الصدمات الإقتصادية في لبنان

0

يُعتبر النموّ الاقتصادي نتيجة لعوامل إقتصادية عدة، سياسية، أمنية وإجتماعية. وتتفاعل هذه العوامل معاً لتؤثر في الاقتصاد بشكل صدمات منها ما له تأثير على الأمد البعيد ومنها تأثير آني. سنحاول في هذا المقال تحديد مساهمة العوامل الاقتصادية في الاقتصاد اللبناني.   من المعروف أن النموّ الاقتصادي الذي يُقاس بالفرق بين الناتج المحلي الإجمالي لعام نسبة إلى العام السابق، هو معيارٌ أساس للتطوّر والإنماء الاجتماعي في بلد معين. فكلما كان هذا النموّ كبيراً كان المدخول الفردي أكبر وبالتالي إستفاد المواطن عبر تحسين شروط معيشته من طعام، سكن، تعليم وطبابة. بالطبع هذا في ظلّ إقتصاد متوازٍ حيث تسود عدالة إجتماعية يتقاسم من خلالها المواطنون هذه الثروة. لذا يظهر إلى العلن أهمية النموّ الاقتصادي الذي أصبح لبعض البلدان على رأس الهرم الإستراتيجي. تنصّ نظرية كوب-دوغلاس (Cobb-Douglas) على أنّ مستوى الإنتاج في بلد معيَّن يتعلق بحجم رأس المال الإستثماري، القوى العاملة والتكنولوجيا. لكنّ زيادة قيمة عامل لا تعني الزيادة نفسها في مستوى الإنتاج وهذا ما يُسمّى بالمرونة. ما يعني أنّ زيادة قيمة عامل يجب مواكبتها بدراسة مفصَّلة عن المرونة التي يتمتع فيها كلّ عامل علماً أنّ هذه المرونة تتغيّر مع الوقت ومع حجم الماكينة الإنتاجية. في الإقتصادات المُتطوِّرة لم يعد لرأس المال أو القوى العاملة المرونة التي كانت تتمتع بها في القرن الماضي والسبب يعود إلى أنّ هذه الزيادة في هذين العاملين أصبحت تُعطي مفعولاً سلبياً، لذا أتت التكنولوجيا لتدفع مرونة هذين العاملين إلى مستويات عالية. وهذا الأمر أعطى مفعوله على صعيد النموّ الاقتصادي الذي إستمرّ على مستويات عالية على الرغم من حجم الاقتصاد لهذه الدول. أما في الدول طور النموّ، فهذا الأمر لا ينطبق خصوصاً مع ضعف الماكينة الإنتاجية ومقوّماتها من بنية تحتية ورأس مال وقوى عاملة مؤهّلة. الإستثمارات يُعَدّ رأس المال بهدف الإستثمار عنصراً أساسيّاً للنموّ، فالعلاقة بين النموّ الاقتصادي وحجم الإستثمار هي علاقة تمّ أثباتها عبر الأرقام في كلّ الاقتصادات كما في الاقتصاد اللبناني. وتُظهر الأرقام أنّ الإستثمارات الأجنبية المُباشرة في الأعوام 2008 إلى 2014 دفعت بالنموّ إلى المنحنى نفسه، ففي كلّ مرة زادت الإستثمارات زاد معها النموّ والعكس بالعكس. وقد يتساءل القارئ عن تأثير الأزمة السورية في النمو الاقتصادي من العام 2011 إلى الأن، والجواب أنّ الإستثمارات تتأثر بشكل كبير بالأوضاع الأمنية والسياسية من ناحية أنّ تدهور هذه الأخيرة تؤثر بشكل كبير في ثقة المُستثمر وبالتالي تنخفض تلقائياً الإستثمارات ومعها النموّ. لذا يظهر أنّ القارئ على حق بقوله إنّ الأزمة السورية أثرت في النموّ لكنّ هذا التأثير هو بشكل أساس عبر الإستثمارات. القوى العاملة تُعَدّ القوى العاملة العنصر الثاني من ناحية الأهمية بالنسبة للنموّ الاقتصادي. هذه الأهمية تأتي على مستويَين: الأول له علاقة بتنفيذ العمل المطلوب والثاني له علاقة بالإستهلاك الذي يتمّ من خلال الأجور التي يتلقاها العامل. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، يُشكل الإستهلاك في الولايات المُتحدة الأميركية ما يوازي 75% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي لبنان تصل هذه النسبة إلى ما يقارب الـ 50% من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني. لكنّ الأهم في الموضوع هو التوزيع العادل لهذه الثروة على المواطنين كلٌ بحسب وضعه المهني وطبيعة عمله. وهذا الأمر يجب أن يواكبه إنماءٌ متوازن بين المناطق لكي يكون هناك إستفادة إجتماعية واسعة تسمح للبلد المعني أن يتطوّر إجتماعياً وإقتصادياً. وفي لبنان تظهر مشكلتان رئيستان: الأولى مُتعلقة بعدد العاطلين عن العمل والثانية بعدم وجود أيّ توازن إجتماعي بين المناطق اللبنانية. وتأتي المُشكلة الأولى – أيْ زيادة عدد العاطلين عن العمل – كنتيجة لضعف الهيكلية الاقتصادية التي تمنع الاقتصاد من إستيعاب اليد العاملة الموجودة كما أنّ للأزمة السورية والنزوح الناتج عنها دوراً أساسيّاً في خسارة ما يزيد عن 324 ألف عامل لبناني لوظائفهم. أما المشكلة الثانية – أيْ عدم وجود أيّ توازن إجتماعي بين المناطق اللبنانية – فهي تأتي نتيجة غياب السياسات الاجتماعية التي كانت لتجعل الإستفادة من الموارد الاقتصادية اللبنانية تشمل كلّ الأراضي اللبنانية. التكنولوجيا تُشكّل التكنولوجيا الرافعة في الماكينة الاقتصادية إذ إنه ومنذ تسعينات القرن الماضي، تمّ تسجيل نسب نموّ هائلة في إقتصادات الدول المُتطوِّرة تكنولوجياً إلى درجات لا تُصدق واستمرّت منذ العام 1995 وحتى الأزمة المالية العالمية في العام 2008. هذا الأمر يُمكن ذكره في حالة اليابان، الولايات المُتحدة الأميركية، المانيا، كوريا الجنوبية… والذي يعني بكلّ بساطة أنّ التكنولوجيا تلعب دوراً أساساً في تضخيم خلق الثروة الناتجة عن الماكينة الاقتصادية. وهذا ما لا يوجد في حال لبنان حيث إنّ التكنولوجيا تُستهلَك من المواطن مباشرة (End User) ولا تُستخدَم في الماكينة الاقتصادية المتآكلة. وهنا يظهر التحدّي الذي يواجه الاقتصاد اللبناني: كيف يُمكن وضع هذه التكنولوجيا في خدمة الماكينة الاقتصادية التي تتحوّل إلى خدماتية بإمتياز وريعيّة فيما يخص باقي الإنتاج. والأمر المُهم هو الذي طرحه صندوق النقد الدولي الذي إعتبر أنّ الشركات الصغيرة والمُتوسطة الحجم هي الأداة الأساسية لنقل التكنولوجيا إلى الإقتصادات في طور النموّ التي لا تستخدم التكنولوجيا في إنتاجها. وهذا الأمر يتمّ على مرحلتين: المرحلة الأولى نقل جزئي يطال الشركات الصغيرة والمُتوسطة الحجم على أن يتمّ إستخدامها لاحقاً في المرحلة الثانية في الشركات الكبيرة وحيث الصناعة الثقيلة. بالطبع هذه العوامل الثلاثة بحاجة أساسية إلى دعم سياسي وسياسة إقتصادية تسمح بخلق صدمات إيجابية في الاقتصاد وتدفع بالنموّ إلى مستويات عالية تواكب التطوّر التكنولوجي وتستوعب اليد العاملة الوطنية مع إستثمارات لتمويل هذه الخطة. هذا الأمر بالطبع لا يكون ممكناً من دون حلّحلة سياسية للوضع القائم حالياً أو معرفة نتائج المعارك التي تحدث على الحدود.
www.aljoumhouria.com/news/index/245051
 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.