نظرة إقتصادية على الإتفاق «النووي» الإيراني

0

شهدت العلاقات الإيرانية الأميركية إنفراجاً تاريخياً هو الأول من نوعه منذ وصول النظام الحالي الحاكم في إيران إلى سدّة السلطة. هذا الإنفراج الذي تترجم بإتفاق جزئي على الملف النووي الإيراني، سيكون له تداعيات إستراتيجية على الأمن والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط. 

الجمهورية / بروفسور جاسم عجاقة

تعيش إيران في ظل العقوبات الإقتصادية والمالية الدولية منذ عقود. وقد إستطاعت الجمهورية الإسلامية في إيران التعايش مع هذه العقوبات فترة طويلة كونها طاولت المواد والسلع التي يُمكن إستخدامها في التصنيع العسكري والنووي.

ولكن مع تسريع البرنامج النووي الإيراني زادت العقوبات لتطاول القطاع المصرفي والغذائي والصحّي وغيرها. وإشتدّت مراقبة تطبيق هذه العقوبات خصوصاً من قبل الأميركيين الذين إستطاعوا كشف بعض المصارف التي تتعامل مع إيران على الرغم من العقوبات (مصرف أش أس بي سي البريطاني).

إذا كانت إيران قد خسرت على الصعيد الإقتصادي نتيجة هذه العقوبات، إلا أنها ربحت على الصعيد السياسي. فقد شرعنت هذه العقوبات الخطاب المعادي للغرب، وخصوصاً ضد الولايات المُتحدة الأميركية، من قبل النظام الحاكم الذي إزداد دعمه من قبل الشعب عبر معاملة إيران على أساس ديني.

وحدّت العقوبات من قدرة طبقة من رجال الأعمال المعارضين للنظام على تطوير أعمالهم الخاصة عبر التجارة الحرة مع العالم وجعلت العقوبات المواطن الإيراني أكثر إعتماداً على الدولة التي تسيطر على أكثر من 80٪ من الاقتصاد. كما سمحت العقوبات للماكينة العسكرية بالسيطرة على أجزاء كبيرة من الصناعة الإيرانية.

لكن من وجهة نظر إقتصادية بحتة، تداعيات العقوبات الإقتصادية على إيران بديهية. ففي العام 2012، إنخفض تصدير البترول الخام من إيران إلى النصف مقارنة بالعام 2011 في بلد يُشكل فيه تصدير النفط أكثر من 80% من حجم الصادرات الإيرانية و50% من مدخول الدولة. ولكن العقوبات المصرفية كان لها التأثير الأكبر من ناحية أن إيران لم تستطع قبض ثمن النفط المُصدّر.

وقد خسر الريال الإيراني من قيمته مع ندرة الدولار الأميركي (من 10000 ريال لكل دولار في العام 2010 إلى 32000 ريال لكل دولار في العام 2013) ومع سياسة الدعم التي قام بها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد. وتوازى هذا التدهور في سعر صرف الريال مع إرتفاع التضخم إلى أرقام قياسية 36% (50% لبعض السلع الغذائية).

لكن هذا الإطار الأسود قابله نشاط كبير للشركات الغير نفطية التي صدّرت في العام 2012 ما يُوازي 40 مليار دولار خصوصاً مع دول مثل تركيا والعراق وأميركا اللاتينية. وقد إستطاعت إيران بواسطة شركات آسيوية أن تقبض قسم من هذا المبلغ مقابل عمولات هائلة.

لماذا حصل هذا الإتفاق؟

الجواب على هذا السؤال يبقى غير دقيق ومتعلق بمعرفة الجزء السرّي من هذا الإتفاق. بنظر الغرب، يجب منع إيران من إمتلاك السلاح النووي، وبنظر الإيرانيين، لا نية للجمهورية الإسلامية في إمتلاك السلاح النووي. إذاً القضية محلولة. نعم، ولكن هناك القسم المُتعلق بالشق الخفي أي المشاريع الخاصة لكل طرف والتي، بالمبدأ، غير معروفة من قبل الطرف الأخر.

منذ فرض سلة العقوبات الأخيرة على إيران، كان مسموحا لإيران أن تُصدّر النفط الخام إلى العالم وخصوصاً الهند التي لم تستطع تحويل المبالغ المُستحقة لإيران بسبب العقوبات المصرفية. فقد يكون للإيرانيين النية في إسترداد مستحقاتهم والتي تبلغ عشرات مليارات الدولارات والتي ستكون أكثر من أساسية لمجابهة تدهور الريال الإيراني.

كما أن النظام الإيراني ومع قساوة العقوبات الإقتصادية بدأ بمراجعة حساباته في حال طالت مدة هذه العقوبات (حالة كوبا). فطول العقوبات سيخلق رفضا شعبيا ويسمح بإستغلال الثورة التي سترى النور، سياسياً ضد النظام. فكان لا بد من مراجعة الحسابات على هذا الصعيد.

في الحقيقة، لا نعتقد أن إيران، كما يُصّورها البعض، هي على باب إمتلاك السلاح النووي وإلا لماذا هذا الإتفاق؟ أليس أجدى الذهاب إلى طاولة المفاوضات مع قنبلة نووية بدلاً من الذهاب بدونها؟ من هنا نرى أن الإيرانيين قاموا بحساباتهم التي، وبحسب رأينا، أوصلتهم إلى النتيجة التالية:

إن إمتلاك السلاح النووي ليس بمقدور إيران على المدى القصير، كما أن العقوبات تجلب على الإقتصاد خسائر بما يُوازي الثلاثين مليار دولار أميركي كل ستة أشهر (Cost of Opportunity). بدلاً من ذلك، لماذا لا يكون هناك إتفاق مع دول الخمس + واحد، يسمح لإيران بإستيراد المواد الغذائية والأدوية كما والأموال المُستحقة من الخارج مقابل النفط الخام المُصدّر؟

من ناحية الغرب هناك حسابات أخرى. فعجز حلف الأطلسي وإسرائيل عن ضرب إيران لإسباب إقتصادية ناتجة عن الكلفة المُباشرة للحرب (تريليونات من الدولارات) والكلفة غير المُباشرة الناتجة عن ضرب إيران لمنشآت نفطية خليجية في وقت يعيش فيه الإقتصاد العالمي حالة من الركود (بإستثناء عدد من الدول كألمانيا)، دفعت بالغرب إلى الإعتراف بحق إيران بإمتلاك التقنية النووية لإغراض سلمية وقطع الطريق عليها في ما يخصّ تخصيب اليورانيوم. وللتذكير، ليس كل من يملك التقنية النووية يستطيع بناء قنبلة نووية!

أيضاً يُمكن القول أن تخفيف العقوبات على إيران سيسمح لبعض دول الخليج العربي بتصدير مشتقات النفط لإيران مما سيدر مدخولا ماليا يُقدّر بين 5 و8 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى تخفيف الضغط على أسعار البترول التي يجب أن تكون ضمن المعقول للسماح لإقتصادات الدول المُتطورة بالنهوض.بالطبع، هناك عوامل سياسية وجيوستراتيجية أخرى دفعت في إتجاه هذا الإتفاق، لن نذكرها لأن هذا المقال هو مقال إقتصادي.

تداخل الإقتصاد والسياسة أعطى النتائج المرجوة…

يجب الإعتراف بأن العقوبات الإقتصادية لعبت دوراً كبيراً في تغيير موقف الجمهورية الإيرانية والتي يُشكك الإسرائيليون في نواياها ويعتبرون أن القبول الإيراني بالإتفاق مناورة من قبل الإيرانيين لأخذ الأوكسيجن لإقتصاد بدأت هياكله تُدّك نتيجة العقوبات. وإذا لم نكن في صدد تقييم النوايا، نرى أن تداخل الإقتصاد والسياسة سمح للحرب الإقتصادية التي يقوم بها الغرب على إيران بتلّيين موقف هذه الأخيرة وحملها على القبول بمبدأ “لا سلاح نووي في إيران”.

التداعيات الإقتصادية على لبنان

هناك إحتمال في حال طال الإتفاق تخفيف العقوبات الإقتصادية على القطاع المصرفي الإيراني، أن يكون هناك تحويلات مالية من وإلى إيران ضمن تبادلات تجارية بسيطة كما وضمن رغبة بعض الإيرانيين إخراج أموالهم من إيران. لكن لا يُمكن الحديث عن تداعيات إقتصادية لهذا الإتفاق على لبنان ما دامت الأزمة السورية مُستمرة.

فالأزمة السورية أظهرت وبشكل غير قابل للنقاش أن الإقتصاد اللبناني مُرتبط بشكل وثيق مع الوضع في سوريا. لذا إذا كان هناك من تداعيات إقتصادية فستمر عبر الشق الأمني والسياسي قبل أن تُترجم على الأرض بأي تقدم على الصعيد الإقتصادي.

مع اقتراب الذكرى الثالثة للأزمة السورية، يظهر للعلن ضعف الإقتصاد اللبناني الآتي من هشاشة النظام السياسي وشلله. لذا، يتوجب عند عودة المؤسسات الدستورية، إيجاد تشريع جديد يسمح بحماية الإقتصاد في حال أصاب الشلل هذه المؤسسات.

مصدر الجمهورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.