النفط في لبنان

0

منذ اكتشاف “نوبل انيرجي” لبئر جديد للغاز قبالة سواحل لبنان واسرائيل والذي دُعي “ليفياتان”، والتصريحات تتوالى منددة بما يُسمى قرصنة إسرائيل للسيطرة على موارد لبنان. ومما أزم الوضع، تصريحات “نوبل انيرجي” أن هذا الموقع قد يحتوي على 453 مليار م3 من الغاز، ليصبح لبنان على مشارف الانضمام الى مجموعة الدول المنتجة للبترول. ما مدى مصداقية وجود حقول غاز ونفط قبالة سواحل لبنان؟ وما هي الجدوى الاقتصادية من عملية الاستخراج؟ وكيف تُموّلُ نفقاتُ التنقيب عن النفط واستخراجه؟ “وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فهل سنشهد صراعاً بحرياً نفطياً بين حزب الله واسرائيل، يستعرض السيد نصرالله لاءاته ويهددّ ايهود باراك بحر لبنان ببوارجه، فتبتعد حينها شركات التنقيب، ويبقى الغاز كنزاً دفيناً في الأعماق ينتظر لحظة أخرى قبل أن يبصر النور؟.  لفت الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة الى أن “النفط يتمتع بدور اجتماعي واقتصادي أساسي من حيث أنه يدخل في صناعة 95% من المواد المستهلكة. كما وأن قطاع النقل يعتمد بشكل شبه إستثنائي على النفط وتتراوح نسبة الإستهلاك بين 35 و 50% في لبنان. وتُعتبر تجارة النفط الأولى في العالم لناحية الكمية والقيمة. وقد جعل بيع النفط من الدول المنتجة، دولاً غنية لجهة المردود والفائض جاعلاً منها دولا لها وزن على الصعيد العالمي”.

واعتبر أنه “يشكل العامل الأول في الحسابات الجيوسياسية للدول المتطورة، لجهة ارتباط اقتصاداتها بالنفط. وقد ارتفع انتاج النفط من 31806 ألف برميل في اليوم الواحد في العام 1965، إلى 81820 ألف برميل في اليوم الواحد في العام 2008”. وشدد على “أن انخفاض أسعار البترول بسبة 15% يدفع اقتصاد العالم الى الهوّة”.

وأوضح أن “منطقة الشرق الأوسط تحتوي على أكثر من 60% من مخزون البترول في العالم. ما يبرر مدى إهتمام الدول المتطورة في المنطقة وعلى رأسها أميركا.أما من ناحية الإستهلاك، فنلاحظ وجود قطبين: الأول مستهلك ومؤلف من الدول الصناعية الكبرى وبعض الدول في طور النمو. والثاني مُصدر ومؤلف من دول الخليج العربي وروسيا وغرب أفريقيا”.

كما أن ازدياد إستهلاك النفط في العالم الناتج عن زيادة عدد سكانه وبدء عملية نضوب النفط في الدول الشرق أوسطية لما لها من وزن في الإنتاج العالمي (60%) والحالة السياسية التي تمر فيها هذه البلاد، تزيد من إهتمام العالم الغربي وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية بحقول نفط جديدة بهذه المنطقة نظراً لما لها من خصوصية جيولوجية.

وكما أن النفط هو مادة محدودة الكمية، ككل ثروة طبيعية، فإن إرتفاع نسبة الإستهلاك، وبذلك الإنتاج، يتم على حساب المخزون ويضع البشرية أمام عدد من التحديات التي يجب التغلب عليها لإستمرار الإستفادة من النفط.

دلائل ملموسة
وأشار عجاقة الى أنه وضمن برنامج لتقدير موارد النفط والغاز القابلة للاسترداد في مستجمعات المياه ذات الأولوية في جميع أنحاء العالم، قامت المنظمة العلمية US Geological Survey التابعة للحكومة الأميركية بمسح وتقدير جيولوجي للموارد غير المكتشفة من النفط والغاز في منطقة شرق حوض المتوسط. وتبلغ مساحة هذا الأخير نحو 83000 كيلومتر مربع

وقال: “تم الأخذ في الاعتبار إمكانية وجود صخور نفطية كمصدر محتمل من العصر الترياسي، العصر الجوراسي، العصر الطباشيري، أواخر العصر الطباشيري، العصر الميوسيني، والعصر البليو- بليستوسيني. كما وقامت المنظمة بالأخذ في الاعتبار جميع الزيوت المعدنية وخليط من هذه السوائل لعدم إمكانية التمييز بين العائلات الجينية من النفط أو الغاز مع البيانات الجيوكيميائية الموجودة في نفس الطبقات.وقدمت شركة سبكتروم البريطانية أرقاماً قريبة جداً من أرقام الـUSGS ليكون بذلك تأكيد من مصدرين على الإحتمال العالي لوجود كميات النفط المشار اليها”.

وعما إذا كان للبنان حق في هذه المصادر المكتشفة، أكد أن “شركة Petroleum Geo-Services أشارت الى أن تجانس الحوض الشرقي للمتوسط يقترح وجوداً عالياً من الهيدروكربونِ في الجانبِ اللبناني ما يُثبت بشكل علمي أن لبنان مفضل للبترول أكثر من بقية الدول”.

وتابع: “نشرت شركة نوبل إينرجي على موقعها الالكتروني، صوراً للحقول المكتشفة حديثاً والمسماة : ليفياتان، تمار وداليت. وقد قمنا بمقارنة مختلف الصور ووجدنا أن الحقول على بعض الصور تذهب بعيداً في العمق اللبناني وتتعارض في ما بينها ما يدل على نية دمغ الحقائق عبر ترويج المعتقد أن الحقول النفطية تتوقف عند أبواب لبنان”.

وشدد على أن القانون البحري الدولي يحدد منطقة تُسمى الحدود الإقليمية والتي تمتد على بعد 12 ميلا في البحر. وتُعتبر هذه المنطقة أرضا تابعة للدولة. ويُعَرِّف هذا القانون أيضاً ما يُسمى بالمنطقة الإقتصادية الخالصة والتي تمنح الدولة حقوق الإستفادة إقتصادياً من منطقة تُحدد بالتوافق مع الدول المجاورة. وهذه النقطة مصدر خلاف مع إسرائيل”.

وقال: “قامت إسرائيل بترسيم حدود منطقتها الإقتصادية الخالصة إنفرادياً وهو ما رفضه لبنان عبر الرسائل التي وجهها الى الأُمم المتحدة. والمشكلة تكمن في أن إسرائيل قامت برسم خط عمودي على الخط الذي يجمع بيروت بحيفا. والإعتراض اللبناني يكمن في أن الحدود البحرية يجب أن تكون إمتدادا للحدود البرية ما يُعطي لبنان حصة في آبار لافياتان وتمار. وبما أن الحقول هي حقول غاز فخوف إسرائيل أن يقوم لبنان بشفط هذه الخزانات وهذا ما لا تُريده إسرائيل ويشكل إعترافا ضمنيا بحق لبنان في هذه الحقول”.

خطة العمل
وقارب ملف النفط اللبناني من جوانب عدة منها القانوني، التقني والاقتصادي. وتحدث عن خطة عمل لتنفيذ الحلول المقترحة بهدف الوصول الى الهدف الأسمى الا وهو إستخراج النفط. وعلى الصعيد القانوني، رأى أن “المنطقة الإقتصادية الخالصة أولى المشاكل المعقدة هي بين لبنان وإسرائيل والتي هي عبارة عن قنبلة موقوتة. إضافة الى المشكلة التركية-اليونانية التي تؤثر على تصديق المعاهدة الموقعة بين لبنان وقبرص. والحدود البحرية بين لبنان وسورية والتي يرتبط مصيرها بمصير الحدود البرية…

وأوضح أن “أهم نقطة سوداء في قانون النفط اللبناني الذي أُقر حديثاً هي إستقصاء اليابسة علما بأن شركة إيتينرجي (ETENERGY) النرويجية قامت بمسح اليابسة من نهر إبراهيم الى طرابلس ووجدت أن نسبة إحتمال وجود نفط في منطقة نهر إبراهيم على عمق 600 متر هي نسبة عالية جداً. وقال: “قامت وزارة الطاقة بطلب نتائج المسح من الشركة البريطانية ولكن هذه الأخيرة رفضت إعطاء النتائج بدون دفع تكاليف المسح من قبل الدولة اللبنانية والتي تبلغ بحسب الشركة ثلاثين مليون دولار أميركي”.

يفتقر لبنان الى سياسة نفطية واضحة من ناحية الإستراتيجيةِ المتبيّنة. فلا سياسة واضحة من ناحية الموارد البشرية، البنية التحتية، التنمية الإجتماعية، حماية المصادر الطبيعية اللبنانية…

أما من الناحية التقنية، فشدد عجاقة على الافتقار الى البنية التحتية، الأجهزة البحرية، الخدمات الإدارية المتعلقة بموضوع النفط والتي لا تستقل عن باقي الخدمات الإدارية العادية ناهيك عن الحاجة الى برامج تدريب لتأهيل الموادر البشرية اللازمة.

وعن مردود إستخراج النفط في حال وُجد، أوضح “أن مردود الغاز سيكون الأعلى وأن المردود الكلي (نفط وغاز) سيبلغ في أسوأ الأحوال 370 مليار دولار صافيا من كل كلفة وبأحسن الأحوال 1700 مليار دولار صافيا من كل كلفة”.

وقال: “من هذا المنطلق قمنا بتقييم المدة اللازمة لسد الدين العام بعدة فرضيات: وهنا نجد أنه في أسوأ الأحول يلزمنا 35 عاماً لسد الدين العام وفوائده التي إفترضناها 8% بحسب تصريح رئيس حكومة السابق سعد الحريري. وثلاثة أعوام في أفضل الأحوال علماً بأننا افترضنا أن سد الدين العام يعتمد كلياً على مدخول النفط” .

ودعا الحكومة إلى:
ـ وضع استراتيجية شاملة لموارد الطاقة.
ـ وضع خارطة طريق لاستخراج النفط قبالة الشواطئ اللبنانية والتي تُحدد كل ما يجب عمله بدءا من تأكيد حقها في النفط وحتى بدء عمليات إستخراج النفط.
ـ تعديل قانون النفط ليشمل اليابسة.
ـ بناء ملف قانوني عن المنطقة الاقتصادية الخالصة بلبنان بهدف عرضها على المحافل الدولية وبخاصة الأمم المتحدة.
ـ وضع برنامج تدريبي بالتعاون مع الجامعات لإعداد الايدي العاملة اللازمة.
ـ إعداد دراسة اقتصادية شاملة لتمويل البنية التحتية النفطية والإستثمارات تشمل كل السيناريوهات الممكنة بما فيها الإستدانة.
ـ الحصول على الدراسة التي قامت بها الشركة النرويجيةETenergy والتي تشمل مسح اليابسة من منطقة نهر ابراهيم حتى طرابلس.
ـ تشكيل فريق من الخبراء لإنشاء وتعديل الاستراتيجية النفطية.
ـ الإستفادة من عمل الجيش اللبناني على المنطقة الاقتصادية الخاصة.

رغم ما تشهده منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط من عدم استقرارٍ سياسيّ، إلا أن الاهتمام في ترجمة أيّ موارد نفطية محتملة لفائدة دائمة لمجتمعنا يجب أن يوحّد المعنيين من خلال تسريع الافساح في المجال أمام التنقيب عن النفط في أقرب وقتٍ ممكنٍ، وعبر تشكيل لجنة مشتركة من الدول المعنية بالاكتشافات النفطية الحديثة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط للتنسيق على خطة ترسيم الحدود. وفي انتظار الاستجابة الى المطلب الاقتصادي… تصبحون على نفط. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.