بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

نقل عجز موازنة الدوّلة إلى موازنة مصرف لبنان يؤسّس لنهج كارثي

مع بدء وضوح الصورة حول هيكلية إيرادات ونفقات الدوّلة اللبنانية في مشروع موازنة العام 2019، يظهر إلى العلن أن الحكومة قرّرت تحميل مصرف لبنان أكثر من 912 مليون دولار أميركي من هذا العجز. هذا الأمر قد يكون له تداعيات كارثية على العملة الوطنية في ظل غياب إجراءات لدعم النمو الاقتصادي.

جريدة الشرق | بروفسور جاسم عجاقة

مع بدء وضوح الصورة حول هيكلية إيرادات ونفقات الدوّلة اللبنانية في مشروع موازنة العام 2019، يظهر إلى العلن أن الحكومة قرّرت تحميل مصرف لبنان أكثر من 912 مليون دولار أميركي من هذا العجز. هذا الأمر قد يكون له تداعيات كارثية على العملة الوطنية في ظل غياب إجراءات لدعم النمو الاقتصادي.

بلغت الكلفة على مصرف لبنان في العام 2018 نتيجة دعم خزينة الدوّلة اللبنانية ما يوازي 2.8 مليار دولار أميركي منها كلفة الفائدة على 8500 مليار ليرة لبنانية قدّمها مصرف لبنان للدوّلة اللبنانية على شكل تسهيلات صندوق خزينة (فائدة 1% على القرض).

في مشروع موازنة العام 2019، أقرّت الحكومة تخفيض بقيمة 1100 مليار ليرة لبنانية على خدمة الدين العام عبر قرض بقيمة 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة 1%، وتوقّعت الحكومة أن يتم إقتراض المبلغ من القطاع المصرفي (المصارف التجارية ومصرف لبنان). إلا أن المصارف التجارية اللبنانية بلّغت المعنيين أنها لا تمتلك القدرة ولا الرغبة في الإكتتاب بهذا الإصدار، مما يعني أن مصرف لبنان يبقى وحيدًا في الواجهة مع ما لذلك من تداعيات سلبية سنُظهرها فيما يلي.

يبلغ مُعدّل فائدة السوق بحدود الـ13.5% على فترة خمسة سنوات، وبالتالي فإن إعطاء مصرف لبنان لقرض بقيمة 11 ألف مليار ليرة لبنانية بفائدة 1% سيؤدّي إلى كلفة على مصرف لبنان بقيمة 1375 مليار ليرة لبنانية أي ما يوازي 912 مليون دولار أميركي.

وبما أن عجز 7.59% أصبح صعب المنال كما تُظهره تركيبة الإيرادات والإنفاق الواردة في مشروع موازنة العام 2019، مما يعني أن مصرف لبنان سيموّل العجز الإضافي المُقدّر بحسب وكالة ستاندارد أند بورز (10% – 7.59%) أي ما يوازي 1.4 مليار دولار أميركي. وبالتالي تُصبح الكلفة على مصرف لبنان لهذا العام مليارين و300 مليون دولار أميركي. فهل بدأت الحكومة بإتباع نهجًا جديدًا كالنهج الذي تلا عدوان تمّوز 2006؟

على إثر عدوان تموز 2006 والذي شهد إجرام الماكينة العسكرية الإسرائيلية وعقيدة زئيف فلاديمير جابوتنسكي التي يتبعها الجيش الإسرائيلي، وجدت الحكومة أنذاك نفسها في حاجة إلى كمّ كبير من المال لتغطية النفقات الناتجة عن هذا العدوان. في تلك الفترة لم يكن هناك من موازنة وبالتالي أخذت الحكومة تُنفق على أساس القاعدة الإثني عشرية، وموّلت المبالغ التي تحتاجها من خلال إعتمادات من خارج الموازنة بسماح من قبل مجلس النواب.

هذا الأمر أدّى إلى تضخّم هائل في الدين العام تضاعف معه هذا الدين من 38.5 مليار دولار أميركي في نهاية العام 2005 إلى أكثر من 71 مليار دولار أميركي في العام 2016! هذا النهج وصل إلى طريق مسدود اليوم ولم يعد أمام الحكومة الكثير من هوامش التحرّك، لذا قد نكون دخلنا في مرحلة نهج جديد وهو تمويل مصرف لبنان لعجز الدوّلة بشكل غير مسبوق ومُخالف للقوانين.

تنصّ المادة 88 من قانون النقد والتسليف على أنه يُمكن لمصرف لبنان منح الخزينة بطلب من وزير المال تسهيلات صندوق لا يُمكن أن تتعدّى قيمتها 10% من متوسّط واردات موازنة الدوّلة العادية في السنوات الثلاث الأخير المقطوعة حسابتها ولا يُمكن أن تتجاوز هذه التسهيلات 4 أشهر.

وتنصّ المادة 89 على أن الإجازة المُعطاة في المادّة 88 لا يُمكن إستعمالها أكثر من مرّة واحدة خلال إثني عشر شهرًا.

وتنص المادّة 90 أنه وبإستثناء التسهيلات المنصوص عليها في المادّتين 88 و89، لا يُمكن لمصرف لبنان منح أي قروض للقطاع العام.

أمّا المادّة 91 فقد أعطت إمكانية في ظلّ ظروف إستثنائية أو في حالات الضرورة القصوى، إذا ما ارتأت الحكومة الاستقراض من المصرف المركزي، تحيط حاكم المصرف علما بذلك. ويقوم المصرف مع الحكومة بدرس إمكانية استبدال مساعدته بوسائل اخرى، كإصدار قرض داخلي او عقد قرض خارجي او اجراء توفيرات في بعض بنود النفقات الاخرى او ايجاد موارد ضرائب جديدة الخ…

وفقط في الحالة التي يثبت فيها انه لا يوجد أي حل اخر، وإذا ما أصرّت الحكومة، مع ذلك، على طلبها، يمكن المصرف المركزي ان يمنح القرض المطلوب.

حينئذ يقترح المصرف على الحكومة، ان لزم الامر، التدابير التي من شأنها الحد مما قد يكون لقرضه من عواقب اقتصادية سيئة وخاصة الحد من تأثيره، في الوضع الذي أعطي فيه، على قوة النقد الشرائية الداخلية والخارجية.

وحدّدت المادة 93 الفائدة التي تنتجّ عن هذه القروض نسبة إلى أوضاع السوق حيث أنه لا يمكن ان يكون معدل الفائدة على تسهيلات الصندوق المشار اليها بالمادة 88 اقل من معدل الحسم المعمول به لدى المصرف مخفضًا واحدًا. أما معدل الفائدة على القروض المشار اليها بالمادتين 91 و92 فلا يمكن ان تقل عن معدل الحسم المعمول به لدى المصرف مضافًا اليه واحد.

من هذا المُنطلق، نرى أن المُشرّع حدّد في قانون النقد والتسليف كل الحالات المُمكنة وعلى رأسها شروط القرض، مدته التي لا يُمكن أن تزيد عن عشر سنوات كما وسعر الفائدة.

إن كل قرض أو تسهيلات يُقدّمها مصرف لبنان للحكومة اللبنانية خارج هذه الشروط، تعتبر مخالفة للقانون. لكن الأهم هو أن فرض قروض على مصرف لبنان لتمويل عجز الخزينة هو مخالفة واضحة للقوانين العالمية التي ترعى المصارف المركزية وإستقلاليتها وسيكون لها تداعيات على الثقة بالنظام المصرفي اللبناني والليرة اللبنانية إذ أن السؤال المطروح هو من أين سيؤمّن مصرف لبنان هذه المبالغ؟

أيضًا هناك من يقول إن مصرف لبنان لا يُحوّل أرباحه إلى خزينة الدوّلة؟ إن مصرف لبنان يحوّل سنويًا حصة الدوّلة من الأرباح المنصوص عليها في عملًا بالمادّة 113 من قانون النقد والتسليف. لكن إذا كان عجز الموازنة ينتقل إلى موازنة مصرف لبنان، فعن أية أرباح يتحدّثون؟ الجدير ذكره أن مصرف لبنان يحمل 40% من دين الدوّلة اللبنانية.

مصدر جريدة الشرق الجريدة

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

مشروع موازنة العام 2019 تحت امتحان الشعبوية… العجز سيتخطّى مشروع الحكومة

مشروع موازنة العام 2019 تحت امتحان الشعبوية... العجز سيتخطّى مشروع الحكومة «التشريح» الذي تقوم به لجنة المال والموازنة مُخالف للمنطق صعوبات تواجه اجتماع مجلس الوزراء الثلاثاء ... وملفات خلافية إلى مزيد من التأزيم
المزيد...

عجاقة لـ”تقارير لبنانيّة”: لإقرار موازنة 2019 بأسرع وقت من دون شعبوية تزيد العجز..

وسط جنوح أكبر نحو التعثّر ستتّجه الحكومة مستقبلاً إلى تدابير اجتماعية قاسية أكثر ممّا يؤشر لوصول لبنان إلى مرحلة…

لجنة المال في البرلمان اللبناني تعيد تشريح الموازنة

الشرق الأوسط | يوسف دياب دخلت موازنة لبنان لعام 2019 في متاهات جديدة، بعدما وضعتها لجنة المال والموازنة على مقصلة…

شرارة اعتداءات السفن تهدد أمن الملاحة في مياه الخليج

مع إثارة القلاقل بمنطقة الخليج العربي من حين لآخر، تبرز تساؤلات عدة حول التأثير السلبي المتوقع على اقتصادات…

الحريري ينتقد المماطلة في الموازنة والأسواق قلقة من تحميل المركزي عجز الموازنة

الحريري ينتقد المماطلة في الموازنة والأسواق قلقة من تحميل المركزي عجز الموازنة جلسة لمجلس الوزراء الأسبوع المقبل…

الدين العام

لماذا تمتنع وزارة المالية عن نشر هذه الأرقام؟

في تطوّر استثنائي، تبيّن أنّ الدين العام الإجمالي في لبنان ارتفع بحوالي 971 مليون دولار خلال شهر آذار الأخير إلى 86.22 ملیار دولار، من 85.25 مليار دولار في الشهر الذي سبقه، وذلك وفقاً لإحصاءات جمعية المصارف.
المزيد...

مالية لبنان بخير وفاتورة الـ 650 مليون دولار أبرز دليل… ولكن !

بالتزامن مع إقرار الموازنة العامة الأكثر تقشّفًا في تاريخ لبنان كما وصّفها الرئيس سعد الحريري، كثُرت فيه التهويلات…

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية…

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق مع المعايير الدولية للانتظام المالي".
المزيد...

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع…

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع الداخلية السماح للحكومة بالصرف على…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More