اللبناني يركب في قطار الجهل؟

0

في نظرة فكرية إلى ما يعيشه العالم العربي، يظهر إلى العلن الحنين إلى الفكر العربي القديم. هذا الفكر الذي وُجد قبل إكتشاف النفط وترك لمساته في علومنا المُعاصرة، غاب مع بدء عصر النفط ولا شيء يوحي بعودته خصوصاً عندما نرى اللبناني يتبع الجهل.   

ليبانون فايلز / بروفسور جاسم عجاقة

 من أرسطو مروراً بإبن خلدون، ماركس، ليون ولراس، هاروسكي وغلياني وصولاً إلى ويكسل وكينز، أسماء عظماء خلدهم التاريخ بما قدموه للفكر الاقتصادي والإجتماعي المعاصر. أفكار أوصلت المجتمعات الحديثة إلى ما هي عليه اليوم من تطور إستفادت منها البشرية لكي تضع القوانين والسياسات التي تخدم مصالح البشرية.

فعلى سبيل المثال أرسطو الذي يُعتبر من أكبر المفكرين في تاريخ البشرية، أغنى هذه الأخيرة بمؤلفاته الفلسفية والفيزيائية وحتى الاقتصادية. وماذا نقول عن إبن خلدون الذي طوّر نظرية تاريخية مبنية على الحركات الكبرى للمجتمعات مع تأملات في الاقتصاد حديثة ومفاجئة في الوقت نفسه.

نعم هذا هو تاريخ الفكر، أسماء كبيرة طبعت التاريخ وإستمرّت في المجتمعات الغربية والمُتطورة كاليابان التي بنت إقتصادها على الفكر وهي التي خرجت من الحرب العالمية الثانية في حال يرثى لها. واليوم أصبحت اليابان بفضل فكر أبنائها المعاصرين من بين القوى الاقتصادية الثلاث الأكبر في العالم.

وماذا نقول عن ألمانيا التي تُشبه قصتها إلى حد كبير قصة اليابان، وهي اليوم كأول قوة إقتصادية أوروبية وخامس قوة عالمياً. أما في الولايات المُتحدة الأميركية، فقد أخذ الفكر تطبيقه في كل المجالات حتى السياسية والأمنية والإجتماعية وخصوصاً الاقتصادية وأصبحت أميركا تتربع على عرش العالم كأول قوة إقتصادية لا يُنازعها أحد عليه.  كل هذا بفضل الفكر الذي تدفع الولايات المتحدة الأميركية أموالاً طائلة سنوياً بهدف ترجمته في الحياة الاقتصادية.

أما في البلدان الشرق أوسطية وخصوصاً العربية، فقد تم إحراق مكتباتها على يد البرابرة كمكتبة العراق الكبيرة التي تمّ حرقها على يد حفيد جنكيز خان في العام 1258.

المواضيع المتعلقة

وكما يقول المثل الشهير “عندما نحرق كتب، نحرق معها رجال”،  أخذ الفكر العربي بالتراجع وبلغ أوج إنحطاطه مع ولوج عصر النفط حيث لا يُسجل تقريباً أي مساهمة فكرية عربية على الفكر العالمي وأصبح دولار النفط يشتري الفكر الأجنبي. أما البلدان العربية غير النفطية فقد كانت مساهمة مفكريها أدبية بالدرجة الأولى.

وهنا يُمكن طرح السؤال عن من يُولّد الأخر: الفكر أم الاقتصاد؟

من الواضح أن الاقتصاد يُمّول الفكر ويدعمه عبر وضع الوسائل أمام الإنسان، إلا أنه لا يُمكن أن يُولّد الفكر. وعلى العكس، الفكر القوي يستطيع أن يُولّد الاقتصاد وهذا ما حصل في عدة بلدان ككوريا الجنوبية، الولايات المُتحدة الأميركية، اليابان، ألمانيا… وغيرها من الدول التي تعّي أهمية الفكر في تطوّر الإنسان.

في القرن الماضي، كان المجتمع اللبناني يتباهى بإختلاطه بالمجتمع الغربي حيث العلم والمعرفة والفكر. وحتى كان يكفى للمرء أن يتحدّث لغة أجنبية لكي يتباهى بمعرفته ثقافة هذا البلد أو ذاك. أما اليوم وللأسف، نرى أن اللبناني في حياته السياسية والإجتماعية والإقتصادية يتبع دولًا يشتري إقتصادها الفكر الغربي. وغاب اللبناني عن الحياة الفكرية حيث لا يُسجّل التاريخ أن اللبناني ساهم في الحياة الفكرية أكانت سياسية، إقتصادية، إجتماعية أو فلسفية.

أين أمين الريحاني، وجبران خليل جبران وغيرهم من المفكرين اللبنانيين؟ مع الأسف، أصبح اللبناني يركب في قطار الجهل الذي يقوده إلى التطرف والتخلف والمذهبية. نعم هكذا يُمكن وصف اللبناني اليوم! هل التبعية الحالية لدول إقليمية تعود بالخيرعلى لبنان أقلّه على الصعيد الفكري؟ الجواب كلا بالطبع.

كل ما يُميّز العالم العربي اليوم هو الموارد الطبيعية التي يملكها وشهادات الدكتوراه التي أصبحت تُباع وتُشترى في سوق الجهل والتخلف. ويُضحكنا المسؤولين بمواعظهم عن الإنتماء الوطني والمصلحة الوطنية ومستقبل الأجيال التي وبدون أدنى شك ستخجل من جيلنا لأنه كان يعيش الجاهلية في عصر المعلومات والمعلوماتية.

مما لا شك فيه أن التاريخ لن يذكر العربي المعاصر وخصوصاً اللبناني إلا بحروبه العبثية وسيحرمه من شرف الورود على لائحة شرف المفكرين الذين أغنوا البشرية بفكرهم وعطائهم.

مصدر ليبانون فايلز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.