أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

المنظومة الصاروخية في الحروب المُعاصرة

مما لا شك فيه أن البعد الجوي له تطبيقاته العسكرية وذلك منذ الحرب العالمية الثانية حيث نجح الألمان في العام 1931 بإطلاق أول صاروخ تجريبي يعمل بالوقود السائل. لكن البعد الفضائي أخذ منحى تصاعدياً إن من ناحية دعم المنظومات الصاروخية أو من ناحية احتوائه على أسلحة أصبحت أكثر من ضرورية في الحروب المُعاصرة.

ليبانون فايلز / بروفسور جاسم عجاقة

من المعروف أن علم المقذوفات قدّم الكثير في الحروب القديمة وذلك عبر اختراع قاذفات كانت تُرسل صخور مع زيت ونار وذلك بهدف إنزال الضرر بالعدو قبل الإلتحام الجسدي. لكن مع الوقت بدأت الصورايخ تحل محل القاذفات في عتاد الجيوش.

ففي العام 1931، قام فون براون باختراع أول صاروخ يعمل بالوقود السائل وأصبحت معه المسافات ليست بعائق لضرب العدو. فشهد العالم تطوراً هائلاً تمثل بصواريخ عابرة للقارات، وأصبحت الرؤوس النووية تُشكل عاملاً إستراتيجياً إلى جانب هذه الصواريخ.

وتحدد بذلك إنقسام العالم إلى قطبين شرقي بزعامة الإتحاد السوفياتي وغربي بزعامة الولايات المُتحدة الأميركية. وأخذ السباق إلى التسلح النووي مجده وبدأت الحرب الباردة بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية. لكن هذه الأخيرة إنتهت مع تفكك الإتحاد السوفياتي سنة 1991.

والنتيجة التي توصل إليها القطبان تمثلت بإستحالة إستخدام الترسانة النووية لعدم القدرة على السيطرة على الرذاذ النووي والحد من إنتشاره عند إستعمال صاروخ نووي.

هذا الأمر دفع بالولايات المُتحدة الأميركية إلى بدء عصر جديد من الصواريخ الذكية والتي تتمتع بقدرات كان من المُستحيل تخيلها في البدء. وكلمة ذكاء لا تعني أكثر من السيطرة على مسار الصاروخ بشكل ديناميكي يسمح بتعقب الهدف بحسب نوعه، حرارته، أو بحسب المعلومات التي تُرسل إلى هذا الصاروخ عبر الردارات والأقمار الإصطناعية.

ومن الأنشطة الداعمة لهذا الصاروخ الذكي، يُمكن ذكر الإلكترونيات، النانوتكنولوجيا، الحاسوب، الإتصالات والأقمار الإصطناعية (أي البعد الفضائي).

فمثلاً يُمكن لصاروخ ذكي تتبع صاروخ أخر وإعتراضه وتفجيره في الجو، أو يُمكن ملاحقة هدف مخبأ لا يُمكن لصاروخ عادي أن يطاله وذلك بفضل قدرة تغيير المسار التي يتمتع بها الصاروخ الذكي.

وأصبح الصاروخ الذكي له مكانة إستراتيجية وتكتيكية تتمثل بتأمين تفوق نوعي يسمح بتغيير مسار الحروب وذلك بأقل ضرر بشري ممكن كما والسماح بتفادي أضرار مادية وبشرية ناتجة عن هجمات صاروخية صادرة عن العدو. والأمثلة الحديثة العهد كثيرة نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر، حرب الخليج والحرب في ليبيا.

من هنا بدأت القوى العظمى تطوير أنظمتها الصاروخية الهجومية والدفاعية الخاصة حتى أنه أصبح هناك وحدات خاصة في الجيوش تتكفل حصرياً بالهجوم الصاروخي أو بالدفاع في حال تعرض البلد المعني إلى هجوم. وأخذت إسرائيل هذا المنحى خصوصاً بعد عدوان تموز 2006 الذي أظهر مدى ضعف الدفاع الصاروخي الإسرائيلي في مقابل 4000 قذيفة سقطت من قبل حزب الله على إسرائيل.

فعمدت هذه الأخيرة إلى تطوير نظام دفاعي سُمّي بالـ Iron Dome والذي يعتمد على ثلاثة مكونات أساسية:

  • نظام رادار إلكتروني ثلاثي الأبعاد للرصد والتتبع وهو الرادار “ELM-2084” الذي تم تصنيعه من قبل شركة ألتا والذي بحسب هذه الأخيرة قادر على رصد رصاصة على بعد 200 كم وتتبع 200 هدف في الوقت نفسه؛
  • حاسوب لإدارة المعركة والتسلح ويعتمد على نظام mPrest Systems والذي له قدرة عالية تُوازي وحتى تفوق قدرات نظام الـ Cray الذي يُستخدم في المجال العسكري والمُصنف من أكثر الأنظمة المُتطورة؛
  • بطارية صواريخ إعتراض (سُمّيت بـ تامير) ولها أنظمة إستشعار كهروبصرية مع أجنحة تُعطيها قدرة عالية على المناورة.

ومبدأ عمل هذه المنظومة بسيط (التفاصيل أصعب بكثير)، حيث يتم رصد الصواريخ بواسطة الرادار كما بواسطة الأقمار الإصطناعية ويعمد الحاسوب إلى حساب طريق هذ الصاروخ (Path)، من ثم يتم حساب نقطة الإعتراض ويتم إرسال صاروخ إعتراض.

إلا أن كلفة صواريخ الإعتراض تمنع الإرسال التلقائي لهذه الصواريخ ويقوم الحاسوب بحسب النقطة التي يستهدفها الصاروخ العدو بتقييم نوعية الهدف:

  •  فإذا ما كان هناك سكان يتم إرسال صاروخ الإعتراض فوراً؛
  •  وإذا لم يكن هناك من سكان فإن الحاسوب يُقيم، بحسب قاعدة البيانات، المنشأت الحيوية ومدى الضرر ويأخذ القرار بإراسال الصاروخ بحسب نتيجة التحليل.
  • أما إذا لم يكن هناك من سكان ولا منشأت حيوية، فيتم ترك الصاروخ العدو لكي يُصيب الهدف حيث الخسارة الماديةالمعنوية أقل بكثير من ثمن صاروخ الإعتراض.

إلا أن هناك نقطة ضعف أساسية لهذه الأنظمة والتي تتمثل بالتالي: إذا ما كان عدد الصواريخ المُرسلة في آن واحد من قبل العدو، كبير فإن هذه الأنظمة تعجز عن رصدها كلها وذلك عملاً بقانون الأعداد الكبيرة (Law of large numbers).

في النهاية لا يُمكن القول إلا أن رغبة بعض القوى الخارجية والداخلية عدم تسليح الجيش اللبناني بأنظمة صواريخ إعتراض هو أمر مقصود ويهدف إلى منع الجيش اللبناني من التصدي للإعتداءات التي تطال لبنان جنوباً وشرقاً خصوصاً أن هذه الصواريخ هي صواريخ دفاعية وليست هجومية.

مصدر ليبانون فايلز

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More