الإستحقاقات الماليّة للدولة اللبنانيّة

0

مع شلل السلطتين التنفيذية والتشريعية في لبنان، تظهر إلى العلن مشكلة الإستحقاقات المالية للدولة اللبنانية. هذه المشكلة التي ما زالت تحت السيطرة بفعل هامش التحرّك لمصرف لبنان، قد تأخذ أبعاداً خطيرة إذا ما طالت أزمة الرئاسة اللبنانية.   عقد مرّ على غياب موازنة عامة في لبنان، عقد تمّ خلاله الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية. لكنّ هذه الأخيرة تفرض صرف المبالغ المنصوص عليها في أخر موازنة وهذا ما لم يتمّ في حالة لبنان حيث قامت الحكومات المُتعاقبة بصرف مبالغ إضافية تخطّت بكثير حاجات الضرورة. وبما أنه لا توجد موازنة، لم يتمّ في الوقت نفسه القيام بقطع الحساب عن الأعوام الممتدة من 2005 حتى اليوم. لكن المشكلات السياسية التي ظهرت في الأعوام الماضية أظهرت إلى العلن إستحالة القيام حتى بقطع حساب للأعوام التي تلت الحرب الأهلية وحتى العام 2005. وبغضّ النظر عن التفسيرات المنطقية لهذا الواقع المُبكي، هناك نتيجة حتمية هي أنّ العجز السنوي في الموازانات أو في الصرف على أساس القاعدة الأثني عشرية خلقت عجزاً مزمناً تحوّل إلى دين عام تخطّى قدرة الاقتصاد اللبناني على تحمّله. هذا العجز عزت أسبابه الحكومات المتعاقبة في غالبية الأحيان الى الوضعين الأمني والسياسي لا بل برّرته بذلك، كعدوان تموز مثلاً 2006 الذي أثقل كاهل المالية العامة. فلسفة الإنضباط العجز في حدِّ ذاته ليس بإشكالية كبيرة إذا ما كان عابراً وناتجاً عن إستثمارات أو عن وضع أمني أو سياسي موقت. وتنصّ النظرية الاقتصادية على أنّ توازن الميزانية العامة للدولة ليس المعيار الأول المناسب للسياسة المالية للحكومة وذلك من ناحية تأثرها بعاملَين أساسيَين: أولاً سياسة الديون للسنين الماضية والتي تنعكس حكماً في حجم خدمة الدين العام، وثانياً الوضع الإقتصاد الآني ومكانه في الدورة الاقتصادية والذي قد يخلق عجزاً ناتجاً عن ضعف قراءة الفرضيات الماكرو إقتصادية ما قد ينتج عنه زيادة في عجز الموازنة وتدهور في الوضع الإقتصادي الدوري بمعزل عن الخيارات الهيكلية في الميزانية وبالتحديد معدّل الضرائب، ومستوى الإنفاق العام. والنظرية الاقتصادية المُعتمدة تنصّ على تحليل الانضباط في المالية العامة عبر عدد من القيود على ميزانية الدولة من ناحية أنّ تمويل النفقات الإجمالية في الميزانية لكلِّ سنة مالية يتمّ من الضرائب و/ أو من الإصدارات لسندات خزينة. وهذه القيود يُمكن وضعها ضمن معادلة حسابية على الشكل التالي: الإصدارات الجديدة (أو زيادة الدين العام) + الإيرادات الضريبية = خدمة الدين العام + الإنفاق العام. وهنا يُمكن ملاحظة أنّ نسبة الدين العام قد تزيد إما لأنّ الدولة تُسَجِّلُ عجزاً أولياً لا يسمح بتطغية خدمة الدين العام، أو لأنّ الفجوة بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدل النموّ تتسّع بشكلٍ ملحوظ. وبالنظر إلى أرقام الاقتصاد اللبناني، نلاحظ أنّ لبنان يُسجّل عجزاً أوّلياً مُزمناً إضافة الى فجوة مّزمنة بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدّل النموّ. الأداة المُفضّلة أظهرت أرقام صادرات الخزينة اللبنانية أنّ الحكومات اللبنانية فضّلت بشكلٍ متواصل منذ إنتهاء الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي، سندات الخزينة على الضرائب لتأمين مدخولها. هذا الأمر مُبرَّر بسهولة عملية الإصدار ومبدأ الـ «سابقة» والذي ينصّ على أنّ الدولة تقوم بإجراءاتها المعهودة. كما أنّ تحصيل الضرائب يتطلّب وضع خطط إقتصادية لتحفيز الاقتصاد وهذا ما لم يتمّ عمله على مرّ الفترة التي تلت الحرب وحتى يومنا هذا. وأخذت خدمة الدين العام بالإرتفاع مع وصول أسعار الفائدة إلى ما يوازي الـ 40% وتحوّلت هذه الخدمة إلى دين عام إزداد مع الوقت بسبب عجز الاقتصاد عن تأمين نموٍّ كافٍ لتغطية خدمة الدين العام أقلّه. إستحقاقاتُ سندات الدولار الأرقام المُتوفرة على المنصات الإلكترونية، تُشير إلى أنّ الحكومة اللبنانية تواجه إستحقاقات بقيمة 1.2 مليار دولار أميركي على سندات الخزينة باليورو بوندز (أيْ بالعملات الأجنبية) من شهر تموز وحتى شهر كانون الأول 2015. أمّا في العام 2016، فستبلغ هذه الإستحقاقات على الارجح 3 مليارات ليرة لبنانية و2.4 مليار دولار أميركي في أوّل خمسة أشهر من العام 2017. بالطبع هذه الأرقام لا تتضمّن الإصدارات التي ستعمد الحكومة اللبنانية إلى تنفيذها لدفع الإستحقاقات الآتية والتي تزيد بفعل الواقع خدمة الدين العام، فهل ثمّة مخاوف من عدم تسديد الإستحقاقات؟ من المعروف أنّ مصرف لبنان يتمتع بهامش تحرّك كبير فيما يخصّ تبديل الإستحقاقات بإصدار شهادات إيداع تسمح بلجم الفراغ السياسي والتشريعي الحاصل. إلّا أنّ هذا الأمر لا يُمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية خصوصاً أنّ الإستحقاقات المالية للدولة اللبنانية أكبر من ذلك بكثير وتضمّ الأجور والنفقات الجارية وغيرها من الأمور التي تتطلّب تشريعاً من قبل مجلس النواب يسمح للحكومة اللبنانية بمعالجة هذه الإستحقاقات بشكلٍ قانوني. أضف إلى ذلك المصداقية التي تمتّع بها لبنان حتى الآن والتي سمحت له بعدم التخلّف عن دفع الإستحقاقات في أحلك الظروف الأمنية والسياسية. المطلوب تغيير جذري إنّ المطلوب من الحكومة تغيير جذريّ في طريقة التعامل مع الوضع الاقتصادي – خالق الثروات. فعلى عكس التصاريح التي يقوم بها السياسيون لناحية أنّ الوضع الاقتصادي جيد، نرى أنّ الوضع الاقتصادي يئنّ تحت ضغط خلافات الأحزاب وتعطيلها للإستحقاقات الدستورية وعلى رأسها إستحقاق رئاسة الجمهورية. وإذا كان لبنان يُسجّل نموّاً منذ بدء الأزمة السورية، فإنّ هذا النموّ يعود بشكل حَصْري إلى سببين رئيسَين: القطاع المصرفي الذي ما زال يجذب الودائع وتحاويل المغتربين اللبنانيين التي تدفع بالإستهلاك صعوداً وبالتالي تُسجل نمواً. وهذا الأمر غير إعتيادي في الإقتصادات الحديثة من ناحية أنّ خالق الثروات هي الماكينة الإنتاجية، لذا لا يُمكن الإستمرار على الوضع الحالي مع تآكل هذه الماكينة بضعف الإستثمارات وتردّي الأوضاع الأمنية والسياسية، وضعف الإطار القانوني لهذه الإستثمارات. الجمهورية –www.aljoumhouria.com/news/index/241977

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.