بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

بدأت مرحلة اللعب بالنار

تسعة أشهر حتى نهاية العام 2019، وحتى الساعة لا يوجد أية إجراءات تصحيحية في المالية العامّة. هذا الأمر سيؤدّي حكماً إلى إرتفاع العجز ومعه الدين العام، لتبدأ معهما مرحلة المعاناة المالية للبنان. في الواقع تُشير نتائج المحاكاة لوضع المالية العامّة، إلى أنّ لبنان مقبل على مرحلة خطرة ستكون عواقبها وخيمة في غياب إجراءات سريعة.

الجمهورية | بروفسور جاسم عجاقة

ثلاثة أشهر على بدء العام 2019 ولا يوجد حتى الساعة موازنة. ثلاثة أشهر بلغ فيها إجمالي الإنفاق العام (من دون خدمة الدين العام) 2.75 مليار دولار أميركي بحسب التقديرات، وبلغت إستحقاقات الدين العام في هذه الأشهر الثلاثة الأولى 614 مليون دولار أميركي، أي ما مجموعه 3.37 مليارات دولار أميركي.

القاعدة الثلاثية لا يُمكن إستخدامها في حالة المالية العامّة لمعرفة إجمالي الإنفاق للعام 2019، بحكم أنّ استحقاقات اليوروبوند ليست موزّعة بشكل متساوٍ على أشهر السنة، وأنّ الإستحقاقات الكبيرة تأتي في شهري أيار وتشرين الثاني. لكن إذا ما أخذنا مُعدّل إنفاق شهري للعام 2018 (من دون خدمة الدين العام) بقيمة 2086 مليار ليرة لبنانية، فهذا يوصلنا إلى إنفاق سنوي في العام 2019 بقيمة 11 مليار دولار أميركي. أضف إلى هذا الرقم إستحقاقات الدين العام للعام 2019 أي 4.76 مليارات دولار أميركي، فإن مجموع الإنفاق لهذا العام سيبلغ 16.4 مليار دولار أميركي أي ما يوازي إنفاق العام الماضي.

هذا على الورق، اما الحقيقة فأصعب من ذلك!
إستحقاقات اليوروبوند العام الماضي كانت 3.6 مليارات د.أ، وهذا العام 4.76 مليارات د.أ. إذاً هناك زيادة في استحقاقات اليوروبوند بأقلّه مليار دولار أميركي، ما يعني انّ هناك إستحالة أن يكون إنفاق العام 2019 موازياً لإنفاق العام 2018 وبالتالي فهناك أقلّه زيادة بقيمة مليار دولار أميركي على إنفاق العام الماضي.

بالطبع، الصورة لم تكتمل بعد، فاستحقاقات الدين العام معروفة بدقة من الأسواق، إلا أنّ الغموض يأتي من بند الأجور في الدرجة الأولى، بند الكهرباء في الدرجة الثانية، والإنفاق التشغيلي في الدرجة الثالثة. هذه البنود مرشّحة بقوة إلى الإزدياد مع إرتفاع عدد الموظفين في القطاع العام، لكن أيضًا مع القرارات التي ستطال مؤسسة كهرباء لبنان، مما سيُرتّب عجزاً إضافياً عن العام 2018 بقيمة 3 مليارات دولار أميركي بحسب التقديرات، أي ما مجموعه 9 مليارات دولار أميركي.

سيناريو الـ9 مليارات دولار أميركي عجز في موازنة العام 2019 هو السيناريو في حال لم يتمّ القيام بأية إجراءات تصحيحية. وبفرضية الإستمرار على نفس النهج، فإنّ موازنة العام 2020 ستحمل عجزًا بقيمة 11 مليار دولار أميركي، ما يعني أنه في العام نفسه، سيكون مستوى الدين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي 200%. هذا السيناريو كارثي ولا يُمكن الإستمرار فيه.

السيناريو الآخر، والذي أسميناه «سيناريو سيدر» والذي يتضمن إصلاحات وإستثمارات، ينصّ على أن مستوى العجز في الموازنة ونتيجة الـ momentum في الإنفاق، سيرتفع إلى 7.57 مليارات دولار في العام 2019، ليُعاود إنخفاضه إلى 7.34 مليارات دولار في العام 2020، مما يعني كسرّ وتيرة إرتفاع الدين العام إبتداءً من العام 2020. هذا السيناريو كما سبق الذكر، يضم إصلاحات أساسية تطال البنود الثلاثة الآنفة الذكر أي الأجور، الكهرباء والإنفاق التشغيلي.

على صعيد كتلة الأجور، ليس من السهل خفض هذا البند. إلا أنّ الأساس في العملية الإصلاحية يتمحوّر حول نقطتين:

الأولى: وقف التوظيف بكل ما للكلمة من معنى وتحت أي مُسمّى كان.

الثانية: عدم إستبدال الأشخاص الذين يبلغون السنّ القانونية إلا بمعدّل واحد لكل ثلاثة على التقاعد.
هذا الأمر سيسمح بلجمّ زيادة كتلة الأجور بمعدّل 435 مليون دولار أميركي سنويًا، وهو المُعدّل العام السنوي منذ العام 2007.

على صعيد الإنفاق التشغيلي، من الواضح أنّ خفض هذا البند بأقلّه 20% هو أمر ضروري، كما اقترحه الرئيس الحريري العام الماضي. لكن هذا الخفض لا يجب أن يكون على الورق فقط كما حصل في العام 2018، بل يجب أن يُطبّق على الأرض من خلال لجم بنود السفر، الإيجارات، التعويضات للجان، التجهيزات وغيرها. هذا الأمر سيسمح بتوفير ما لا يقلّ عن مليار دولار إذا ما طُبّق في كافة وزارات ومؤسسات الدوّلة.

على صعيد الكهرباء الأمور مُعقّدة أكثر، وذلك بحكم البُعد السياسي والكباش بين الأفرقاء السياسيين على هذا البند. فخيارات حلّ مُشكلة الكهرباء كثيرة، إلا أنّ المُشكلة الأساسية تبقى في الحلّ على الأمد القصير إلى المُتوسّط. أي خيار لحلّ وسطي ستكون له كلفة. من هنا يتوجّب مقاربة هذا الملف من وجهة نظر مُختلفة، أي إمكانية إعتماد خيارات مُوجعة (للجميع!).

الجدير ذكره، أنّ مُعدّل دعم مؤسسة كهرباء لبنان في العام 2018 بلغ 150 مليون دولار أميركي شهريًا. هذا الرقم يُمكن توفيره على المدى المتوسّط إلى البعيد.

التصاريح التي أدلى بها العديد من المسؤولين اللبنانيين حول عدم إحتواء مشروع موازنة العام 2019 أية ضرائب، تؤدّي إلى نتيجة حتّمية، وهي أنّ العجز سيزداد في موازنة العام 2019! لذا، باعتقادنا ونظرًا لحساسية الوضع التي وصلت اليه الأمور إلى حدّ اللعب بالنار، نرى أن هناك إلزامية لفرض عدد من الضرائب تأتي بزيادة 4% على إجمالي الإيرادات في العام 2019، و10% إبتداءً من العام 2020. هذا السيناريو هو الذي إعتمدناه في المحاكاة التي قمّنا بها، حيث أن السنوات التي ستلي، ستشّهد إرتفاعاً في مداخيل الدولة تلقائيًا نتيجة الإستثمارات من مشاريع «سيدر1».

ويبقى السؤال عن نوع الضرائب التي يُمكن فرضها؟ بالطبع، الضرائب إجراء غير شعبي وقد يرفضه العديد من السياسيين نظرًا إلى التعاطي الإعلامي الحالي مع ملف الفساد، والذي سيلعب ضدّ أي إقتراح ضريبي. إلّا أنّ هذا الواقع الأليم هو أمر حتمي نظرًا إلى أنّ محاربة الفساد لن تأتي بثمارها في العام 2019 ولا في العام 2020.

توجّهات المُنظّمات الدوّلية أو بالأحرى توصياتها، تنصّ على فرض رسوم على البنزين أو زيادة الضريبة على القيمة المُضافة لما لهذه الإجراءات من مردود سريع على خزينة الدوّلة. لكن وكما سبق الذكر، من الصعب جدًا إقرار مثل هذه الضرائب إلا بفاتورة سياسية تكون على حساب شعبية من يُصوّت على هذه الضرائب.

من هنا نقترح التوجّه نحو الضرائب على الموارد غير المُستخدمة في الماكينة الإقتصادية كالأملاك البحرية والنهرية، الحسابات المصرفية التي تفوق مستوى مُعيّن والتي لا تُستخدم في الإستثمارات، الضرائب على الشقق الشاغرة (مما يحلّ جزئيًا مُشكلة الإسكان)، وإعادة فرض رسوم على السلع والبضائع المُستوردة من الخارج والتي لها نظير في لبنان.

في الختام، نرى أن من الضروري على الحكومة الإسراع في إيلاء الملفّ الإقتصادي إهتمامًا أكبر وأخذ القرارات الصائبة والموجعة في آن لإنقاذ المركب ومن فيه.

مصدر الجمهورية الجريدة

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

الحريري من مجلس النواب: للإبقاء على الإصلاحات ونسب العجز حماية للتصنيف

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على شاشة الـ ام تي في ضمن نشرة الأخبار - الحريري من مجلس النواب: للإبقاء على الإصلاحات ونسب العجز حماية للتصنيف - تاريخ 19 حزيران 2019
المزيد...

البروفسور جاسم عجاقة ضيف برنامج حوار اليوم على شاشة الـ او تي في

البروفسور جاسم عجاقة ضيف برنامج حوار اليوم الثلاثاء 18 حزيران 2019 الساعة الحادية عشر والنصف صباحًا على شاشة الـ…

الفساد الآفة التي أوصلت الدين العام إلى 86 ملياراً … وهكذا تراكم منذ نهاية…

من ميزات المواطن اللبناني أنه بدأ يستخدم وحدات قياس تُستخدم في الفيزياء الفضائية لقياس المسافات الضوئية. فمن…

5 مليارات دولار تطير سنوياً والدولة عاجزة…

الدخول ممنوعٌ لمن ليس لديه عمل، إلاّ بتصريحٍ يومي من الأمن... هكذا تبدو القاعدة، لكن في بلد المحسوبيات، فلتطلب من…

الدين العام

الفساد الآفة التي أوصلت الدين العام إلى 86 ملياراً … وهكذا تراكم منذ نهاية الحرب الأهلية

من ميزات المواطن اللبناني أنه بدأ يستخدم وحدات قياس تُستخدم في الفيزياء الفضائية لقياس المسافات الضوئية. فمن المليار (9 أصفار) إلى التريليون (12 صفراً)، وقريبا البنتيليون (15 صفراً) والهكزيليون (18 صفر) ... هذه الوحدات للأسف أصبحنا نستخدمها لقياس الديّن العام وحبّذا لو كنا نستخدمها لقياس الناتج المحلّي الإجمالي للبنان.
المزيد...

لماذا تمتنع وزارة المالية عن نشر هذه الأرقام؟

في تطوّر استثنائي، تبيّن أنّ الدين العام الإجمالي في لبنان ارتفع بحوالي 971 مليون دولار خلال شهر آذار الأخير إلى…

مالية لبنان بخير وفاتورة الـ 650 مليون دولار أبرز دليل… ولكن !

بالتزامن مع إقرار الموازنة العامة الأكثر تقشّفًا في تاريخ لبنان كما وصّفها الرئيس سعد الحريري، كثُرت فيه التهويلات…

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع…

الهجوم الإرهابي على القوى الأمنية يُثير المخاوف الاقتصادية والمطلوب ضبط الاوضاع الداخلية السماح للحكومة بالصرف على…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More