الذي يتأثر بشكل كبير بالوضع السياسي وبغياب خطة إقتصادية للنهوض بإقتصاد لبنان. وحسب التحاليل من المُتوقع أن يكون وقع هذه التأثيرات أكبر في الأشهر القادمة مع الغموض السياسي الذي يعصف في المنطقة.  واحد وعشرون ألف مليار ليرة لبنانية حجم الإنفاق العام في لبنان مقارنة بـ 16.5 ألف مليار ليرة إيرادات سجلتها المالية العامة (موازنة خزينة) في العام 2014. هذا العجز في الموازنة مستمر منذ عقود ويتحول تلقائياً إلى دين عام أصبحت معه فاتورة خدمة الدين العام 6602 مليار ل.ل مع زيادة بنسبة 10% عن العام 2013. وتتمحور مشكلة المالية العامة حول حجم الإنفاق غير المُجدي والذي يتألف من خدمة الدين العام (31.4% من حجم النفقات)، الأجور والتعويضات والتقاعد (32%)، دعم مؤسسة كهرباء لبنان (15%)، النفقات التشغيلية (10%)، والنفقات الأخرى (7.8%). وبحساب بسيط نرى أن إجمالي الإيرادات المحققة (موازنة خزينة) والبالغ 16400 مليار ل.ل لا يُغطي إلا خدمة الدين العام والأجور والتعويضات والتقاعد.      أرقام 2015 ليست واعدة…وبالنظر إلى العام 2015، نرى أن الصورة قاتمة مع تدهور العجز في الفصل الأول من العام 2015 مع عجز يساوي 1062 مليون دولار أميركي مقارنة بـ 840 مليون دولار في الفصل الأول من العام 2014 أي بزيادة 26.4%. هذا العجز آت من إنخفاض الإيرادات بنسبة 14% على نفس الفترة نسبة إلى العام 2014 وإنخفاض النفقات بنسبة 3.6%.لكن الذي يصدم أكثر هو أرقام العجز في الميزان الأولي الذي سجّل 138 مليون دولار في الفصل الأول من العام 2015 مقارنة بفائض 38 مليون دولار في الفترة نفسها من العام 2014. وهذا الأمر مُشكلة كبيرة لأن التوازن المالي لا يُمكن أن يتحقق إلا إذا كان فائض الميزان الأولي يفوق خدمة الدين العام أقله، ويُنذر بالشؤم حيال قدرة الدولة على إعادة التوازن المالي للمالية العامة. هذا الأمر يترافق مع زيادة في الدين العام من كانون الثاني 2015 إلى أيار 2015 بقيمة 2.9 مليار دولار أميركي ليصل إلى عتبة الـ 70 مليار دولار أميركي. هذا الأمر ترافق مع إنخفاض في تدفقات الرساميل (تحويلات المغتربين والإستثمار الأجنبي المباشر) بقيمة 2800 مليون دولار أميركي على الفترة نفسها مقارنة بالعام 2014. وللتذكير، فإن المقارنة بين العام 2015 والعام 2014 تأتي من مبدأ الإينرثيا الذي كلما كبرت فترة المقارنة، أصبح الرقم المُحقّق هو الرقم الذي سيتحقق في آخر العام 2015.بالإضافة إلى ما سبق، سجّلت الصادرات إنخفاضاً بنسبة 8% على أول خمسة أشهر من العام 2015 مقارنة بالعام 2014. هذا الإنخفاض رافقه إنخفاض بالإستيراد بنسبة 18.5% على نفس الفترة مقارنة بالعام 2014، لكن هذا الإنخفاض بالإستيراد والناتج عن خفض سعر النفط واليورو لم يستطع قلب الميزان التجاري الذي سجّل عجزاً بقمية 5828 مليون دولار أميركي. غياب الخطة الاقتصادية…المشكلة في الأرقام التي أوردناها أعلاه هي أن إدارة هذه المالية العامة تأتي في غياب خطة إقتصادية تسمح بنمو إقتصادي وحده قادر على قلب الموازين. فإدارة المالية العامة في لبنان هي إدارة حدَثَية (Gestion Evénementielle) وتهدف إلى تجنب الكوارث أي الإنهيار الكامل. لكن الخطأ في هذا النمط من الإدارة أنها تأخذ العامل المالي بمعزل عن العامل الاقتصادي وهذا الأمر يُمكن تأكيده بمعرفة أن الدائرة الاقتصادية هي وحدها خالقة الثروات وبفضلها وحدها يُمكن سدّ الدين العام ومحو العجز في الموازنة. ومن منا لا يتذكر المُعجزة الأميركية التي إستطاع الاقتصاد الأميركي تحقيقها في أواخر تسعينات القرن الماضي حيث تمكنت المالية العامة بفضل النمو الاقتصادي من تقليص العجز المزدوج إلى حدود إلغائه.من هنا نرى أهمية وضع خطة إقتصادية بشقين: الأول يتضمن الإدارة الطارئة للأحداث الحالية التي تعصف بالمالية العامة وعلى رأسها العجز والدين العام؛ والثاني وهو الأهم وضع خطة إقتصادية على مدى عشرين عاماً أقلّه ما يُعطيها طابعا إستراتيجيا. هذه الخطة تتطلب تحديد القدرات والقيود للإقتصاد اللبناني وذلك لكل منطقة في لبنان ما يعطيها طابعا عاما وطنيا وطابعا مناطقيا لامركزيا. خطوط عامة للخطة الاقتصادية…من مشاكل الاقتصاد اللبناني هيكليته غير المُتنوعة، عدم إختصاص ماكينته الإنتاجية، وغياب الإنماء المناطقي. فالهيكلية المتنوعة تسمح بالإستمرارية في ظل عوامل دورية خاصة بالإقتصاد، والإختصاص يُعتبر رافعة يُبنى على أساسها النمو. أما الإنماء المناطقي فهو عنصر أساس للعدالة الاجتماعية ولتفادي التقسيم الاجتماعي الذي هو معيار للتخلّف في المجتمعات.إن المرحلة الأولى التي تسبق أي خطة إقتصادية هي تقييم للواقع الحالي بالأرقام. فمن المفروض أن يعرف لبنان قدراته الاقتصادية والتي تتمثل بثلاثة عوامل: رأس المال، اليد العاملة والتكنولوجيا. هل هناك رأس مال يُمكن ضخّه في الماكينة الإنتاجية؟ هل هناك من يد عاملة مؤهلة وما هي الإختصاصات التي تشملها؟ وأخيراً هل يمتلك لبنان التكنولوجيا التي يُمكن أن يستخدمها في ماكينته الإنتاجية؟هذا الأمر يُظهر بصورة واضحة مجال الإختصاص الذي يُمكن أن تتمتع به الماكينة الإنتاجية اللبنانية كما والمجالات الأخرى التي يُمكن شملها لتنويع الإنتاج. ثم يأتي العامل المناطقي الذي يفرض نفسه من ناحية أن منطقة مثل عكار يُمكنها أن تستوعب مشاريع زراعية مع صناعة زراعية تدور حول الزراعات التي تُعتمد في هذه المنطقة. في نفس المجال، وبالنظر إلى قطاع الصناعة الرقمية، نرى أن هذا القطاع يُمكن أن يكون أحد الإختصاصات للإقتصاد اللبناني مع أكثر من 300 شركة توظف 7000 موظف بمهارات عالية جداً قادرة على منافسة الشركات العالمية. وماذا نقول عن قطاع الخدمات، السياحة، والغاز والنفط القابعين في قعر البحر.بالطبع كل هذا يتطلّب موقفاً من كل الفرقاء على تحييد الاقتصاد عن السياسة علّنا نستطيع في يوم من الأيام النهوض بإقتصادنا الوطني وإبعاد شبح الإفلاس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.