أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

تحديات إستخراج وتصدير الغاز اللبناني

أصبح من الأكيد إمتلاك لبنان ثروة نفطية هائلة أساسها الغاز. ويتساءل الكثير من اللبنانيين عن تاريخ بدء إستخراج هذه الثروة وتصديرها بهدف الإستفادة منها وتخفيف دين الدولة الذي سيزيد كاهل المواطن بالضرائب في حال تأخر إستخراج النفط والغاز. إذا كانت عملية التنقيب، وإستخراج وتصدير الغاز مرهونة بشكل أساسي بالوضع السياسي في لبنان، إلا أن التأخير في بدئها سيضعها أمام تحديات أخرى سيكون لها تأثير يُوازي تأثير الأوضاع الأمنية والسياسية.

بدأ الحديث عن النفط في لبنان منذ أواسط القرن الماضي، ولكن الظروف الأمنية والسياسية التي إجتاحت البلاد وأسعار النفط في ذلك الوقت لم تسمح بالذهاب بعيداً في هذا الملف. مما دفع لبنان إلى إستيراد إحتياجاته من النفط من الدول الخليجية، والغاز من مصر عبر أنبوب التصدير المصري (أنظر إلى الرسم).

ولكن ظروفاً عدة غيّرت المعادلة وأصبح الإهتمام الخارجي والداخلي في هذا الملف كبير. هذه الظروف تتمثل بعدة عوامل أهمها:

أولاً: ظاهرة نضوب النفط والغاز في الدول العربية، أكبر مصدر للبترول في العالم (60% من الإحتياط والإنتاج العالمي). فإستخراج الوقود الأحفوري، أي النفط والفحم والغاز الطبيعي، يتبع مع مرور الوقت منحنى على شكل جرس.

وتُعطي التنبؤات للبلدان العربية تواريخ غير بعيدة في عمر الشعوب. في البحرين، يُتوقع أن يبدأ نضوب النفط في العام 2014 والغاز في 2015. وفي الكويت، النفط في العام 2131 والغاز في العام 2220. أما في قطر فيُتوقع نضوب الغاز فيها في العام 2829 مما يُفسّر الدور الجيوسياسي الذي تلعبه حالياً. وهذا ما يدفع الدول المتطورة التي تعتمد إقتصاداتها على النفط إلى وضع إستراتيجيات على الأمد البعيد.

ثانياً: عدم إستقرار الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط الذي يؤدّي إلى صدمات في إقتصادات الدول المتطورة لما لهذه الأخيرة من علاقة وطيدة بالنفط والغاز. فإحتمال حدوث إضطرابات إجتماعية داخل الدول المُصدّرة للنفط (بسبب الحرمان وفقدان الحرية السياسية) إضافة إلى الصراع الإيراني-الخليجي الذي يؤثر على خطوط الإمدادات البحرية (خصوصاً عبر مضيق هرمز)، دفع الدول الكبرى إلى البحث عن مصادر جديدة للنفط وبما أن منطقة الشرق الأوسط، بطبيعتها الجيولوجية، خزان مُفضل طبيعياً، بدأ الإهتمام بالحوض شرقي للبحر المتوسط يزداد يوماً بعد يوم.

ثالثاً: لعبت أسعار النفط والغاز دوراً رئيسياً في زيادة الإهتمام بإستخراج هاتين الثروتين من شرق البحر المتوسط. فعندما كان سعر النفط يُوازي الـ 18، 28 و38 دولارا أميركيا، لم يكن هناك من جدوى لإستخراجه من مياه الحوض الشرقي للمتوسط لأن كلفة إستخراجه تتخطّى سعر البيع. لكن مع سعر يُوازي الـ 100 دولار أميركي، أصبحت الجدوى الإقتصادية بديهية.

رابعاً: إن تطور تقنيات البحث السيسمي، التنقيب وإستخراج النفط سمحت بدون أدنى شك بالوصول إلى أماكن كان من المستحيل التنقيب فيها إذا ما رجعنا عشرات الأعوام إلى الوراء. فعملية إستكشاف النفط تبدأ بمعرفة المنطقة جيولوجياً.

ثم، وإذا ما كان هناك علامات إيجابية عن وجود نفط، يُعمّق البحث من خلال دراسة مفصلة عن التراكيب الجيولوجية (التصوير السيزمي، الـ magnetometry و الـ gravitometry) وحفر آبار للإنتاج. والخطر الإقتصادي يكمن عند البحث في منطقة لم يثبت بعد وجود النفط فيها. لذا يتوجب إحتمال عال لوجود النفط قبل الخوض في حفر الآبار للإستخراج التجاري.

خامساً: إن إزدياد الإعتماد الأوروبي على الغاز المستورد يزداد عاماً بعد عام، ومن المُتوقع أن تبلغ نسبة هذا الإعتماد 74% في العام 2030 من مجمل الإستهلاك الأوروبي (أنظر إلى الرسم).

وقد دفع الخلاف الروسي – الأوكراني على أسعار الغاز، أوكرانيا إلى قطع أنابيب الغاز عن أوروبا مما شكّل أزمة كبيرة للأوروبيين الذين يستخدمونه للتدفئة والإستهلاك المنزلي. ولإيجاد مصدر آخر للغاز، إزداد إهتمام أوروبا بالثروة الغازية في البحر المتوسط لقربه جغرافياً ولعدم مرور أنابيب الغاز في أي دولة ممكن أن تقطعه في أي لحظة.

سادساً: إن تردّي الأوضاع الإقتصادية في لبنان دفع السياسيين إلى الإهتمام أكثر وأكثر بهذه الثروة لأنها تُشكل مخرجاً للدين العام اللبناني الذي دخل مرحلة اللارجوع. وقد بلغ هذا الإهتمام درجات عالية بعد بدء إسرائيل إستخراج الغاز من بئر تامار المُكتشف في العام 2009.

لكن، وبغض النظر عن الأوضاع الأمنية والسياسية في لبنان، وإذا ما إفترضنا أن التنقيب بدأ في العام 2014، فإن عددا من التحديات ستواجه لبنان وقد تُقلل الإبتهاج الناتج عن إستخراج النفط والغاز:

أولاً: إحتمال توجيه ضربات جوية إسرائيلية لمنصات التنقيب والإستخراج في عرض البحر. وهذا الإحتمال سيزيد في حال تطورت الأزمة السورية لصالح النظام السوري وحزب الله وقد يؤدي إلى مواجهة واسعة مع إسرائيل التي ستعمد إلى ضرب البنية التحتية اللبنانية على سياق ما حصل في عدوان 2006. وفي نفس الوقت ستؤمن حماية على مدار الساعة لمنشآتها النفطية والحيوية في البر والبحر.

ثانياً: إن هذا الإحتمال سيؤدّي حتماً إلى تردّد الشركات العالمية في المشاركة في عمليات التنقيب. وسيزيد هذا التردّد أسعار شركات التأمين التي ستزداد ميكانيكياً في حال حصول مواجهات بين إسرائيل ولبنان.

ثالثاً: هناك ظاهرة جديدة ألا وهي إستخراج الغاز الصخري الذي ظهر مع تقدّم التقنيات والذي سيجعل من أميركا مُصدّراً للغاز في فترة وجيزة. وحتى بدأت الأصوات تعلو في فرنسا وألمانيا لإستخدام هذه التقنيات لإستخراج الغاز الصخري في هذه الدول والذي قد يُقلل في حال نجاحه من إعتماد أوروبا على الغاز المستورد وبالتالي الغاز اللبناني.

رابعاً: في حال تمّ تخطّي التحديات السابقة، يبقى السؤال عن كيفية تصدير الغاز اللبناني إلى أوروبا. على هذا الصعيد، يكثر الحديث بين إسرائيل، قبرص، اليونان وإيطاليا عن مشروع أنبوب غاز بحري مشترك لتصدير الغاز المُستخرج من هذه الدول إلى أوروبا (أنظر إلى الرسم).

ولبنان حتى الساعة، خارج المعادلة كلياً، وقد يُصبح ملحقا لهذه الدول في حال تم البدء في تنفيذ هذا المشروع. وما يُشجّع على هذا المشروع على الرغم من كلفته العالية هو الصراع اللبناني-السوري مع إسرائيل والذي يقضي على كل فكرة بتمرير الأنبوب عبر تركيا إلى أوروبا.

يبقى أنه عندما نُفكر بالتحديات التي تعترض إستخراج النفط والغاز في لبنان، خصوصاً الإنقسامات السياسية، قد نصل إلى نتيجة حزينة مفادها أن جيلنا لن يكون في هذا العالم عند حصول هذا الحدث الذي أنجزته إسرائيل في غضون 5 سنوات!

رابط الجمهورية 

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More