أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

ملف النفايات: التجربة السويدية

في تصريح لإذاعة أميركية في العام 2012، قالت المستشارة الأولى للهيئة السويدية لحماية البيئة أنّ السويد تعيش حال نقص في النفايات لدرجة أنها قررت أن تستورد النفايات من الدول المُجاورة. هذا النقص يعود إلى الطريقة السويدية الفعالة في إدارة النفايات. فهل تصلح الوصفة السويدية للبنان؟    النفايات عبارة عن مواد عضوية وغير عضوية، بسيطة أو معقّدة، يتمّ إنتاجها في المجتمعات الحديثة نتيجة الإستهلاك المُفرط للسلع والبضائع التجارية. هذه النفايات تُصبح عبئاً على المجتمع منذ لحظة ولادتها ويعمد هذا المُجتمع إلى رميها في مكبات للتخلص منها نظراً إلى عدم وجود فائدة منها. وفي فلسفة النفايات، نلاحظ أنّ النفايات التي هي ملك فردي تُصبح ملكاً عاماً بمجرد وضعها في المكب على الطريق العام. هذا العرف المعمول به يجعل مُشكلة التخلص من النفايات مُشكلة تعني الفرد كما السلطات الرسمية. وقد عمدت السلطات في الدول الصناعية إلى لجم إنتاج النفايات عبر سياسات ضريبية ممزوجة بحملات توعية للمواطنين لشرح مدى التداعيات السلبية للنفايات على البيئة وبالتالي على الإنسان. تُقسم النفايات إلى خمس فئات:أولاً: النفايات القابلة للتحلّل والتي يُمكن تحويلها إلى سماد كنفايات المطبخ، الحديقة، الملابس… هذه النفايات تختلف نسبتها من مجمل النفايات بحسب نسبة التطوّر الصناعي والتكنولوجي للمجتمع. ثانياً: النفايات الخاملة والتي لا تتحلّل ولا تُحرق ولا تنتج أيّ تفاعلات فيزيائية أو كيماوية أو بيولوجية تضرّ بالبيئة. ويُعتبر القطاع العقاري والأشغال العامة المصدر الرئيسي لهذه النفايات. ثالثاً: النفايات القابلة للتدوير من الناحية الفنّية ما يفرض عملية فرز لها على المصدر. وهذه النفايات يُمكن جمعها في مجموعات عدة كالنفايات المنزلية وتلك الآتية من التجار والشركات ومن القطاع الصناعي (الزجاج، المعادن، الورق والبلاستيك، المواد العضوية)؛ النفايات الصناعية البسيطة وغير الخطرة؛ والنفايات غير الخطرة الآتية من القطاع التجاري ومن الشركات (التغليف، نفايات المكاتب، الورق، مخلفات التصنيع). رابعاً: النفايات النهائية وهي عبارة عن نفايات غير قابلة للمعالجة في الشروط الفنّية والاقتصادية التابعة لعملية تقييم النفايات أو الحدّ من طبيعتها الملوِّثة أو الخطرة. وبهذا يُمكن الإستنتاج أنذ هذا النوع من النفايات لا يستند الى خصائصها الفيزيائية وإنما الى نظام الجمع والمعالجة التي تنتمي إليها. خامساً: النفايات الخطرة وهي عبارة عن نفايات تحتوي على إحدى الخصائص التالية على الأقل: المتفجرة، المؤكسدة، قابلة للاشتعال، سامة، مسرطنة، معدية… وهذه النفايات تنقسم إلى أنواع عدة منها الأدوات الإلكترونية، الصناعية الخاصة (Acide…)، المنزلية (بطاريات، الأدوية، الزيوت المُستعملة…) الفوائد الاقتصادية لتلف النفايات…غريب كيف يُمكن لبلد أن يكون بحاجة إلى إستيراد النفايات مع العلم أنّ الأنظمة في الدول المُتطوّرة تعمد إلى فرض ضرائب على منتجي النفايات بهدف تخفيض إنتاجها. هذا التخفيض أصبح محوَراً إستراتيجياً للبلدان الصناعية التي تُنتج مئات ملايين الأطنان من النفايات. لكنّ معرفة ما يكمن من فوائد إقتصادية وراء النفايات يجعلنا نفهم السبب وراء النقص في النفايات في السويد. يأتي النجاح الكبير الذي حققته السويد في إدارة النفايات إلى إعادة التدوير حيث إنّ 1% من النفايات السويدية تنتهي في المكبات فقط. (في هذا السياق فإنّ 38% من نفايات أوروبا الى المكبات في المقابل 100% من نفايات لبنان في المكبات). وبحسب أرقام يوروستات، 36% من النفايات السويدية يتمّ إعادة تدويرها، 14% يتمّ تحليلها و49% يتمّ حرقها. والأهم في هذه الأرقام هو نسبة الحرق التي ومع وجود معامل ذات أداءٍ عالٍ، تتحوّل هذه العملية إلى عملية توليد للطاقة الكهربائية حيث يتمّ تأمين 20% من التدفئة في المدن أيْ ما يُقارب الـ 900 ألف وحدة سكنية وكهرباء لأكثر من 250 ألف منزل على إجمالي 4.6 ملايين أسرة بحسب الـ Swedish Waste Management. هذه الكفاءة الحرارية في الإنتاج لمعامل حرق النفايات وقدرة الإستيعاب تفوق بأشواط إنتاج النفايات في السويد ما دفع الحكومة وبهدف عدم الخسارة المالية، إلى إستيراد نفايات من الدول المجاورة كالنروج والدنمارك. وهنا يظهر النموذج الاقتصادي من وراء هذه العملية حيث إنه وفي عالم ترتفع فيه أسعار الطاقة مع نضوب مصادر الطاقة وإزدياد عدد السكان، تظهر إلى العلن أهمية إعادة تدوير النفايات التي هي في إزدياد مُستمر مع إزدياد عدد السكان والتطوّر التكنولوجي والصناعي في المجتمعات. وهنا نرى أنّ إنتاج الطاقة يُشكل توفيراً في الفاتورة الحرارية كما أنّ تشغيل المعامل بحاجة إلى عمال ما يعني تخفيض البطالة وكلّ هذا في ظلّ المحافظة على البيئة من النفايات. وفي هذا الإطار الجميل الذي رسمناه، يبقى هناك نقطة سوداء ألا وهي الإنبعاث الحراري لهذه المعامل والتي يُمكن حلّها مع التطوّر التكنولوجي. أما في لبنان…في لبنان، حيث يتمّ طمر النفايات بالكامل نتيجة غياب الفرز، تبقى التداعيات البيئية كبيرة وكلفتها الاقتصادية هائلة. هذا بالطبع بالإضافة إلى كلفة عملية جمع وكنس وطمر النفايات والتي تُكلفّ الخزينة 140 دولاراً أميركياً للطن الواحد. وإذا ما نظرنا بالتفاصيل إلى الشق الاقتصادي نرى أنّ طمر النفايات يؤدّي إلى تلوّث محتوم في المنطقة التي يتمّ فيها الطمر ويطال هذا التلوّث المياه الجوفية، البئية المحيطة، الطيور والأسماك، والإنسان. وتختلف أرقام الكلفة بحسب حجم المكبّ حيث قد تصل الفاتورة إلى عشرات مليارت الدولارات إذا ما أردنا محوَ التلوّث بنسب عالية. أضف إلى ذلك الخسارة التي يتكبدها الاقتصاد من ناحية دفع فاتورة حرارية عالية كان ليوفر قسماً منها بإنتاج الطاقة من النفايات. فبحساب بسيط يُنتج لبنان ما يقارب الـ 3800 طن من النفايات يومياً أي 1.4 مليون طن سنوياً وهذا يُشكل 1110 كغ من النفايات لكلِّ وحدة سكنية. وبما أنّ كلّ 6 طن من النفايات تُعادل 1 طن من الفيول فإنّ هذا الأمر سيوفر 345 ألف طن من الفيول سنوياً بإعتبار أنّ كلّ 1 كغ من النفايات يُنتج 0.15 كيلوات الساعة من الكهرباء و0.3 كيلوات الساعة من الحرارة كما أنّ 70% إلى 80% من الطاقة الناتجة عن النفايات يُمكن إستردادها. أما على صعيد سوق العمل فعدم خلق معامل توليد طاقة من النفايات، تُخسّره فرص عمل لمئات العمال مع الأخذ بالإعتبار خسارة فرص عمل في القطاعات المُساندة. وفي الختام يبقى السؤال الأساسي هو عن مدى رغبة وقدرة الطبقة السياسية على إدارة هذا الملف الذي تفوح منه روائح عدة. 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More