أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

سلسلة الرتب والرواتب: «الإبراء المُستحيل»

بعد طول إنتظار، أحال مجلس الوزراء سلسلة الرتب والرواتب الى مجلس النواب وفنّد مصادر تمويلها بـ 19 بندا موزعة على شكل ضرائب، رسوم، غرامات وتسوية أوضاع. ولكن هذه الإحالة بمصادر التمويل المُقترحة تُعد كارثة لأنها ستزيد العجز في الموازنة، وبالتالي الدين العام.  إقترح مجلس الوزراء تمويل سلسلة الرتب والرواتب من زيادة الضرائب والرسوم والغرامات وتسوية الأوضاع، مفترضاً بذلك أن هذه التدابير ستؤمّن كلفة السلسلة والتي لا تعرف حتى الآن كلفتها بالتحديد.

ولكن هذا الإفتراض خاطئ لأنه حسابي بحت ولن يؤمّن التمويل كما هو مقترح، للأسباب التالية:

1 – إقترحت الحكومة زيادة الضريبة على القيمة المضافة الى 15% على عمليات استيراد وتسليم الأجهزة الخليوية وقطع الغيار العائدة لها كما والسلمون، القريدس والكافيار والسيارات بكافة أنواعها. وقدّرت وزارة المالية المردود بما يُقارب الـ 100 مليون دولار. وهنا تكمن المُشكلة، فالضرائب على الأجهزة الخليوية ستدفع الى خفض الإستهلاك في السوق الشرعية وستشجع على الإستهلاك في السوق غير الشرعية (تهريب).

أما في ما يخص السلمون، القريدس والكافيار، عفواً يا أصحاب المعالي، عدد الذين يستهلكونه هم طبقة محدودة العدد وسيذهبون الى قبرص لتناوله. أما في ما يخص السيارات فزيادة الضرائب ستؤدّي بدون أدنى شك الى خفض العمليات في هذا القطاع ولن تُعطي المردود المنشود. وهذا الإجراء الأخير له فائدة واحدة وهي تخفيف ضغظ السيارات في الشوارع.

2 – إقترحت الحكومة خفضا بقيمة 20% للضريبة على القيمة المضافة القابلة للاسترداد من قبل السياح وقدرت وارداتها بـ 5 مليارات. ولا يُمكن للقارئ إلا أن يسأل : أين يعيش المسؤولون في لبنان؟ ألا يرون أنه لا يُوجد سياح في لبنان؟

3 – إقترحت الحكومة رفع: معدل رسم الطابع المالي النسبي من 3 آلاف الى 4 آلاف، رسم الطابع المالي على فواتير الهاتف بقيمة 1500 ليرة، رفع رسم الطابع المالي على السجل العدلي من 2000 الى 4000 ليرة، ورفع رسم الطابع المالي على الفواتير والايصالات التجارية من 100 ليرة الى 250 ليرة. نؤكد للحكومة أن كل البنود التي ذُكرت ستؤمّن المدخول المطلوب منها، ولكن من سيدفعها؟ أليس المواطن العادي في النهاية؟

4 – إقترحت الحكومة رفع رسم الطابع المالي على رخص البناء، وفرض ضريبة على ارباح البيوعات العقارية بمعدل 15%. ولكن تناست الحكومة أن حركة القطاع العقاري تعيسة ولماذا لم تذكر الحكومة أن الضريبة على ارباح البيوعات العقارية لها مفعول رجعي وعلى 5 سنوات مثلاً؟ وهذا الإجراء لن يُعطي المداخيل المرجوة للمستقبل.

5 – إقترحت الحكومة فرض رسوم على رخص استثمار المياه الجوفية وتعبئة المياه، وفرض غرامة على الآبار غير المرخصة. عفواً ولكن ذلك يفترض أن تؤمن الدولة المياه على كل الأراضي اللبنانية وهي التي تأخذ الرسوم على العدادات دون أن يكون هناك ماء. إن هذا الإجراء هو معاكس للحركة الإقتصادية لأنه يمس ري المزروعات ويمس بكرامة الإنسان من ناحية أن المواطن سيشتري المياه كما لو كان في بلاد صحراوية.

6 – إقترحت الحكومة رفع رسم الخروج على المسافرين براً بقيمة 5 آلاف ليرة. كيف لهذا التدبير أن يمول سلسلة رتب ورواتب وكلنا يعلم أن العبور على الحدود السورية، مع وجود الأزمة قل بنسبة كبيرة.

7 – إقترحت الحكومة فرض رسم نسبي على جوائز اليانصيب التي تفوق 10 آلاف ليرة قدره 20% بدلاً من 10%. عفواً يا أصحاب المعالي، ولكن كم يوجد من رابح في العام الواحد؟ كل هذا التدبير لن يؤمن أكثر من 15 مليون دولار.

8 – إقترحت الحكومة تمديد العمل بقانون تسوية مخالفات البناء لمدة 5 سنوات على ان يشمل المخالفات الحاصلة بين تاريخ 1/1/1994 وتاريخ 31/12/2010. مع إلاعتراف بفعالية هذا التدبير إلاّ إنه تدبير مؤقت لأن من يسوّي وضعه، إذا ما إعتبرنا أن لا تدخلات من أصحاب النفوذ لتغطية المُخالف، فسيفعل ذلك مرة واحدة.

9 – إقترحت الحكومة فرض رسم اشغال الاملاك البحرية وفرض غرامة تساوي ضعفي قيمة رسم الاشغال على الاشغال المخالف دون ان يعطي ذلك أي حق مكتسب من أي نوع كان للمخالفين. هذا التدبير جيد، لكن يجب معرفة تفاصيل هذه الرسوم بالأرقام لكي تكون واضحة للعلن على أن يتم نشر ما سيدفعه المخالفون من السياسيين.

كل هذه التدابير لتأمين موارد لسلسلة الرتب والرواتب لا تؤمن كلفة السلسلة. وقد مرّت الحكومة للأسف بجانب المصادر الحقيقية دون أن تأخذها بالإعتبار. ونجد أن نية الحكومة غير صادقة في إقرار السلسلة عبر إحالتها كمشروع عادي الى مجلس النواب. إن هذه السلسلة مُحقة وإحالتها واجب، لكن بالموارد المطروحة ستكون كارثة على من يستفيد منها.

ونرى أن الموارد الحقيقية تكمن في:

1 – الأملاك البحرية مع مفعول رجعي على كل الفترة التي أستُغلت خلالها.

– فرض ضرائب على الشقق الشاغرة، ففي بيروت وحدها هناك 45000 شقة شاغرة.

3 – فرض ضرائب على الأرباح العقارية منذ العام 2005 وحتى الآن.

4 – فرض ضرائب على أصحاب المولدات الذين يحرمون الدولة من مبلغ سنوي قدره 128 مليون دولار أميركي.

5 – فرض ضرائب على المصالح التي تُشغل أيدٍ عاملة أجنبية غير مُصرّحة للضمان كالمطاعم ومحطات البنزين وورشات البناء وغيرها.

6 – التشدّد بجلب فواتير الكهرباء والضرائب غير المدفوعة والتي تبلغ قيمتها 3 مليار دولار.

7 – لجم الهدر على المرافئ العامة وخصوصاً المطار ومرفأ بيروت.

8 – لجم الهدر في التخمينات العقارية والتي تحرم الدولة من الضرائب والرسوم.

9 – إستيراد النفط من المصادر دون المرور بالشركات الخاصة والتي تحرم الدولة من 1,5 مليار دولار سنوياً.

10 – لجم الهدر في الوزارات والإدارات العامة.

11 – إعتماد نهج تقشفي في الموازنات العامة.

من هنا يُطرح سؤال: ما الهدف من إحالة السلسلة بمصادر التمويل هذه. هل هي خضوع للشارع؟ أم أنها مناورة تهدف الى تطويل عمر المحنة التي يعيشها المواطن عبر العقبات التي ستواجه إقرار السلسلة في مجلس النواب؟ أم أنها تهرّب من المسؤوليات ورميها على المجلس النيابي؟

إن إقرار هذه السلسلة هو بمثابة إنتحار إقتصادي قامت به الحكومة ولن يُسامحها التاريخ عليه ولن يُبرئها لأنه سيكون الإبراء المستحيل.

رابط الجمهورية

  

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More