أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

النفط للإنماء… حلم لبناني طويل

تُشير الأنباء إلى أن إتفاقا حصل بين القوى السياسية لإقرار مرسومي النفط. وإذا كانت هذه الأخبار إيجابية بالمُطلق، إلا أن عدداً من الأسئلة تستوجب الطرح وعلى رأسها الخطة الإنمائية التي تمتلكها الدولة اللبنانية التي من المفروض أن تقترن بالبدء بإستخراج النفط والغاز من البحر والبر اللبناني. على وتيرة التطورات الحالية، سيدخل لبنان منتدى البلدان المُنتجة للنفط في الأعوام القادمة (أقلّه ٧ سنوات). هذا الأمر هو نتيجة الثروة الغازية والنفطية التي يمتلكها لبنان نتيجة الإكتشاف الذي قامت به الوكالة الأميركية للطاقة USGS والتي قدّرت الكميات المُحتمل وجودها في الحوض الشرقي للبحر المُتوسط على النحو التالي: النفط – 1,689 مليون برميل، الغاز – 122,378 بليون قدم مكعّب، والغاز السائل – 3,075 مليون برميل. والمعالجة الإحصائية للأرقام التي أعطتها الوكالة تُثبت أن إمتلاك لبنان لثروة نفطية وغازية هو شبه أكيد كما يُظهر الرسم. وبالتالي فإن التعامل بحذر مع الكميات المُعلنة والتي يُبرزها بعض المسؤولين هي في غير محلها. أضف إلى ذلك المسوحات التي تعود إلى عدة مصادر وعدة تقنيات إضافة إلى إستخراج العدو الإسرائيلي لكميات هائلة من الغاز، تُثبت أن هذا الأمر شبه أكيد. وإذا كان من الصعب على القارئ معرفة أهمية هذه الثروة إلا أن حسابا بسيطا بأسعار النفط والغاز اليوم تُوصلنا إلى أرقام خيالية (على الرغم من إنخفاض الأسعار). فحصة لبنان المُفترض أن تُشكّل ثلث الكمية الموجودة أعلاه، تبلغ ٢٠٥ مليار دولار مع إحتمال ٩٥٪، و٩٣٠ مليار دولار أميركي مع إحتمال ٥٪. وتُثبت الحسابات الستوكاستيكية (Stochastic Simulation) التي قمنا بها، أن أسعار النفط بلغت حالياً الحد الأدنى وهذا الأمر تُثبته التحاليل الاقتصادية والتي تنص على أن كلفة إستخراج النفط لبعض البلدان الأساسية في سوق العرض تبقى عالية نسبة لأسعار مُنخفضة أكثر مما هي عليه اليوم. هذا للقول أن قيمة الثروة النفطية والغازية مُرجّحة للإرتفاع في الأعوام القادمة. هذا الأمر يبقى دافعاً أساسياً للمضي قدماً في مسيرة دخول لبنان إلى مُنتدى البلدان المُنتجة للنفط والغاز وبالتالي النهوض الاقتصادي للبنان. لكن ما هي خطة النهوض الاقتصادي والإجتماعي التي ستواكب العصر النفطي للبنان؟ هذا السؤال هو أمر أساسي ويتوجب على الحكومة (السلطة التنفيذية) أن تعمد إلى إطلاع الرأي العام اللبناني على هذه الخطة نظراً لحجم هذه الثروة ونظراً للفرصة الأخيرة التي يمتلكها لبنان للنهوض بإقتصاده. في منتصف ستينات القرن الماضي، قامت النروج بالتنقيب عن النفط وتمّ البدء بإستخراجه في العام ١٩٧١. وأخذت النروج منذ ذلك الوقت بزيادة إنتاجها من النفط حتى بلغ أوجه – ٣ ملايين برميل يومياً – في العام ٢٠٠١. ووصلت قمة الإنتاج في العام ٢٠٠٦ مع بدء إنخفاضه من ذلك الوقت (Hubert Curve)، لكن في نفس الوقت أخذ إنتاج الغاز يرتفع. يعود قانون النفط النروجي إلى العام ١٩٦٥ وبقي على حاله منذ ذلك الوقت مع بعض التغييرات التي طالته لمواكبة التطور العصري. وأهم مبدأ في هذا القانون أن الدولة النروجية، باسم الشعب النروجي، تمتلك الموارد النفطية الموجودة تحت سطح الأرض. وفي العام ١٩٧١، خلص خبراء النروج والرأي العام النروجي إلى أن مشاركة الدولة النروجية في التنقيب عن النفط هي عملية خطرة على النروج وعلى الثروة النفطية، لذا تمّ إدخال نظام إداري جديد لإدارة القطاع النفطي. هذا النظام يعتمد على هيكلية تفصل بين وضع السياسات النفطية، الرقابة التقنية وإدارة الموارد، والمساهمة التجارية. وتمّ توزيع هذه المهام على الشكل التالي: وزارة النفط والطاقة النروجية تقوم بوضع السياسات النفطية مع فرض موافقة البرلمان النروجي؛ الرقابة التقنية وإدارة الموارد تقع على عاتق مديرية النفط التي تمتلك مجلس إدارتها؛ والمساهمة التجارية التي تقع على شركة Statoil التي كانت مملوكة من قبل الدولة النروجية. وتهدف هذه الشركة إلى تطبيق السياسة الحكومية في ما يخص القطاع ويقع على عاتقها الشق التجاري والمالي ووضع موازنتها التي تتمّ خلال اجتماع الهيئة العامة للشركة. في نفس الوقت قامت الحكومة النروجية بدراسة مُعمّقة لمعرفة القطاعات التي تتأثر بالقطاع النفطي ووضعت على أساسها خطة طموحة للنهوض بالقطاع الصناعي تعتمد على النفط وأسعاره المُنخفضة لدعم الصناعة الوطنية. وترافقت هذه الخطة مع خطة لتطوير اليد العاملة بشكل واسع أي على نطاق الدولة النروجية. وهذا الأمر هدفه قبل كل شيء خلق الوظائف في القطاعات التي تتأثر بالصناعة النفطية وجعل هذه القطاعات تنافسية عالمياً إلى أبعد المُستويات. وأدّت الفعالية العالية للقوانين النروجية شفافيتها إلى جذب العديد من المُستثمرين إلى النروج والنتيجة تطوّر القطاع الصناعي بشكل كبير. وهذا الأمر حصل مع إستخراج النفط حيث أن Statoil إستطاعت جذب العديد من الشركات النفطية العالمية هذا مع تفضيل واضح للشركات النروجية ولليد العاملة النروجية، ودفعت بها إلى الإستثمار في الصناعة النفطية النروجية إن عبر لعب دور المُساند للشركات النروجية أو عبر الإستثمار المُباشر. إضافة إلى القطاع النفطي والصناعة، أخذت الحكومة النروجية بدعم الأبحاث والتطوير خصوصاً في القطاع النفطي والقطاع الصناعي والتكنولوجيا. وغطّت تكاليف هذه الأبحاث من عائدات الضرائب على الشركات. النتيجة هي أن النروج أصبحت قوة إقتصادية هائلة مع ناتج محلّي يُقارب الـ ٥٠٠ مليار دولار أميركي يستفيد منه الشعب النروجي عبر الشركات وعبر العمالة وكل هذا في ظل توزيع عادل للثروات كل بحسب مساهمته وعمله. ويبقى السؤال عن خطة لبنان للنهوض؟ الواقع أن الحكومة اللبنانية لا تمتلك مثل هذه الخطة والدليل أن الاقتصاد يراوح مكانه منذ بدء الأزمة السورية وخصوصاً تعاظم النزوح السوري الذي دكّ هياكل المجتمع اللبناني. والمطلوب اليوم من هذه الحكومة أن تعمد إلى أخذ عدد من الخطوات تُساهم في نهضة المُجتمع اللبناني وإقتصاده عند بدء إستخراج النفط والغاز: 

  1. أولاً: وضع مشروع قانون لخلق الصندوق السيادي الذي سيتلقى المداخيل النفطية يكون بإدارة مُختلفة عن السلطة التنفيذية؛
  2. ثانياً: خلق شركة نفطية وطنية تكون مهامها مُختلفة عن مهام هيئة إدارة قطاع البترول. ويقع على عاتق الشركة الوطنية الشق التجاري والمالي؛
  3. ثالثاً: وضع دراسة تُبيّن القطاعات التي ستتأثر بإستخراج النفط والغاز وإظهار واقع هذه القطاعات بشكل علمي؛
  4. رابعاً: وضع خطة للقطاع الصناعي للنهوض به وإفادته من النفط والغاز المتوقع إستخراجه؛
  5. خامساً: وضع خطة لدعم الأبحاث العلمية خصوصاً الصناعية والتكنولوجية. هذا الأمر يفرض وجود دراسة لمعرفة المهارات اللبنانية وتوزيعها؛
  6. سادساً: وضع مشاريع قوانين لدعم الشركات اللبنانية واليد العاملة اللبنانية لكي تكون المُستفيد الأول من الثروة النفطية إن مباشرة عبر العمل في هذا القطاع أو غير مباشرة عبر العمل في القطاعات الداعمة.

 كل هذا في صلب دور وصلاحيات الحكومة اللبنانية كواضع للسياسات. من هنا نرى أن إقرار المرسومين إذا ما حصل في الجلسات المُقبلة لن يكون كافياً لوحده للقول أن لبنان دخل مرحلة الرخاء الاجتماعي والإقتصادي كما وعدتنا به اليافطات الكبيرة التي عمّت شوارع لبنان في العامين الماضيين تُبشّرنا بعصر النفط، فعصر النفط يبدأ بالسياسات الحكيمة التي تضعها الحكومة. رابط البلد  

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More