بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

النزوح السوري يدكّ هياكل الإقتصاد اللبناني

بين منح المُساعدات المشروط بفتح أسواق العمل للسوريين، وزيارة بان كي مون ورئيس البنك الدولي إلى لبنان وزيارة فرنسوا هولاند نهار السبت، يُطرح السؤال عن مدى جدّية مشروع التوطين الذي إذا ما حصل سيشهد لبنان بفعله ضربة إقتصادية قاضية تبدأ من سوق العمل. خمسة أعوام مرّت على بدء الأزمة السورية وبدء النزوح السوري إلى لبنان. في البدء لم يتوقع أحد، باستثناء صانعيها، مدى خطورة وإمتداد هذه الأزمة في الوقت. كذلك الأمر بالنسبة إلى المسؤولين اللبنانيين الذين لا يعون مدى الخطر الإقتصادي للنزوح السوري، على أساس أن العمّال السوريين موجودون في لبنان منذ زمن، وبالتالي لم يخطر في بال أحد أن الأعداد الهائلة من النازحين ستكون كارثية على سوق العمل في إقتصاد لا يخلق إلا بضعة آلالاف من الوظائف سنوياً مقارنة مع ما لا يقل عن مليون نازح سوري ذكر، جاهزون للعمل في السوق اللبناني. وأخطأ المسؤولون اللبنانييون في تقدير تداعيات النزوح السوري على سوق العمل اللبناني إلى حد أنه لا يوجد تقريباً أي إجراء للتخفيف من التداعيات السلبية إلا بعودة النازحين السوريين إلى سوريا.
قد يجد البعض في كلامنا هذا عنصرية تجاه السوريين، لكن ما يلي سيوضح موقعنا من هذه المُشكلة.
قامت إحدى الشركات اللبنانية الموجودة في كفرشيما بصرف ثلاثين عاملاً لبنانياً منذ شهر تقريباً. معظم هؤلاء من المُتقدمين في العمر ومن شبه المُستحيل أن يجدوا عملاً في مجال إختصاصهم بإعتبار أن الشركة هي الوحيدة من نوعها في لبنان، وهؤلاء العمّال غير مؤهلين للعمل في مجال آخر نظراً لأنهم قضوا سنين عمرهم في هذا المعمل. هذه الحكاية هي واحدة من مئات عمليات الصرف الجماعي التي تقوم بها الشركات اللبنانية لتوظيف عمّال سوريين مكان العمّال اللبنانيين. والملاحظ من معطيات السوق، أن الشركات الخدماتية هي التي تقوم بهذا العمل بالدرجة الأولى تليها الشركات الزراعية وفي المرتبة الأخيرة الصناعية. وإذا كانت الوظائف التي يحتلها السوريون في لبنان كانت تقتصر على الوظائف التي تتطلب مجهوداً جسدياً بدون مهارات عالية، إلا أنه ومنذ العام الماضي إستفحل بعض اللبنانيين بإسناد وظائف تتطلب مهارات عالية إلى سوريين، وتقوم بذلك بعض الشركات اللبنانية التي تعمل في مجال البناء والتي أصبحت تُسند أعمالاً هندسية إلى سوريين، أو صيدليات تُسند عملية البيع إلى سوريين.

 

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالعامل السوري والأجنبي عامة لا يُنفق مدخوله في لبنان بل يعمد إلى إرسال الأساس منه إلى ذويه في الخارج. وعلى هذا الصعيد، تقول أرقام البنك الدولي إن التحاويل التي قام بها العمّال العرب العاملين في لبنان إلى الخارج إنحصرت بشكل أساسي بثلاثة جنسيات: مصر، فلسطين، وسوريا. ويأتي العمال المصريون على رأس اللائحة مع 502 مليون دولار، يليهم الفلسطنيون بـ300 مليون دولار، وفي المرتبة الثالثة يأتي السوريون مع 282 مليون دولار. إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع بدقّة وخصوصاً في حالة السوريين من ناحية أن التحاويل لا تمرّ بالضرورة بالأقنية المصرفية بحكم القرب الجغرافي مع سوريا، وبالتالي فإن هذا الرقم لا يعكس إلا نسبة صغيرة من الأموال التي يُحوّلها العمال السوريين إلى سوريا. هذه الأموال تخرج من الماكينة الإقتصادية اللبنانية من دون أي إستفادة بحكم أن إستهلاكها في لبنان كان ليكون له تداعيات إيجابية على الإقتصاد اللبناني، خصوصاً أنها كانت لتزيد الإستثمارات. لكن للأسف الوضع مغاير. في المقابل، يتخرّج من الجامعات اللبنانية كل عام ما يزيد عن 16000 طالب ليجدوا أمامهم سوق عمل لا يستوعب إلا 3000 فرصة عمل. هذا الواقع يدفع إلى الهجرة نحو الدول العربية والغربية بحثاً عن لقمة العيش وسعياً وراء تجميع رأس مال يسمح لهم بشراء شقة سكنية والزواج. هذا الواقع الأليم ما هو إلا نتيجة ضعف الماكينة الإقتصادية اللبنانية التي ولضعف الإسثمارات لا تستطيع توفير فرص عمل لـ16000 خرّيج بحكم أن الوظائف بقسم كبير منها لا يتطلبّ مهارات عالية، وبالتالي من السهل إستبدال العامل اللبناني بآخر سوري وبكلفة أقلّ. وبالنظر إلى البيانات التاريخية لعدد النازحين السوريين ونسبة البطالة في لبنان، نرى أن النزوح السوري الكثيف أرخى بثقله على سوق العمل في لبنان، وبالتالي زادت البطالة بشكل نوعي،خصوصاً في العام 2014 و2015 بعد موجة النزوح الكبيرة بين 2013 و2014. وللتذكير، فإن تداعيات النزوح تظهر بفارق في الوقت بحكم أن النازح لا يبدأ العمل مباشرة عند وصوله إلى لبنان وقد يضطر إلى التنقل داخل لبنان ليجد فرصة عمل. وهنا، لا بد من القول إن العمال السوريين يتنافسون في ما بينهم على الوظائف خصوصاً المؤقتة. أما حكومياً، فنرى أن دعوة وزير العمل سجعان قزّي إلى مقاطعة الشركات التي توظف عمالاً أجانب أكثر من اللبنانيين، مُحقّة، لكنها غير قابلة للتطبيق. فاللبناني متواطئ في قضية العمالة الأجنبية ويوظّف سوري لأي عمل يحتاج إلى القيام به مع الحجّة الدائمة بأن العامل السوري أقلّ كلفة. وفعلياً نرى أنه بإستثناء القرار الذي إتخذه قزّي، لا يوجد أي إجراء حكومي يسمح بلجم العمالة الأجنبية التي في مُعظمها غير مُصرّح عنها، وتدخل تهريباً عن طريق سوريا وتعمل على الأرض اللبنانية من دون حسيب أو رقيب.
إن عمل اللبناني هو أساسي للماكينة الإقتصادية اللبنانية لأنه قسم منها. وعدم عمل اللبناني يضرب الإستهلاك والإستثمار، وبالتالي يمنع النمو. لذا، آن الآوان أن تعمد الحكومة إلى القيام بإجراءات دراستية أكثر.

رابط المدن

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

جاسم عجاقة لـ”النشرة”: كان من المفترض وضع رسم 7 و 8% على البضائع المستوردة

اعتبر الخبير الإقتصاد​ي والاستراتيجي البروفسور ​جاسم عجاقة​ أن خفض ​العجز​ الذي تحقق في موازنة العامة 2019 كاف باعتبار أن المطلوب كان خفضه الى 9% ويبدو أنه وصل نتيجة التعديلات الأخيرة الى قرابة الـ7.3%، مشددا على ان العبرة ليست بالارقام انما بالتطبيق لأنّ تجربة موازنة 2018 لم تكن مشجعة.
المزيد...

المصارف اللبنانية العمود الفقري للاقتصاد اللبناني

يُعتبر القطاع المصرفي اللبناني العامود الفقري للاقتصاد اللبناني حيث يؤدي دورا أساسيا في تمويل الاقتصاد إضافة إلى…

جاسم عجاقة لموقع المرده: الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر ومحميّة ووراءها دعم…

أكد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة أن “الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر وانها محميّة…

الخلافات السياسية أطاحت موازنة 2019 وجلسة اليوم مفصلية

«يا فرحة ما اكتملت!» بالفعل... لم تكتمل فرحة اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون الدخان الأبيض من مجلس الوزراء الأربعاء…

أبعد من السلام… حدود جغرافيّة بأقلام إقتصادية…

بالعودة الى الورشة الإقتصادية التي ستستضيفها العاصمة البحرينية المنامة في حزيران القادم، تحت عنوان "الرخاء من أجل…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More