بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

سيدر والوظائف الموعودة… ملفّ للمتابعة

أرباح مشاريع سيدر هي حقّ طبيعي للشعب اللبناني

هناك شبه إجماع على أن الإستثمارات المُنتظرة من مؤتمر سيدر ستخلق وظائف في الإقتصاد اللبناني وبالتالي ستُحفّز النمو الإقتصادي. لكن التحليل يُظهر أن هذه الإستثمارات قدّ تقتل فرص العمل الموجودة إذا لم تأخذ الحكومة بعين الإعتبار العيوب التي قد تُصيب بعض الآليات الإقتصادية.

الجمهورية \ بروفسور جاسم عجاقة

يعتبر الاستثمار ضروريًا لكفاءة الاقتصاد حيث تنصّ النظرية  الإقتصادية أنه بدون إستثمارات، لا يُمكن أن يكون هناك نمو أو وظائف. وعلى الرغم من ذلك، توجد هناك حالات يُمكن للإستثمارات أن تؤدّي إلى الإضرار بالعمالة. ويأتي تصنيف الإستثمارات بحسب الهدف الذي يسعى إليه المُستثمر، لتُظهر الحالة التي تؤّدي فيها الإستثمارات إلى الضرر بالعمالة:

أولًا – هناك الإستثمارات في القدرات (capacité) والذي يعني شراء رأس مال ثابت بهدف رفع القدرة الإنتاجية مثل شراء مُعدّات إضافية أي زيادة الكميّة المُنتجة وبالتالي هذا النوع من الإستثمار هو إستثمار خالق للوظائف.

ثانيًا – هناك الإستثمارات في الإنتاجية (productivité) والذي يعني شراء رأس مال ثابت بهدف تحسين كفاءة الإنتاج دون زيادة القدرة الإنتاجية مثل إستبدال الموظّف بآلة. هذا النوع من الإستثمار هو إستثمار مُدمّر للوظائف.

ثالثًا – هناك الإستثمارات بهدف الإستبدال (remplacement) والذي يعني إستبدال رأس المال الثابت الموجود برأس مال ثابت جديد مثل إستبدال المُعدّات الموجودة. هذا النوع من الإستثمار ليس له أي تأثير على الوظائف.

برهن العالم الإقتصادي كينز أن كمية الوظائف التي يتمّ خلقها في نهاية المطاف هي كمية مُضاعفة للكمية الأساسية (Effet Multiplicateur). أي بمعنى أخر إن الإستثمارات تخلق موجة من الوظائف وبالتالي هناك توزيع إضافي وأوسع للمداخيل (Effet Primaire). هذه المداخيل الإضافية التي تتوزّع بين الإستهلاك والتوفير، تزيد من الطلب على السلع والخدمات الأخرى وبالتالي تزيد من نشاط الشركات الأخرى مما يعني زيادة العمالة (Effet Secondaire). ويستمرّ الأمر على هذا النحو إلى حين يتمّ توفير كل هذه المداخيل من قبل اللاعبين الإقتصاديين.

في العام 1976، قال المُستشار الألماني هلموت شميت أن “أرباح اليوم هي إستثمارات الغدّ وهذه الأخيرة هي وظائف ما بعد الغدّ”. هذه العبارة التي تمّ إثباتها ميدانيًا على الأرض هي معادلة صالحة فقط في الإقتصادات الحرّة التي تكون فيها نسبة المُنافسة عالية وفيها توزيع عادل للثروة الوطنية. وبالتحديد هذه العبارة الأخيرة هي محور كل الآلية!

فالإستثمار من قبل الشركات يخلق طلبًا على السلع والبضائع، هذا الطلب يؤدّي إلى تحفيز القطاع التي تنتمي إليه هذه البضائع وبالتالي تُترجم بزيادة اليد العاملة فيه. من جهة أخرى زيادة اليد العاملة تعني إرتفاع المداخيل الموزّعة، وبالتالي لنا الحق بالإستنتاج أن إرتفاع مداخيل الأسر يعني إرتفاع الطلب على السلع والبضائع وبالتالي رفع العمالة.

على صعيد أخر وفي إطار نمو إقتصادي ضعيف ومنافسة شديدة، تذهب الشركات إلى الإستثمار في الإنتاجية على حساب القدرات. وهذا يعني أن هناك إستبدال للعمالة برأس المال مما يعني خفض عدد الوظائف. وهذه المُشكلة تضرب الإستثمارات في لبنان حيث أن النمو الضعيف يؤدّي إلى إعطاء الأولية للربحية من قبل الشركات وبالتالي خفض عدد الوظائف فيها. هذا الأخير يعني بكل بساطة خفض القدرة الإستهلاكية وبالتالي خفض الطلب والدخول في حلقة مُفرغة !

من المعروف أن مُعظم المشاريع التي وردت في الورقة التي قدّمتها الحكومة اللبنانية في مؤتمر سيدر (Capital Investment Plan) تحوي على مشاريع بنى تحتية بالدرجة الأولى: نقل (8.8 مليار د.أ، 50 مليون نهار عمل)، مياه (4.9 مليار د.أ، 40 مليون نهار عمل)، صرف صحي (2.7 مليار د.أ، 45 مليون نهار عمل)، كهرباء (5.6 مليار د.أ، 28.8 مليون نهار عمل)، إتصالات (700 مليون د.أ)، نفايات (1.4 مليار د.أ)، ثقافة، سياحة وصناعة (1.2 مليار د.أ).

إذًا كيف سيتمّ الإستثمار في هذه المشاريع ووفق أي آلية؟ من المفروض أن تعمد الحكومة إلى إعتماد آلية شفافة للمناقصات على أن يتمّ تلزيم المشروع للشركة التي تستوفي الشروط المنصوص عليها في دفتر الشروط. وبفرضية أن الأمور سارت بشكل جيّد أي أن المناقصة كانت شفافة وربحت الشركة الأكثر كفاءة وملاءة المناقصة، تظهر إلى العلن مُشكلة إقتصادية وهي مُشكلة خلق الوظائف!!

بحسب مُهندسي مؤتمر سيدر، الهدف الأساسي من الإستثمارات هو تحفيز النمو الإقتصادي وخلق الوظائف. إذًا هناك إهتمام أكثر من أساسي عبّر عنه رئيس الحكومة بقوله أن مشاريع سيدر ستخلق 900 ألف وظيفة على عمر المشاريع (أي من المفروض 10 سنوات). لذا يتوجّب الإنتباه إلى المُشكلتين اللتين سنطرحهما أدناه حتى يتمّ تعظيم الإستفادة من هذه المشاريع.

المُشكلة الأولى: هناك كميتين أساسييتين يجب النظر إليهما بتمعن وهما سرعة إرتفاع رأس المال وسرعة إرتفاع الوظائف. العلاقة بين هاتين الكميتين من المفروض أنها خطّية، إلا أن البيانات التاريخية أظهرت أن الشركات الكبيرة (التي من المفروض أن تربح المناقصات في مشاريع سيدر) ستعمد إلى إستثمارات من نوع “الإستثمارات في الإنتاجية” بالدرجة الأولى وذلك بحكم أن في هذه الشركات يتنافس رأس المال الثابت واليد العاملة وبالتالي أي إستثمار يعني بالدرجة الأولى إستبدال اليد العاملة برأس مال ثابت. أما فيما يخص الشركات الصغيرة والمُتوسّطة الحجم فإن إستثمارتها هي حكمًا إستثمارات من نوع “الإستثمارات في القدرات” وبالتالي فهي تخلق تلقائيًا وظائف.

المُشكلة الثانية: كما وسبق الذكر أعلاه، لا يُمكن تحفيز النمو الإقتصادي إلا من خلال زيادة مداخيل العدد الأكبر من الأسر في لبنان وهذا يعني أن أرباح مشاريع سيدر هي حقّ طبيعي للشعب اللبناني (أو أقلّه القسم الأكبر) تضمنه النظرية الإقتصادية التي تؤكد أن لا إمكانية للإستثمارات أن تُعطي مفعولها من دون أن يكون هناك إستفادة للإسر. هذه النقطّة أكّد عليها كل من البنك الدولي الذي قال أن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم هي الأداة لمحاربة الفقر وخلق فرص العمل، وصندوق النقد الدولي الذي قال أن هذه الشركات هي الأداة لنقل التكنولوجيا من الإقتصادات المُتطورة إلى الإقتصادات في طور النمو.

من هذا المُنطلق، نرى أن على الحكومة اللبنانية أن تعمد في قانون المناقصات الذي سترفعه إلى مجلس النواب أن تأخذ بعين الإعتبار هاتين المُشكلتين حتى لا يكون عناء وتعب مؤتمر سيدر قد ذهب مع الريح.

مصدر رابط الجمهورية الجريدة

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

مشروع موازنة العام 2019 تحت امتحان الشعبوية… العجز سيتخطّى مشروع الحكومة

مشروع موازنة العام 2019 تحت امتحان الشعبوية... العجز سيتخطّى مشروع الحكومة «التشريح» الذي تقوم به لجنة المال والموازنة مُخالف للمنطق صعوبات تواجه اجتماع مجلس الوزراء الثلاثاء ... وملفات خلافية إلى مزيد من التأزيم
المزيد...

عجاقة لـ”تقارير لبنانيّة”: لإقرار موازنة 2019 بأسرع وقت من دون شعبوية تزيد العجز..

وسط جنوح أكبر نحو التعثّر ستتّجه الحكومة مستقبلاً إلى تدابير اجتماعية قاسية أكثر ممّا يؤشر لوصول لبنان إلى مرحلة…

لجنة المال في البرلمان اللبناني تعيد تشريح الموازنة

الشرق الأوسط | يوسف دياب دخلت موازنة لبنان لعام 2019 في متاهات جديدة، بعدما وضعتها لجنة المال والموازنة على مقصلة…

شرارة اعتداءات السفن تهدد أمن الملاحة في مياه الخليج

مع إثارة القلاقل بمنطقة الخليج العربي من حين لآخر، تبرز تساؤلات عدة حول التأثير السلبي المتوقع على اقتصادات…

الحريري ينتقد المماطلة في الموازنة والأسواق قلقة من تحميل المركزي عجز الموازنة

الحريري ينتقد المماطلة في الموازنة والأسواق قلقة من تحميل المركزي عجز الموازنة جلسة لمجلس الوزراء الأسبوع المقبل…

الدين العام

لماذا تمتنع وزارة المالية عن نشر هذه الأرقام؟

في تطوّر استثنائي، تبيّن أنّ الدين العام الإجمالي في لبنان ارتفع بحوالي 971 مليون دولار خلال شهر آذار الأخير إلى 86.22 ملیار دولار، من 85.25 مليار دولار في الشهر الذي سبقه، وذلك وفقاً لإحصاءات جمعية المصارف.
المزيد...

مالية لبنان بخير وفاتورة الـ 650 مليون دولار أبرز دليل… ولكن !

بالتزامن مع إقرار الموازنة العامة الأكثر تقشّفًا في تاريخ لبنان كما وصّفها الرئيس سعد الحريري، كثُرت فيه التهويلات…

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية…

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق مع المعايير الدولية للانتظام المالي".
المزيد...

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع…

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع الداخلية السماح للحكومة بالصرف على…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More