بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

هل تعتمد الحكومة سياسة التقشّف؟

حتى الساعة، لا نعلم ما هي الخطوات العملية التي ستتبعها الحكومة للجم العجز خصوصاً أنّ الموازنة لن تُقرّ قبل نهاية شهر أيّار. هذا الغموض في المعلومات يُسبّب تردّداً في الأسواق ولدى المُستثمرين، خصوصاً أنّ خفض العجز من خلال مكافحة الفساد يظهر كمُهمّة صعبة أمام الحكومة.

الجمهورية | بروفسور جاسم عجاقة

يأتي تخفيض العجز في الموازنة العامّة كتحدٍ كبير للحكومة، خصوصاً أنّ العجز في العام 2019 مُرتبط بشكل وثيق بعجز الموازنة في العام 2018، والذي بلغ 5.8 مليارات دولار حتى شهر تشرين الثاني 2018 بحسب أرقام وزارة المال، ومن المُتوقّع أن يتخطّى الـ6 مليارات دولار أميركي في نهاية العام 2018.

الإنفاق العام ومنذ أيلول 2017، أخذ منحى جديداً مع مُعدّل شهري بقيمة 1.5 مليار دولار أميركي. والملاحظ من خلال أرقام وزارة المال، أنّ خدمة الدين العام ودعم مؤسسة كهرباء لبنان يساهمان بنسبة ملحوظة في هذا الإرتفاع. وإذا كان الإرتفاع في خدمة الدين العام مُبرّراً بزيادة الدين العام وارتفاع الفوائد، إلا أنّ إرتفاع الدعم لمؤسسة كهرباء لبنان، وعلى الرغم من إرتفاع أسعار النفط، لا يُمكن تبريره إلا بأسباب تقنية ناتجة من تآكل المعامل الموجودة، وبالتالي فإنّ إستهلاك الفيول ارتفع.

إذاً، ومما تقدّم، نرى أنّ الإتجاه هو نحو زيادة بالإنفاق في بندين من أعلى البنود الإنفاقية في الموازنة، واللذان مع بند الأجور تشكّل أكثر من 80% من الإنفاق. إذًا كيف يُمكن من خلال خفض الإنفاق التشغيلي ومحاربة الهدر، تخفيض الإنفاق بنفس قيمة إرتفاع البندين الآنفي الذكر؟

هناك شبه إستحالة للجم الإنفاق بخطوات تطال الإنفاق التشغيلي فقط. وبالتالي يجب أيضاً مُعالجة بند الكهرباء لخفض هذا العجز، لأن البندين الآخرين أي كتلة الأجور في القطاع العام وخدمة الدين العام، لا يُمكن المسّ بهما.

الإنتظام المالي…

في النظرية الإقتصادية، لا يُقاس الإنتظام المالي للدولة من خلال عجز الموازنة، لأنّ هذا الأخير يتأثر بسياسة الديون للسنين الماضية (مما ينعكس في خدمة الدين العام)، وبوضع الإقتصاد في الدورة الإقتصادية. وهذا يعني أنّ الموازنة قدّ تُسجّل عجزاً بمعزل عن خيارات الحكومة الهيكلية للموازنة (مستوى الضرائب ومستوى الإنفاق).

تحليل الإنضباط المالي يتمّ من خلال القيود المفروضة على ميزانية الدوّلة، والتي تنصّ على أنّ تمويل الإنفاق الإجمالي في الموازنة للسنة المالية، يتمّ من خلال الضرائب أو من خلال إصدارات سندات الخزينة:

إصدارات سندات الخزينة الجديدة (زيادة الدين العام) + الإيرادات الضريبية = خدمة الدين العام + الإنفاق العام.

هذه المُعادلة تُظهر أنّ نسبة الدين العام تزيد، إمّا لأنّ الدوّلة تُسجّل عجزاً أوّلياً، وإمّا بسبب زيادة الفجوة بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدل النمو.

وبالتالي هناك إلزامية أن يُسجّل الميزان الأوّلي فائضاً بقيمة أعلى من قيمة خدمة الدين العام لتحقيق الإنتظام المالي. ولكن هذا ما يفتقر له لبنان. والجدير ذكره أنّ فقدان الإنتظام المالي يعني تهديد ملاءة الدوّلة!

يؤدّي الإنتظام المالي إلى توازن الحسابات العامة وميزان المدفوعات مما يزيد الثقة بالإقتصاد ويُخفّف الضغط على الليرة اللبنانية. كما يؤدّي الإنتظام المالي إلى زيادة الإستثمارات الأجنبية المباشرة ويُحسّن القدرة التنافسية للإقتصاد الوطني. لكن كيف يُمكن إستعادة الإنتظام المالي؟

سياسة التقشّف ممرّ إلزامي…

سياسة التقشّف هي سياسة إقتصادية تتبنّى زيادة الضرائب ولجم الإنفاق العام من أجل تخفيض العجزّ طبقاً للمعادلة الآنفة الذكر. ويتمّ تطبيق سياسة التقشّف من خلال السياسة المالية، السياسة الضريبية أو السياسة النقدية.

أهداف السياسة التقشّفية تتمحور حول:

(1) تفادي العجز الذي يؤدّي إلى إرتفاع الدين العام ومعه خدمة الدين العام. هذا الأمر يمرّ من خلال السياسة المالية والضريبية. إذ تُرفع الضرائب ويُخفّض الإنفاق مما يؤدّي إلى خفض العجز أو حتى خلق فائض في الموازنة العامّة.

(2) الحدّ من التضخّم، والذي له تأثير سلبي على النمو الإقتصادي. وذلك من خلال الإمتناع عن رفع الأجور بشكل كبير (كما حصل في الـ 2017) والذي من شأنه رفع الكلفة على الماكينة الإقتصادية، ما يعني زيادة البطالة وبالتالي تراجع النمو الإقتصادي.

(3) الحدّ من الفقاعات المضاربة، وذلك من خلال السياسة النقدية التي تسمح بتقييد الاستثمار وتجنّب فقاعات المضاربة. هذا الأمر عادة هو من مهام المصرف المركزي (وهذا ما قام به مصرف لبنان من خلال رفع الفوائد وزيادة الإحتياط الإلزامي للمصارف).

الجدير ذكره، أنّ سياسة التقشّف عادة ما تؤدّي إلى تباطؤ النمو الإقتصادي على الأمد القصير (مثال على ذلك، خطة حكومة الحصّ في العام 1999)، لكن على الأمد المتوسّط إلى البعيد، تُحقّق هذه السياسة الأهداف المنشودة.

إعادة هيكلة الإقتصاد…

تُشير الأرقام، إلى أنّ عجز الميزان التجاري هو عائق أساسي أمام الإنتظام المالي للدوّلة اللبنانية. فالعرض الداخلي، أي إنتاج الشركات، لا يُلبّي الطلب المحلّي، وبالتالي هو مسؤول بشكل رئيسي عن الخلّل في ميزان المدّفوعات، ومصدر للتضخّم من خلال حجم الاستيراد.

من هنا تأتي سياسة التقشّف لتُشجّع القدرات الإنتاجية (عبر سياسة تحفيزية) وفي الوقت نفسه تلجم إرتفاع الأجور على الأمد القصير بهدف رفع التنافسية في الماكينة الإقتصادية.

من البديهي القول، إنّ لجم إرتفاع الأجور على الأمد القصير سيؤدّي إلى لجم الإستهلاك وبالتالي إنخفاض النمو. إلا أنه يجب إدراك أنّ هذا هو السعر الواجب دفعه لزيادة النمو الإقتصادي على الأمد البعيد.

في الختام، يمكن القول إنّ على الحكومة الأخذ بالإعتبار أهمّية إعتماد سياسة تقشفية، وهي بالطبع سياسة غير شعبية. وبالتالي يتوجّب عليها وقف القرارات التي تزيد من الكلفة على الخزينة العامّة والتحلّي بالشجاعة لإنجاز موازنة ذات مصداقية من خلال خفض العجز في الكهرباء، خفض الهدر والفساد، وإقرار سلّة ضريبية منطقية (على الموارد غير المُستخدمة في الإقتصاد) وتكون أقلّ ضرراً على المواطن اللبناني. لأنّ القول إنه لن يكون هناك ضرائب في موازنة العام 2019 يعني أنّ العجز في الـ 2019 سيكون أعلى من العجز في العام 2018. وهذا الأمر مُعاكس للشروط المفروضة من مؤتمر «سيدر».

مصدر الجمهورية الجريدة

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

الموازنة تُهدّد الحكومة… وسيناريو التعطيل مُكلِف

تكاثرت التسميات بين موازنة إصلاحية، تقشفية، تصحيحية... والنتيجة واحدة، موازنة من دون هوية. والسبب يعود إلى الصراعات السياسية التي تُطيح فرصة الإستفادة من الظروف والوقت لإخراج موازنة تكون على مستوى التحدّيات. سيناريوهات عديدة أمام الحكومة واسوأها تعطيلها. فما هي هذه السيناريوهات وما هي التداعيات الاقتصادية؟
المزيد...

أزمة محروقات مُفتعلة؟

إصطف بعد ظهر اليوم، العديد من المواطنين أمام محطات الوقود، في مختلف المناطق اللّبنانيّة، خوفاً من أزمة وقود،…

هكذا رُحلت الموازنة غير “الوازنة”

يوم بعد آخر تُرحّل النقاشات "الموازناتية "من جلسة إلى أُخرى، لتصبح "البنود" المطروحة على طاولة البحث أشبه بـ شبكات…

حسابات سياسية تُعرّقل طريق الموازنة وإحتمال حدوث سيناريو السلسلة مُرتفع

عقد مجلس الوزراء جلسة البارحة كان من المفروض أنها الجلسة الختامية في سلسلة إجتماعات مُخصّصة لدرس مشروع موازنة العام…

لا توظيف في الدولة والبطالة تتفشى.. ما هي البدائل؟

لا جدال في أن وقف التوظيف في القطاع العام بات ضرورياً، كخطوة أساسية من خطوات وقف استنزاف القطاع العام وخزينة…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More