كي لا يكون المسيحيون رقم 2 في الشرق

0

من القومية إلى العلمانية والشيوعية مروراً بالبعثية، لم يتوقف المسيحيون عن ضخ الفكر السياسي الذي يحفظ وجودهم في هذا الشرق. لكن وبعد أكثر من مئة عام على بداية هذا الفكر عادت المذهبية بقوة لتحصد الأخضر واليابس في شرق أوسط أقل ما يُقال أنه على فوهة بركان. فهل تكون اللامركزية الحل لكي لا يكون المسيحي الرقم 2 في الشرق؟

ليبانون فايلز / بروفسور جاسم عجاقة

القومية العربية…

حكم العثمانيون الجزيرة العربية مدة 500 سنة مارسوا خلالها أبشع وسائل التسلط على الشعوب العربية. وفرضت الدولة العثمانية على المسيحيين جزية وقامت بتجنيد الشباب العربي في جيشها لحماية الدولة العثمانية. ولكي لا تقوم الشعوب العربية بالثورة ضد الحكم العثماني، قامت بتسويق فكرة جعل الدين الإسلامي دين دولة وشعارها وبذلك يتم إرضاء العرب المسلمين تحت هذا الشعار ولجم طلبهم بالإستقلال.

لكن المسيحيين الذي كانوا منخرطين في الحياة الاقتصادية ورواداً في الحياة الاجتماعية ولكي لا يعيشوا أهل ذمة، دفعوا بإتجاه القومية العربية التي كان هدفها فصل العرب عن الأتراك وعدم جعلهم يشعرون أنهم مرتبطون بالأتراك بالدين بل مرتبطون قومياً بالمسيحيين. وظلّ هذا الفكر سارياً حتى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حيث لاقت أوج مجدها في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر وماتت بموته.

ومن المفكرين المسيحيين العرب الذين جهدوا في صقل الفكر القومي العربي، يُمكن ذكر ناصيف اليازجي، قسطنطين زريق، المطران الماروني يوسف الدبس، جرجي زيدان، ونجيب عازوري مؤسس عصبة الوطن العربي.يؤمن أصحاب الفكر القومي العربي بالعروبة “كعقيدة ناتجة عن تراث مشترك من اللغة والثقافة والتاريخ إضافة إلى مبدأ حرية الأديان”، وهدفهم الأساسي هو الوحدة العربية.

وقد نجح أصحاب هذا الفكر في نشره عند أشقائهم المسلمين ساعدهم في ذلك عاملان: الأول بطش الإستعمار العثماني بالبلدان العربية وفرض سياسة تتريك هذه البلدان، والثاني مناهضة العرب المسلمين عموماً للفكر الإسلامي الآتي من خارج العرب (الأتراك والفرس).

وأتت الدعوة القوية للقومية العربية في القرن التاسع عشر كردة فعل على سياسة جمعية “الاتحاد والترقي” التي قمعت العرب، وجمعية “طولون التركية” والتي عملت على تتريكهم وإلغاء وجودهم الثقافي. كل هذا في ظل فشل الرابطة الإسلامية والقمع المتزايد والأزمات الاقتصادية، مما أدّى إلى إلتفاف عرب المشرق حول القومية العربية للانعتاق من النفوذ التركي.

القومية السورية…

القومية السورية هي عبارة عن فكر قومي يؤمن بدولة سورية منتشرة على مدى الهلال الخصيب. هذه الدولة لها كيان سياسي وثقافي خاص بها ومختلف عن الفكر الثقافي والسياسي في باقي الدول العربية.

وأول المفكرين المسيحيين الذين نادوا بالقومية السورية هو بطرس البستاني الذي نشر جريدة “نفير سوريا” خلال حرب الجبل في لبنان في العام 1860 حيث عارض كل أشكال الطائفية في جملته الشهيرة “حب الوطن من الإيمان”. وتُعارض القومية السورية القومية العربية من منطلق أنها لا تتشارك مع العرب (الخليج والمغرب) لا ثقافتهم ولا حضارتهم.

لكن هذا الفكر فشل في جمع مؤيّدين له من كل دول الهلال الخصيب لا بل على العكس، إعتبره البعض خرقاً للسيادة الوطنية. ومن أبرز المفكرين المسيحيين العرب أنطون سعادة.

الفكر العلماني…

الفكر العلماني هو فكر فلسفي يوناني قديم يعني فصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية. وهذا يعني أن الدولة لا تعمد إلى التدخل في المعتقدات الدينية ولا الطقوس التي يمارسها المواطن مهما كان مذهبه كما أن الأنشطة البشرية والقرارات السياسية لا تكون خاضعة لتأثير المؤسسات الدينية.

في لبنان، دفع الطائف في هذا الإتجاه تحت تأثير التيارات المسيحية إلا أن الحكومات طبقت كل سلبيات الطائف وتناست الإيجابيات وعلى رأسها إلغاء الطائفية مما دفع إلى وصول لبنان إلى ما هو عليه اليوم. مع العلم العلمانيين العرب منذ زمن طويل هم مسيحيون.

الفكر البعثي…

قام ميشال عفلق بطرح أيديولوجية “الفكر البعثي” الذي هو عبارة عن نظرة قومية عربية تُشجع التطوير وتهيئة الأمة العربية عبر ريادة حزبية تُساعد على تطور ثوري لدولة تقدمية.

فالمجتمع البعثي بحسب عفلق “يسعى للتنوير والنهضة والانبعاث للثقافة العربية، والقيم والمجتمع” ويرفض التعددية السياسية حيث يُفضل العيش في ظل الحزب الواحد. لكن غياب التعددية السياسية أدّى إلى فشل هذا الفكر في تلبية رغبات وطمحوات الشعوب حيث يوجد هذا الفكر.

الشيوعية…

تبلور الفكر الشيوعي في العالم العربي مع فرج الله حلو وهذا الفكر عبارة عن فكر إجتماعي وسياسي واقتصادي ينبع من الماركسية اللينينية. وينص هذا الفكر على أن الشيوعية هي مرحلة معينة من مراحل التطور التاريخي يطور بها المجتمع القوى المنتجة مما يسمح بغزارة في الثروة المادية وتوزيع مبني على الاحتياجات والعلاقات الاجتماعية التي تعتمد على حرية الأفراد.

وفشلت الشيوعية في بث تعاليمها على الرغم من المجد الذي أخذته بعيد الحرب العالمية الثانية ويعود السبب الأساسي في هذا الفشل إلى الأحادية التي إعتمدها هذا الفكر والتطبيقات الشاذة التي قامت بها عدد من الدول.

أخر الحلول…

ثمة قاسم مشترك بين دعاة القومية العربية، القومية السورية، العلمنة، والشيوعية وهو أن لا يكون المسيحيون رقم 2 في هذا الشرق. ومع فشل هذه الأيديولوجيات في الوصول إلى أهدافها تأتي المناداة المسيحية باللامركزية الإدارية كميثاق جديد يحفظ حق المسيحي في هذا الشرق، ولتكن المنافسة بين الأفرقاء منافسة إقتصادية وإجتماعية بحتة لما فيها من خير للمواطن اللبناني بغض النظر عن مذهبه.

هذا الأمر سيجعل التلاحم الوطني أكبر مما هو عليه اليوم بدون أدنى شك وكلما زادت صلاحيات المنطقة كان الإنتماء إلى الوطن أقوى خصوصاً أن الواقع على الأرض يُظهر أن المجتمع اللبناني بدأ عملية الفرز المذهبي جغرافياً، فكل فريق له منطقة نفوذ ويمارس فيها صلاحيات (أكانت شرعية أو لا) لما يراه خير لمنطقته.

اللامركزية هي عبارة عن تنظيم إداري أساسي في الأنظمة الديموقراطية. ويصف ليونارد وايت اللامركزية على أنها “مفهوم شامل ينص على نقل السلطة – أكانت تشريعية، إقتصادية، سياسية أو تنفيذية – من المستويات الحكومية العامة إلى المستويات الدنيا.

وأهمية اللامركزية في الأنظمة الديموقراطية تأتي من منطلق أن تطبيقها يسمح بزيادة الوعي لدى المواطن عبر مشاركته في القرارات الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية. كما أنها تُسهل الحياة العملية اليومية للمواطن وتُحمّل ممثل الشعب مسؤولية كبيرة وتسمح بمساءلته.وبدأ الحديث عن اللامركزية عند بعض الأطراف المسيحية في لبنان منذ القرن الماضي، لكن المسلمين اللبنانيين أخذوا هذا الإقتراح على أنه دعوى للفديرالية وبالتالي تقسيم للبنان.

إلا أنه ومع التأجج المذهبي الي فرضته ظاهرة “داعش” والأزمة السورية، يعود هذا الملف بشقه الإداري إلى الواجهة كحل وحيد يضمن حقوق الأقليات الدينية في ظل ترابط عضوي للأطراف اللبنانية بدول إقليمية ودولية.

وفي ظل تشدد المواقف السياسية التي تشلّ الحياة الاقتصادية والإجتماعية، نرى أن عدم تطبيق اللامركزية سيكون من نتائجه المواجهات المسلحة بين مكونات المجتمع اللبناني.وبعد فإلى الذين يخافون أن تؤدي اللامركزية إلى التقسيم، نقول لهم لما لا تؤدي هذه اللامركزية إلى وحدة وطنية حقيقية؟

مصدر ليبانون فايلز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.