بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

كثرة الدراسات.. إبحثوا عن الآفاق الإقتصادية

فهم أصحاب رؤوس الأموال العالمية أهمية حجز مكان لهم في الإستثمارات في لبنان وحجز حصّة من الأرباح

كمٌّ كبير من الدراسات الإقتصادية والمالية لبلد صغير مثل لبنان. ويبقى السؤال لماذا؟ ولماذا يتمّ فقط إظهارُ النقاط السلبية في هذه الدراسات؟ أسئلة عدة دفعت كثيرين إلى اعتماد نتائج هذه الدراسات لإعلان إفلاس لبنان. لكنّ التحليل يُظهر أنّ الواقعَ مغاير ولبنان يمتلك آفاقاً إقتصادية هائلة يُحاول العديد من المُستثمرين الإستفادة منها.

الجمهورية \ بروفسور جاسم عجاقة

إنه لمِن الغريب رؤية هذا الكمّ من الدراسات عن لبنان في الفترة الأخيرة. وإذا كنّا نتفهّم دور وكالات التصنيف الإئتماني (مثل «موديز» و»ستندرد أند بورز») في القيام بدراسات دورية عن الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان بهدف إصدار التصنيف، إلّا أنّ كثرة الدراسات التي تصدر عن المصارف الإستثمارية والمكاتب الإستشارية تطرح علامات إستفهام كبيرة حول الأهداف التي تكمن وراء حقيقة القيام بمثل هذه الدراسات خصوصاً أنها دراسات مُكلفة. والمعروف أنّ المصارف الإستثمارية ليست بجمعيات خيرية وبالتالي فإنّ هناك مَن يطلب مثل هذه الدراسات عن لبنان ويدفع ثمنها!

مَن يقف وراء هذه الدراسات ولماذا؟

يُعاني الإقتصاد اللبناني من ضعف هائل في الإستثمارات والسبب يعود إلى غياب العدالة في توزيع الثروات (قلّة تمتلك أكثر من نصف ثروات لبنان) وإمتناع المصارف عن تمويل الإستثمارات في القطاع الخاص. ولم تُساعد الأزمة السورية ولا الأوضاع السياسية التي نتجت عنها من جذب أو تسهيل الإستثمارات في لبنان، بل على العكس أدّى التخبّط السياسي إلى هروب رؤوس الأموال والإستثمارات. أضف إلى ذلك أنّ غيابَ الخطط الإقتصادية لم يسمح بتوجيه الإستثمارات في الأعوام 2007-2010 إلى قطاعات ذات قيمة مُضافة في الإقتصاد ما دفعها للذهاب إلى قطاعات ذات ربحيّة سريعة وقيمة مُضافة مُتدنية (مثل الخدمات).

إذاً لبنان بحاجة إلى إستثمارات في كل القطاعات ومن دون إستثناء والأهم أنّ كل إستثمار (غير الخدمات) ستكون له عائدات هائلة لا يوجد نظير لها إلّا في دول العالم الثالث والدول النامية. أضف إلى ذلك أنه وبنظر أصحاب رؤوس الأموال العالمية، يُعتبر الإستثمار في لبنان إمتداداً لعملية إعادة إعمار سورية وبالتالي تنصبّ الإهتمامات على لبنان وتدفع بالعديد من أصحاب رؤوس الأموال إلى طلب دراسات عن لبنان لمعرفة الوضع الإستثماري الحقيقي والأهم الظروف التي تواكبه. إذاً وبإعتقادنا من غير المُمكن القول إنّ كل هذه الدراسات هي مبادرة من قبل المصارف الإستثمارية ومكاتب الدرسات وبالتالي هذا الأمر يعكس الآفاق الواعدة على الصعيد الإقتصادي اللبناني.

ما هي أسباب النتائج السلبية لكل هذه الدراسات؟

لا يمكن نكرانُ الوضع المالي المُتردّي للدوّلة اللبنانية. وقد كنّا من السباقين بالقول إنّ مُشكلة المالية العامّة هي أمّ المشاكل وأنّ الوضع الإقتصادي هو فرصة حقيقية للنهوض الإجتماعي والإقتصادي في حال تمّ أخذ القرارات المُناسبة وتمّ الإستثمار في القطاعات المُنتجة. وهنا يُطرح السؤال: هل لبنان بحاجة إلى أموال من الخارج للإستثمار؟ الجواب بالطبع كلا بحكم أنّ أموال اللبنانيين تنام في المصارف وتذهب إلى قبرص تركيا لتملّك عقارات والإستثمار هناك.

وقد فهم أصحاب رؤوس الأموال العالمية أهمية حجز مكان لهم في الإستثمارات في لبنان وحجز حصّة من الأرباح، لما لمستقبل لبنان الإقتصادي من آفق واعدة مع حاجة إلى الإستثمار في كل القطاعات خصوصاً في قطاع الغاز والتموضع لإعادة إعمار سوريا. من هذا المُنطلق، تأتي الدراسات الإقتصادية التي تنشرها المؤسسات الدولية لتُبرزّ الوضع المالي السيّئ للدولة اللبنانية والحاجة إلى إستثمارات لا يتحمّس الكثير من اللبنانيين للقيام بها في ظلّ هذه الظروف، ما يدفع السلطات اللبنانية إلى طلب الإستثمارات الخارجية بشروطٍ قد تكون أكثر لصالح المُستثمرين.

ماذا عن تصريح وزير المال؟

أثار تصريح وزير المال إلى إحدى الصحف المحلّية والذي نقلته إحدى وكالات الأنباء عن إعادة هيكلة الدين العام، ردّة فعل عنيفة في أسواق سندات الخزينة اللبنانية (يوروبوند) وخدم هذا التصريح (أو مَن نقله) بطريقة غير مباشرة أهداف أصحاب رؤوس الأموال العالمية. وبغضّ النظر عن الظروف التي أحاطت بهذا التصريح ومسؤولية الإعلام بعدم التأكّد من صحّة هذه المعلومة لدى الوزير المعني قبل نشرها، يُمكننا الجزم أنّ لبنان ليس بحاجة إلى إعادة هيكلية دينه العام والسبب أنّ مصرف لبنان يمتلك 40% من دين الدولة مقابل 40% للمصارف التجارية و8% للضمان، وبالتالي فإنه ليس تحت الضغط الذي تتعرّض له الدول التي تقترض بنسبة كبيرة من الأسواق العالمية. أضف إلى ذلك فإنّ مصرف لبنان ما زال يمتلك القدرة على تسديد ديون الدولة (إذا لزم الأمر) لسنوات وأنّ رأسمال المصارف اللبنانية يبلغ 20 مليار دولار أميركي وهو أكبر بكثير من إحتياجات الدولة إلى الإستدانة كما وحجم شراء المصارف لسندات الخزينة اللبنانية، لذا نرى أنّ الحديث عن إعادة هيكلة الدين العام ينمّ عن عدم معرفة أو عن أهداف مُبيّتة.

من جهة أخرى تمّ الإتفاق بين وزارة المال من جهة ومصرف لبنان والمصارف التجارية من جهة أخرى على شروط تمويل الدولة (سعر الفائدة) وهذا الأمر يشمل الأجور، خدمة الدين العام وغيره. وبالتالي يتبيّن أنّ المشاكل المالية التي قد تعترض مالية الدولة قد تمّ تأجيلُها بإنتظار الإصلاحات المالية.

إنّ تصوير الوضع الإقتصادي في لبنان على أنه كارثي هو غير دقيق. لقد وصل الوضع الإقتصادي إلى أدنى مُستوى والمطلوب اليوم القيام بإصلاحات مالية ووضع خطّة إقتصادية وهذا أمر ضروري للنهوض بلبنان. وما يجب معرفته على الصعيد الإقتصادي أنّ كل إستثمار مهما كان نوعه وقيمته هو ذات قيمة عالية بحكم أنّ العائدات ستكون عالية على الصعد المالية، الإجتماعية… (Value Chain Analysis). بالطبع كل هذا يبقى مقروناً بتوافق سياسي نفتقر إليه حالياً مع عدم القدرة على تشكيل الحكومة وما ينتظرها (في حال تمّ تشكيلها) من صعوبات وتصفية حسابات لن تكون معها الأمورُ سهلةً وقد تجعل لبنان يفقد سيادته من باب الدين العام مع وضع لبنان تحت الوصاية الصندوقية.

مصدر الجمهورية

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟

«لست أنا من يحدد العقوبات الأميركية على (حزب الله). الحكومة الأميركية واضحة في كيفية مقاربة الموضوع، ولا يمكن تغييرها»...
المزيد...

«ستاندار آند بورز» تحافظ على تصنيف لبنان وفيتش تُخفّضه… والسبب الرئيسي غياب…

«ستاندار آند بورز» تحافظ على تصنيف لبنان وفيتش تُخفّضه... والسبب الرئيسي غياب الإصلاحات التخبّط السياسي العامل…

مكاتب الصيرفة تُخالف القانون ووزارة الإقتصاد مدعوة إلى قمعّ المخالفات عملًا…

الديار | بروفسور جاسم عجاقة لا أزمة دولار في السوق اللبناني، وكل قول عكس ذلك يعني جهل تركيبة السوق. نعم هناك مكاتب…

لبنان والتصنيف المنتظر

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ ال بي سي ضمن برنامج نهاركم سعيد | لبنان والتصنيف المنتظر | تاريخ 22 آب…

عقوبات أميركية مرتقبة على رجال أعمال ووزراء مسيحيين

يكثر الكلام عن عقوبات أميركية على حلفاء حزب الله، لا سيما المقرّبون من العهد والتيار الوطني الحر وتيار المردة…

الدين العام

مصداقية الأرقام على المِحكّ والأسواق تُشكّك.. كيف تمّ خفض العجز إلى 6.59 بالمئة؟

أنها أقرب إلى قصّة خرافية منها إلى قصّة حقيقية، بلد يُعاني من عجز مزمن في موازنته العامّة وبظرف ثلاثة أشهر يتمّ خفض هذا العجز إلى ما يقارب النصف؟! الأسواق أعطت كلمتها ووكالات التصنيف الإئتماني أعطت أيضا كلمتها وحتى صندوق النقد الدولي أعطى كلمته والنتيجة واحدة: لن تستطيع الحكومة الإلتزام بعجز 7.59%. إذًا كيف يُمكن لها أن تلتزم بعجز 6.59؟
المزيد...

هل تُخفّض “موديز” تصنيف لبنان الإئتماني؟

تقرير موجّه إلى السياسيين في الدرجة الأولى، هكذا يُمكن تصنيف تقرير موديز الذي لم تتفاعل معه الأسواق المالية على…

دوّامة الدولار وارتفاع الأسعار

يوماً بعد يوم يتورّط لبنان في لعبة الدولار المسمومة. فانعدام النموّ الإقتصادي، والعجز الهائل في الميزان التجاري…

قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ او تي في | قطر مقابل موديز : نشتري سندات خزينة | - تاريخ 30 حزيران 2019
المزيد...

محلل اقتصادي: تقرير “موديز” رسالة للطبقة السياسية اللبنانية

أعلنت مؤسسة الائتمان الدولية "موديز انفستورز سيرفيس" في تقرير لها عن أن تباطؤ التدفقات الرأسمالية على لبنان وتراجع…

تحذيرات “موديز” المتكررة وغواية أموال صفقة القرن

أطلقت وكالة "موديز" للتصنيف، مطلع العام 2019، نداءً تحذيرياً للطبقة السياسية اللبنانية، مفاده ضرورة إجراء إصلاحات…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع…

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع الداخلية السماح للحكومة بالصرف على…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More