النمو الاقتصادي اللبناني خلال الصيف

0

يُعتبر فصل الصيف فرصة للاقتصاد اللبناني من ناحية أنّ الحركة السياحية تزداد خلال الموسم الصيفي، وهذا العام تزامنَ هذا الموسم مع شهر رمضان الكريم حيث تزداد حركة البيع بشكل طبيعي مع ازدياد الطلب على المواد الغذائية. فكم سيبلغ حجم النمو الاقتصادي خلال هذا الموسم؟    كل عام وخلال فصل الصيف تكثر الحركة السياحية في لبنان نتيجة زيارة العديد من المغتربين اللبنانيين لبلدهم الأم لبنان. وهؤلاء يُشكلون النسبة الأكبر ممّا تعتبره السلطات الرسمية السيّاح. أمّا السيّاح الأجانب فتتفاوَت أعدادهم من عام إلى آخر بحسب الأوضاع السياسية والأمنية. ومع المقاطعة الخليجية للبنان من ناحية الإيعاز للمواطنين الخليجيين بعدم الذهاب إليه، يفقد لبنان نسبة صغيرة من عدد السيّاح الأجانب، لكنه يفقد وقبل كل شيء نسبة كبيرة من المداخيل نظراً إلى أنّ الإنفاق للسائح الأجنبي عموماً والخليجي بشكل خاص مرتفع مقارنة مع إنفاق المغترب اللبناني الذي يزور بلده خلال الصيف. وحلول شهر رمضان الكريم خلال فصل الصيف هو نعمة للاقتصاد اللبناني حيث أنه وقبل الأزمة السورية، كان السيّاح العرب يقضون الشهر الفضيل في لبنان نظراً لطراوة المناخ مقارنة بالمناخ في البلدان العربية. لكن، ومع المقاطعة الخليجية، إستبدلَ السيّاح العرب لبنان بتركيا وغيرها من الدول المجاورة كقبرص، وهذا الأمر يُشكّل خسارة للبنان ولاقتصاده. وبالنظر إلى الأرقام السنوية منذ العام 2004 وحتى العام 2014، نرى أنّ عدد السيّاح بلغ القمة 2,167,989 في العام 2010 ليعود بعدها إلى الانحدار في العامين 2011 و2012، ومن ثم ازداد في العام 2014 ليبلغ 1,354,647 سائحاً. وفي الفترة المُمتدة من كانون الثاني إلى آذار 2015 بلغ هذا العدد 278,159 سائحاً نسبة إلى 229,252 في العام 2014. أمّا نسبة إشغال الفنادق فقد اتّبَعت منحى عدد السيّاح في الفترة التي واكبت الأزمة السورية، حيث أنها بلغت القمة في العام 2009 مع نسبة إشغال 73% لتعود بعدها إلى الإنحسار في الأعوام التالية وتزداد في العام 2014 إلى 52%. وفي الفترة المُمتدة من كانون الثاني إلى آذار 2015 بلغت 53% نسبة إلى 39% في العام 2014. وفيما يخصّ إنفاق السيّاح، فقد بلغت قمة الزيادة في العام 2008 مع 56% نسبة إلى العام السابق، لتعود إلى الإنفاض إلى -9% في العام 2013 (6,28 مليارات دولار) قبل أن تزيد في العام 2014 بنسبة 1%. وفي الفترة المُمتدة من كانون الثاني إلى آذار 2015 بلغت نسبة الزيادة 11% مقارنة مع نقص بنسبة 15% في العام 2014. وفيما يخصّ عدد العابرين للمطار، نرى أنّ هذا العدد لا ينفكّ يزداد من عام إلى آخر حيث بلغ القمة في العام 2014 مع 6,57 ملايين عابر. وهذا المنحى التصاعدي تؤكده أرقام الفصل الأول من العام 2015 مع 1,37 مليون عابر مقارنة بـ 1,26 مليون عابر في العام 2014. كلّ هذه الأرقام إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على لبننة السياحة في لبنان، والتي تعفيه من كوارث كانت لتضرب الاقتصاد اللبناني خصوصاً مع المقاطعة الخليجية ومع التوترات الأمنية التي تضرب القطاع السياحي في لبنان. ويشكّل القطاع السياحي أهمية كبيرة في الاقتصاد اللبناني، فبحسب تقرير المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) في العام 2014، يحتلّ لبنان المركز 37 عالمياً لجهة المساهمة الإجمالية (المباشرة وغير المباشرة) لقطاع السياحة والسفر في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2013. وقد بلغت نسبة هذه المساهمة 19,2% – أي 8,78 مليارات دولار – مقارنة بالمعدل العالمي 9,5% من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2013. وبحسب التقرير تعود هذه الزيادة في العام 2013 إلى الإستثمارات التي بلغ حجمها 1,32 مليار دولار أميركي في العام نفسه، موضِحة بذلك أهمية الإستثمارات في هذا القطاع الحيوي الذي يُشغّل ما يقارب الـ 255 ألف وظيفة – أي ما يوازي حجم العمالة في القطاع العام! وفي العام 2014، إرتفعت نسبة الإستثمارات 4% لتُعطي مفعولها الذي بدأت ملامحه تظهر في أرقام العام 2015 والذي سيزيد حتماً نسبة العمالة في هذا القطاع إلى ما يوازي 3%. هذا الواقع ألقى بظلاله على الحركة السياحية التي تظلّ رهينة الأحداث الأمنية والسياسية. لكنّ تسليح الجيش اللبناني ووَعي الطبقة السياسية في ما يخصّ رفض استيراد النزاع المذهبي في سوريا إلى الشارع اللبناني خصوصاً عبر الحوار بين تيار المُستقبل وحزب الله، أعفى لبنان من الضريبة السورية. وبالتالي، من المتوقع أن يرتفع عدد السيّاح هذا العام ومعه نسبة إشغال الفنادق، الإنفاق السياحي، ما ينعكس ارتفاعاً في عدد الوظائف والنمو الاقتصادي. وإذا ما أردنا معرفة النمو الذي سينتج عن الحركة السياحية هذا العام – في ظل سيناريو الستاتيكو وفي ظل سيناريو نمو اقتصادي 2%، من المتوقع أن يكون النمو الناتج عن هذا القطاع 0,39% أي ما يوازي 200 مليون دولار أميركي، لتكون بذلك مساهمة هذا القطاع 8,8 مليارات دولار هذا العام. من هذا المنطلق، يتوجّب على الحكومة أن تتدارَك الوضع السياسي بحيث تتجنّب التعطيل في القرارات كي لا يكون هناك من تداعيات سلبية على القطاع السياحي. وعلى مصرف لبنان زيادة الدعم لهذا القطاع عبر القروض المُيسّرة وعبر الإيعاز للمصارف التجارية بقبول القروض التشغيلية للمؤسسات السياحية، والتي ستنعكس من دون أدنى شك على النمو. أمّا فيما يخصّ الوضع الأمني، فإنّ قرار الحكومة اللبنانية الحكيم بإعطاء الصلاحيات إلى الجيش اللبناني بشأن الجبهة الشرقية، ينتج عنه تداعيات إيجابية خصوصاً بعدما أثبت هذا الجيش صوابية استراتيجيّاته الدفاعية على الحدود الشرقية إضافة إلى الدعم العسكري الذي تلقّاه من الأميركيين والفرنسيين (ضمن إطار الهبة السعودية). وفي انتظار رفع الدول الخليجية للحظر الذي فرضَته على موطنيها للقدوم إلى لبنان، نرى أنه من الواجب تفعيل الديبلوماسية بهدف تسريع أخذ هذا القرار من قبل السلطات الخليجية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.