أيسلندا: دروس للبنان

0

في خطوة فريدة من نوعها، أخذت الحكومة الإيسلندية قراراً بتخفيض الدين العقاري الذي ترزح تحته العائلات في إيسلندا. وهذا التخفيض الذي قد يصل إلى 33 ألف دولار أميركي لبعض العائلات يُذكّرنا بوضع العائلات اللبنانية التي ترزح أيضاً تحت عبء ديون عقارية. فما هي الدروس الواجب الإقتياد بها؟

ليبانون فايلز / بروفسور جاسم عجاقة

الاقتصاد الإيسلندي…

في الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في العام 2008، كانت إيسلندا تتمتع بإقتصاد مُزدهر مع ناتج محلي إجمالي للفرد يُوازي 57 ألف دولار أميركي، نسبة بطالة 2.6%، تضخماً بنسبة 6.7% ونموّاً بنسبة 2.9% (أرقام العام 2006).

وتتميز هيكلية الاقتصاد باعتمادها على الزراعة بنسبة 6%، الصناعة 21% والخدمات 73%. وتبلغ الصادرات 5.8 مليار دولار أميركي (2007) وتذهب معظمها إلى أوروبا والرابطة الأوروبية للتجارة الحرة (AELE).

أما الإستيراد فيبلغ 6.2 مليار دولار مما يعني أن إيسلندا تُعاني عجزاً تجارياً مزمناً أظهرت أزمة العام 2008 مدى خطورته. وبلغ الدين العام 10.9 مليار دولار أي 90.9% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2007 وارتفع بفعل أزمة العام 2008 إلى 108% هذا العام.

ويعتمد الاقتصاد الإيسلندي، بنسبة كبيرة، على صيد السمك والذي يزن ما يقارب الـ 60% من الصادرات الإيسلندية. لذا نستنتج أن نمو الإقتصاد مرتبط بنسبة كبيرة بسوق السمك في العالم والذي يُساعده عاملان أساسيان: زيادة عدد سكان العالم وقلة اللحوم المتوفرة للإستهلاك والتي ستظهر عواقبها الوخيمة في حلول العام 2050.

وتُصدّر إيسلندا إضافة إلى السمك، الألومينيوم، معادن حديدية أخرى، وثياب من الصوف.

من إحدى خصائص الاقتصاد الإيسلندي، التضخم العالي في هذا البلد. ففي العام 1973، أثرت أزمة البترول بشكل هائل على هذا الاقتصاد وبلغ التضخم الـ 45% ووصل إلى عتبة الـ 60% في العام 1980. وبدأت السياسات الاقتصادية المُتبعة من قبل الحكومات آنذاك بإعطاء مفعولها حيث انخفض التضخم إلى 30% في العام 1988 و2.5% في الـ 2001.

لكن التطور العقاري دفع من جديد بالتضخم إلى عتبة الـ 4% وذلك على الرغم من السياسة النقدية المبنية على رفع الفوائد. ونظراً إلى المَشْحة الإشتراكية لهذا الإقتصاد، زاد التضخم إلى 7% بفعل زيادة الأجور في العام 2006.

عندما نشأت أزمة الـ Subprimes في الولايات المُتحدة الأميركية، أخذت الأزمة المالية بالتمدد إلى دول العالم وخصوصاً تلك التي كان لها إستثمارات في الأسواق الأميركية. وأول دولة خارجية ضربتها الأزمة كانت إيسلندا التي استثمرت بشكل كبير في هذه المشتقات السامة. ومن عواقب هذه الأزمة ضرب العملة والتي فقدت ما يُوازي الـ 60% من قيمتها، وزيادة نسبة التضخم حيث بلغ الـ 15% مع إنخفاض الناتج المحلي الإجمالي الفردي من 52 إلى 27 ألف دولار أميركي في تشرين الأول من العام 2008.

وزاد حدة هذه الأزمة النفخ في ميزانيات المصارف المحلية والاستراتيجيات الخطرة التي اعتمدتها المصارف عبر زيادة ديونها للاستفادة من مفعول الرافعة والتي بلغت حد الخمسين (Leverage).

وهذه الاستراتيجيات أدت إلى حد إفلاس إيسلندا التي عمدت الى تأميم الثلاثة مصارف الأساسية كما والتعهد بدفع مستحقات المستثمرين الأوروبيين في المصارف الإيسلندية.

وللذكر بلغ حجم المصارف 100% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2001 ليقفز إلى 1000% في العام 2003. كل هذا ترجم بزيادة في الدين العام ليبلغ 9.6 مليار دولار في النصف الأول من العام 2008.

تخفيف الديون العقارية خطوة لتحفيز النمو

خلال الانتخابات النيابية الأخيرة في إيسلندا، قام الحزب التقدمي بإطلاق وعد يقضي بتخفيض الديون العقارية في حال وصوله إلى سدة الحكم. وهذا ما حصل حيث قامت الحكومة بتنفيذ هذا الوعد الإنتخابي والذي ينص على تخفيض الدين لكل عائلة (Ménage) تمتلك قرضاً عقاريّاً.

ويُحدد نسبة التخفيض عاملان أساسيان: الأول حجم القرض العقاري والثاني مدخول العائلة. وهذا التدبير الذي سيطال 80% من العائلات الإيسلندية، سيسمح لبعض العائلات بالإستفادة من تخفيض قد يصل إلى 33 ألف دولار أميركي لتصل التكلفة الإجمالية إلى 1.2 مليار دولار أميركي موزعة على أربع سنوات مالية.

لكن هذا الإجراء ليس الوحيد، فقد أقرت الحكومة أيضاً أن من يُسدد دينه العقاري من مُدخراته، سيُعفى من الضرائب. هذه الإجراءات تتعدى كونها مجرد وعد انتخابي، إذ أن تخفيض الديون سيُترجم بزيادة القوة الشرائية لدى 80% من المستهلكين.

مما سيدفع الإستهلاك إلى الصعود أقله بنسبة 70 إلى 75% من حجم الكلفة (أي 1.2 مليار دولار) وبالتالي سيُسجل النمو ارتفاعاً ملحوظاً ويتحول إلى ديناميكية تجلب النمو أكثر فأكثر. كما أن تسديد الديون العقارية من المدخرات سيسمح بتحرير أموال قد تُستخدم في الإستثمار مما يعني أيضاً زيادة نسبة النمو لإقتصاد يوازي اليوم 13 مليار دولار أميركي.

مقارنة مع الوضع في لبنان…

حجم الإقتصاد اللبناني أكبر من حجم الإقتصاد الإيسلندي. فالناتج المحلي الإجمالي بلغ 39 مليار دولار في العام 2011 أما الدين العام فقد قارب الـ 134% من الناتج المحلي الإجمالي. وشهد القطاع العقاري في لبنان نموّاً غير اعتيادي في الأعوام 2003 إلى 2010 ودفع بالأسعار إلى مراتب عالية لم يعد بمقدور اللبناني معها شراء شقة أوعقار.

لكن نسبة كبيرة من اللبنانيين استطاعت شراء عقارات بفضل الدعم الخارجي الآتي من المغتربين اللبنانيين وتمويل المصارف لقسم من هذه العقارات. وشهد القطاع المصرفي نمواً ملحوظاً بفضل ازدياد الودائع. وبقي هذا القطاع بمنأى عن الأزمة المالية العالمية من ناحية عدم استثماره في المشتقات المسمومة (تعميم مصرف لبنان).

وإذا ما نظرنا إلى وضع العائلات في لبنان نرى أن الناتج المحلي الفردي يبلغ 9862 دولار أميركي مقارنة بـ 41739 دولار أميركي للفرد الايسلندي. كما أن نسبة الفقر في لبنان تُقارب الثلت في حين أنها لا تتخطى الـ 10% في إيسلندا.

ومن هنا نطرح السؤال عن الإجراءات التي اتخذها حكامنا في لبنان للتخفيف عن كاهل المواطن؟ في الحقيقة لا يوجد أي إجراء لا بل على العكس يتزعزع الإقتصاد اللبناني يوماً بعد يوم وتتردى حالة المالية العامة مع زيادة الدين العام وعجز الموازنة. لذا، يتوجب الوقوف على دور الأحزاب الحاكمة في الدول الأجنبية التي لا تنفك تبحث عن إجراءات تُسهل حياة المواطن أي أن الحكام يسعون لخدمة شعوبهم. في حين أنه في لبنان، نرى أن الشعب هو في خدمة الحكام والأحزاب، وأكبر دليل على ذلك ما يحصل في طرابلس التي تستنزف بنيتها الاقتصادية إرضاءً للزعماء.

مصدر ليبانون فايلز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.