بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

قانون النقد والتسليف «أصدق إنباءً» من الجَدَلِ

الهندسات المالية التي يقوم بها مصرف لبنان تدخل ضمن نطاق مهامه

فصل قانون «النقد والتسليف وإنشاء مصرف لبنان» أموال مصرف لبنان عن أموال الدوّلة. وحدّد أطراً وآليات واضحة لانتقال أموال من المصرف إلى الدوّلة ومن الدوّلة إلى المصرف. فالمادة 85 نصّت على أنّ المصرف المركزي هو مصرف القطاع العام، أي تودع فيه دون سواه أموال القطاع العام في حسابات مفصولة كليًا عن أموال المصرف المركزي.

الجمهورية | بروفسور جاسم عجاقة

نصّت المادتان 88 و89 على أن يقوم المصرف بإعطاء تسهيلات صندوق للدولة اللبنانية على ألّا يمنح المصرف المركزي قروضًا للقطاع العام (المادّة 90) إلّا في ظروف إستثنائية الخطورة (المادّة 91).

ونصّت المادّة 113 على أنّ أرباح مصرف لبنان المؤلفة من فائض الواردات على النفقات، تُوزّع مناصفة بين المصرف المركزي والدولة اللبنانية وبنسبة 80% للدوّلة و20% للمصرف المركزي، إذا ما بلغ الإحتياط نصف رأسمال المركزي. وفي حال وجود خسائر، تُغطّى هذه الأخيرة من الإحتياط، وفي حال عدم وجوده تُغطّى بدفعة من خزينة الدوّلة.

أموال مصرف لبنان ليست كلها أموال الدوّلة، ففي المصرف المركزي أموال تابعة للمصارف اللبنانية ومن خلفها للمودعين. ولا يُمكن معرفة حجم المال العام في أصول المصرف المركزي إلا بعد تصفيته، حيث أنّ الباقي يكون مالاً عاماً.

إذًا، حدّد قانون النقد والتسليف الإطار القانوني والتشغيلي لمصرف لبنان من خلال إعتباره مؤسسة عامّة تتمتّع باستقلالية تامّة في عملها مع وضع رقابة وقيود على أعمال المصرف، على أن تكون حرّية عمل المصرف مُقيّدة بأحكام القانون.

الدين العام ومسؤولية مصرف لبنان

الدين العام هو نتاج العجز في موازنة الدوّلة، وبالتالي كل تسجيل لعجز في الموازنة يتمّ تغطيته من خلال إصدار سندات خزينة للدوّلة اللبنانية تُسمّى سندات سيادية. وتنقسم هذه السندات إلى نوعين: سندات بالليرة اللبنانية وسندات بالعملات الأجنبية (بالدولار الأميركي بشكل أساس).

سندات الخزينة بالليرة اللبنانية تتمّ من خلال مصرف لبنان، أي أنه المسؤول قانونًا عن هذه العملية من الألف إلى الياء. أما سندات الخزينة بالعملات الأجنبية فهي محصورة بوزارة المال التي تُكلّف عادة مصرفين لقيادة هذه العملية (مصرف عالمي ومصرف محلّي).

عند إصدار سندات خزينة يقوم المسؤول عن العملية (أي المصرف المركزي للسندات بالليرة اللبنانية والمصارف الخاصة للسندات بالدولار الأميركي) بالتسويق للسندات، ويتمّ تحديد سعر الفائدة على أساس الطلب والعرض. فطلبٌ عالٍ على سندات الخزينة يُقلّل من سعر الفائدة وطلب قليل يرفع سعر الفائدة.

وفي حال لم يتمّ تسويق كل السندات المطروحة، يعمد المسؤول عن العملية إلى شراء السندات.

إذًا، مما تقدّم نرى أنّ مصرف لبنان لا سلطة له على الدين العام إلّا من ناحية شراء سندات الخزينة بالليرة اللبنانية إذا لم يتمّ شراؤها من قِبل الأسواق. وقد عمد المصرف المركزي في كثير من الحالات إلى إقراض الدوّلة أموالًا بفوائد وصلت في بعض الأحيان إلى 1%. والجدير ذكره، أنّ أموال المصرف المركزي، وكما سبق الذكر، هي أموال المصارف المودعة إضافة إلى أمواله الخاصة.

تراكم الدين العام جاء نتيجة العجز الذي بلغ أرقاماً خيالية. فعلى سبيل المثال بلغ العجز التراكمي أكثر من 30 مليار دولار أميركي بين العامين 2012 و2018 وهذا الرقمّ تمّ تمويله من خلال الإستدانة بمعدّل وسطي للفائدة 7%. وتُشير الأرقام الى أنّ الدوّلة فقدت السيطرة على الدين العام منذ أكثر من عقد ونيف مع تسجيل الميزان الأولي (أي مردود الدوّلة دون خدمة الدين العام) قيمة أقلّ من قيمة خدمة الدين العام، ما يعني أنّ الفارق كان يتحوّل تلقائيًا إلى دين عام.

إذاً، المُشكلة تكمن في الإنفاق المفرط الذي إتبعته الحكومات المُتعاقبة والنمو الإقتصادي الذي لم يستطع إمتصاص العجز. هذه الفجوة في الفرق بين سعر الفائدة الحقيقي والنمو الحقيقي إضافة إلى سياسة الإستدانة المُتبعة من قِبل الحكومات اللبنانية، أدّتا إلى تراكم الدين العام.

المعروف في الإقتصاد، أنّ المصرف المركزي لا سلطة له على سعر الفائدة على الآجال الطويلة، بل انّ إمكانياته تنحصر في الآجال القصيرة، وبالتالي يُمكن الإستنتاج أن لا علاقة للمصرف المركزي بالفوائد التي تدفعها الدولة والتي تُحدّدها الأسواق المالية.

لذا يُمكن القول وبكل ثقة، إن مسؤولية الدين العام تقعّ على الحكومات المُتعاقبة والفوائد المرتفعة هي ثمن تراكم هذا الدين العام.

الدين العام والهندسات المالية

يرتكب العديد من الأشخاص خطأ بقولهم إنّ الأرباح التي جنتها المصارف التجارية في لبنان نتيجة الهندسة المالية هي دين على الدوّلة اللبنانية. فالفوائد التي يدفعها مصرف لبنان هي من أصوله التي يمتلكها ولا قدّرة له على تحميل خزينة الدوّلة أي قرش واحد عملًا بأحكام قانون النقد والتسليف الذي يفصل بشكل قاطع بين أموال الدولة وأموال المصرف المركزي.

الهندسات المالية التي يقوم بها مصرف لبنان تدخل ضمن نطاق مهامه التي نصّ عليها القانون والتي تفرض عليه القيام بما يلزم لضمان إستقرار سعر صرف الليرة. وفي غياب إقتصاد قوي وتردّي المالية العامّة، تبرز الهندسات المالية كحل وحيد لا خيار فيه، خصوصًا أنّ عجز ميزان المدفوعات يؤثّر سلبًا على الليرة اللبنانية وحتى على كيان الدوّلة المالي. من هذا المُنطلق يقوم المركزي بهندساته ويتحمّل كلفتها من دون تحميل الخزينة العامة أعباء.

في الختام، لا يسعنا القول إلّا انّ التهجّم على مصرف لبنان (أو حاكمه) أو على الليرة اللبنانية هو أمر يضرب الإستقرار النقدي والمالي للدوّلة اللبنانية ويؤدّي إلى إضطرابات إجتماعية. واليوم مع الجهود التي يقوم بها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة للقيام بإصلاحات وتأمين إستثمارات من خلال مؤتمر «سيدر»، لا نرى في التهجّم على مصرف لبنان وعلى الليرة اللبنانية إلّا رغبة في ضرب الإستقرار الإقتصادي والاجتماعي، بعدما تحقّق الإستقرار الأمني.

مصدر الجمهورية الجريدة

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

الحريري من مجلس النواب: للإبقاء على الإصلاحات ونسب العجز حماية للتصنيف

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ ام تي في ضمن نشرة الأخبار - الحريري من مجلس النواب: للإبقاء على الإصلاحات ونسب العجز حماية للتصنيف - تاريخ 19 حزيران 2019
المزيد...

البروفسور جاسم عجاقة ضيف برنامج حوار اليوم على شاشة الـ او تي في

البروفسور جاسم عجاقة ضيف برنامج حوار اليوم الثلاثاء 18 حزيران 2019 الساعة الحادية عشر والنصف صباحًا على شاشة الـ…

الفساد الآفة التي أوصلت الدين العام إلى 86 ملياراً … وهكذا تراكم منذ نهاية…

من ميزات المواطن اللبناني أنه بدأ يستخدم وحدات قياس تُستخدم في الفيزياء الفضائية لقياس المسافات الضوئية. فمن…

5 مليارات دولار تطير سنوياً والدولة عاجزة…

الدخول ممنوعٌ لمن ليس لديه عمل، إلاّ بتصريحٍ يومي من الأمن... هكذا تبدو القاعدة، لكن في بلد المحسوبيات، فلتطلب من…

الدين العام

الفساد الآفة التي أوصلت الدين العام إلى 86 ملياراً … وهكذا تراكم منذ نهاية الحرب الأهلية

من ميزات المواطن اللبناني أنه بدأ يستخدم وحدات قياس تُستخدم في الفيزياء الفضائية لقياس المسافات الضوئية. فمن المليار (9 أصفار) إلى التريليون (12 صفراً)، وقريبا البنتيليون (15 صفراً) والهكزيليون (18 صفر) ... هذه الوحدات للأسف أصبحنا نستخدمها لقياس الديّن العام وحبّذا لو كنا نستخدمها لقياس الناتج المحلّي الإجمالي للبنان.
المزيد...

لماذا تمتنع وزارة المالية عن نشر هذه الأرقام؟

في تطوّر استثنائي، تبيّن أنّ الدين العام الإجمالي في لبنان ارتفع بحوالي 971 مليون دولار خلال شهر آذار الأخير إلى…

مالية لبنان بخير وفاتورة الـ 650 مليون دولار أبرز دليل… ولكن !

بالتزامن مع إقرار الموازنة العامة الأكثر تقشّفًا في تاريخ لبنان كما وصّفها الرئيس سعد الحريري، كثُرت فيه التهويلات…

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع…

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع الداخلية السماح للحكومة بالصرف على…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More