بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

المالية العامة: شوكة في خصر الإقتصاد

عجيب أمر الاقتصاد اللبناني الذي وعلى رغم كل الصعاب والمحن التي يمرّ بها لبنان، يقاوم الركود! ملفات إجتماعية جمّة مع إزدياد توافد اللاجئين السوريين وتفاقم المطالب الاجتماعية ما يزيد العجز العام. فهل أصبحت المالية العامة شوكةً في خصر الإقتصاد؟

الجمهورية / بروفسور جاسم عجاقة

في ظلّ الضغوطات السياسية والأمنية والإجتماعية، تواجه المالية العامة أتعس لحظاتها مع إزدياد العجز الناتج عن تلبية متطلبات أزمة النازحين السوريين كما وتلبية الملفات الاجتماعية.

وتُشير الأرقام إلى أنّ العجز في الميزانية العامة تخطى الستة آلاف مليار ليرة لبنانية، حتى إن وزير المال صرّح بأنّ العجز في موازنة العام 2014 سيتخطّى السبعة آلاف مليار ليرة لبنانية. وهذا العجز يزيد من قيمة الدين العام الذي إرتفع من 53.8 مليار دولار في العام 2004 إلى ما يزيد عن 63 مليار دولار أي بزيادة 77% في فترة عشر سنوات.

وتعود أسباب هذا العجز إلى الإنفاق المُفرط من الدولة اللبنانية التي واجهت عدداً من الإستحقاقات الأمنية، السياسية والإجتماعية منذ العام 2004. فعدوان تموز 2006، الربيع العربي، الأزمة السورية وما نتج عنها من نزوح سوري كثيف، أزمة المياومين، زيادة أجور بعض الأسلاك، الفساد والهدر… وغيرها من العوامل زادت بنسبة كبيرة العجز.

ولم يستطع النموّ الذي سجله لبنان في فترة 2007 إلى 2010 محوَ سنين من العجز المزمن حتى إنّ الميزان الأولي لم يكفِ لسدّ خدمة الدين العام ما يعني أنّ العجز أصبح يتحوّل تلقائياً إلى دين عام.

وهذا الأمر ترافق مع زيادة الموجودات المصرفية التي زادت ولكن بنسبة أقل من العجز حيث إنّ الزيادة لم تتخطَ الـ 55% على مدى السنوات العشر الماضية (مقابل زيادة الدين العام بنسبة 77% على الفترة نفسها). و65% من الدين العام اللبناني مصدره المصارف اللبنانية التي أصبحت موجوداتها تُشكل في نهاية العام 2013، 2.15 ضعف الدين العام اللبناني.

وفي مراقبةٍ للأرقام المتوفرة في العام 2014 (إلى شهر شباط فقط)، نرى أنّ هناك تحسّناً بسيطاً في الميزان الأولي ناتج عن تأليف حكومة المصلحة الوطنية وما شكله هذا الحدث من وقع على ثقة المستهلك والمستثمر في آن واحد.

لكنّ الأمور عادت إلى الأسوء مع التعطيل السياسي خصوصاً ملف إنتخاب رئيس للجمهورية والإنتخابات النيابية التي ومن الظاهر أنها لن تشهد النور وسيتمّ التمديد للمجلس كما في المرة السابقة. وهذا الأمر سيُقلل من ثقة اللاعبين الإقتصاديين بنسبة أكبر والنموّ في ظل تزايد الإنفاق العام.

كيف يصمد الاقتصاد في ظلّ هذه الظروف؟

تُعتبر أحداث عبرا وطرابلس ومعها أحداث عرسال والنزوح السوري الكثيف أكثر ضرراً على الاقتصاد من عدوان تموز 2006. فهذه الأحداث تضرب الاقتصاد بشكل بطيء وقد كلفته ما يُقارب الـ 10 مليار دولار.

أما عدوان تموز، فكان ضرره محدوداً في الوقت وتمّ تسجيل خسائر مباشرة وغير مباشرة بقيمة 8 مليارات دولار أميركي. وقد عمدت بعض الدول الغربية إلى مساعدة لبنان في ذلك الوقت، أما حالياً ومع إشتداد نشاط داعش في العراق، فإنّ معظم المساعدات تذهب إلى العراق.

وهذا الأمر يضع المالية العامة في وضعٍ حرج من ناحية أنّ الخزينة لم تعد تحمل أعباء النازحين السوريين الذين يتلقون دعماً مباشراً من الدولة اللبنانية كما ويُشاركون اللبنانيين في إستهلاك المواد المدعومة من خزينة الدولة.

وعلى رغم هذا العجز وغياب دعم الدولة للاقتصاد اللبناني بشكل مباشر عبر مشاريع إستثمارية، فإنّ الاقتصاد اللبناني هو في شبه ركود وتتوقع المنظمات الأممية نمواً له بنسبة 1% في العام 2014.

وهذا يعود لعاملين أساسيين:

1- الإستهلاك اللبناني الداخلي والذي بإعتقادنا، إرتقى إلى مراتب عالية تفوق في بعض الأحيان مراتب الدول الأوروبية (After Normalization). وهذا الإستهلاك يُشكل المحرك الأساس للعجلة الاقتصادية اللبنانية.

2- الدعم المصرفي لهذا الإستهلاك والذي وبتوجيهات حاكم مصرف لبنان للقطاع المصرفي، يسهّل حصول المستهلك اللبناني على قروض تدعم الإستهلاك ولكن للأسف لا تدعم كثيراً الإستثمار.

تحدّيات الحكومة الاقتصادية…

على رأس التحدّيات التي تُواجه حكومة المصلحة الوطنية، لجم الإنفاق الذي يتزايد بوجود عوامل عدة خارجية وداخلية تزيد من الإنفاق وتحرم الاقتصاد من أموال كانت لتُستثمر فيه:

1- هجمات داعش على المناطق اللبنانية والتي ستدفع الحكومة إلى زيادة الإنفاق العسكري ليتمكن الجيش والقوى الأمنية من دحض هذه الظاهرة.

2- زيادة عدد النازحين السوريين ويزيد معهم العجز في المالية العامة لما يُشكلونه من خطر هيكلي على الاقتصاد، وعلى المجتمع اللبناني، في ظلّ فقدان السيطرة على أماكن تواجدهم وفي ظلّ الرقابة التي من المفترض أن تؤمّنها الدولة تفادياً لأيّ خلل بالأمن.

3- الإنقسام الفكري والسياسي في المجتمع اللبناني الذي يطال الطبقة السياسية، كما الشعب على مستوى العامل والذي يؤدّي إلى شلل في مؤسسات الدولة إبتداءً من قمة الهرم نزولاً إلى مجلس النواب والحكومة وحتى الوزارات والإدارات العامة.

4- القيود السياسية الخارجية المفروضة على لبنان من دول الجوار كما من الدول الكبيرة والتي تمنع لبنان من إتخاذ إجراءات عدة تسمح للدولة في بسط سلطتها العسكرية والمالية على كل الأراضي اللبنانية.

5- تحوّل قسم كبير من الإستثمارات في لبنان إلى دول إقليمية مجاورة، كلّ هذه العوامل تضغط على الماكينة الاقتصادية اللبنانية وتدفعها إلى العمل بأقل أداءٍ ممكن. لكنّ إستمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي إلى ضرب محرك الاقتصاد الوحيد المُتبقي، أي الإستهلاك، من هنا ندعو إلى مؤتمر وطني لإنقاذ الاقتصاد يتمّ من خلاله وضع خطة إقتصادية تسمح للبنان بعبور هذه المرحلة الحرجة وتكون مباركة من كل القوى السياسية والأحزاب.

الهبات السعودية والمساعدات لمواجهة النزوح السوري…

ويبقى السؤال عن مصير الهبات السعودية (3+1 مليار دولار أميركي) التي تتأخر ترجمتها على الأرض. فالسؤال المطروح لماذا هذا التأخير في تزويد الجيش اللبناني الذي هو بأمس الحاجة إلى العتاد في ظلّ هجمات داعش والمخاطر الداخلية المتمثلة بالسلاح المتفشي؟

إذ إنّ ترجمة هذه المساعدات على الأرض تُريح الخزينة العامة وتسمح بإستخدام الأموال التي ستنفق لدعم المؤسسة العسكرية على لجم العجز وتحفيز الاقتصاد. أما فيما يخصّ المساعدات العالمية لمواجهة النزوح السوري، فمن الواضح أنّ البلدان المانحة لا تلتزم بوعودها. وهذان الأمران يطرحان السؤال عن مدى شمول المشروع الغربي للمنطقة العربية.

مصدر الجمهورية

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

جاسم عجاقة لـ”النشرة”: كان من المفترض وضع رسم 7 و 8% على البضائع المستوردة

اعتبر الخبير الإقتصاد​ي والاستراتيجي البروفسور ​جاسم عجاقة​ أن خفض ​العجز​ الذي تحقق في موازنة العامة 2019 كاف باعتبار أن المطلوب كان خفضه الى 9% ويبدو أنه وصل نتيجة التعديلات الأخيرة الى قرابة الـ7.3%، مشددا على ان العبرة ليست بالارقام انما بالتطبيق لأنّ تجربة موازنة 2018 لم تكن مشجعة.
المزيد...

المصارف اللبنانية العمود الفقري للاقتصاد اللبناني

يُعتبر القطاع المصرفي اللبناني العامود الفقري للاقتصاد اللبناني حيث يؤدي دورا أساسيا في تمويل الاقتصاد إضافة إلى…

جاسم عجاقة لموقع المرده: الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر ومحميّة ووراءها دعم…

أكد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة أن “الليرة اللبنانية ليست في دائرة الخطر وانها محميّة…

الخلافات السياسية أطاحت موازنة 2019 وجلسة اليوم مفصلية

«يا فرحة ما اكتملت!» بالفعل... لم تكتمل فرحة اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون الدخان الأبيض من مجلس الوزراء الأربعاء…

أبعد من السلام… حدود جغرافيّة بأقلام إقتصادية…

بالعودة الى الورشة الإقتصادية التي ستستضيفها العاصمة البحرينية المنامة في حزيران القادم، تحت عنوان "الرخاء من أجل…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More