بروفسور جاسم عجاقة
باحث في الفيزياء النووية والإقتصاد

الليرة التركية… إبحثوا عن رياض سلامة

خسرت الليرة التركية من قيمتها 41% منذ بداية العام 2018. وتأتي هذه الخسارة نتيجة عوامل سياسية على رأسها موقف تركيا من قطر وقضية القس الأميركي ولكن أيضًا نتاج التعديلات الدستورية الأخيرة التي قلّصت من إستقلالية السياسة النقدية وجعلتها رهينة القرار السياسي.

في ظل نظام العولمة، لم يعد الإقتصاد مُستقلًا عن السياسة؛ أقلّه هذا الدرس الأساسي الذي بدأت تتعلّمه تركيا نتيجة الأزمة النقدية التي تعيشها. فموقف تركيا من قطر دفع بالعديد من الدول الخليجية وعلى رأسها الإمارات العربية المُتحدة إلى خفض إستيرادها من تركيا حيث إنخفضت الصادرات التركية إلى الإمارات بنسبة 77% منذ أعلى قمّة في أيار 2017! أضف إلى ذلك أن التأثير الخليجي على بعض الدول العربية مثل المغرب واضح حيث خفّضت هذه الأخيرة إستيرادها من تركيا بنسبة 40% خلال فترة أربعة أشهر.
أيضًا نرى أن الولايات المُتحدة الأميركية خفّضت من إستيرادها من تركيا بنسبة 31% مقارنة مع أعلى مستوى في أيار 2017. ومع إتخا الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرارًا برفع التعرفة الجمركية على الصلب والألومنيوم المُستوردين من تركيا، من المُتوقّع أن تنخفض الصادرات التركيا إلى الولايات المُتحدة الأميركية بقيمة 25 مليون دولار شهريًا (300 مليون دولار أميركي سنويًا).
تُصدّر تركيا بقيمة 157 مليار د.أ وتستورد بقيمة 234 مليار د.أ. وهذا يعني أن العجز في الميزان التجاري السنوي يبلغ 77 مليار د.أ  يؤثرّ سلبًا على ميزان المدفوعات الذي يُسجّل عجزًا مُزمنًا (57 مليار د.أ على كامل السنة). هذا العجز في ميزان المدفوعات كانت تركيا تُعوّضه إلى حدٍ مُعين بجذب الإستثمارات الأجنبية المُباشرة التي بلغت 17.7 مليار د.أ في العام 2015، لكنها إنخفضت إلى أقلّ من 10 مليار د.أ في العام 2017 ومن المُتوقع أن تُصبح بحدود بضعة مليارات في العام الحالي.

الثمن بالطبع تدفعه الليرة التركية التي زاد عليها الضغط بشكلٍ كبير مع نسب تضخّم فاقت الـ 12% في العام 2017 مقارنة بنسبة نمو 2.8%!
الإضطرابات السياسية أثّرت أيضًا على السياحة في تركيا التي تُعتبر من الدعائم الأساسية لليرة التركية من ناحية أنها تؤّمن العملة الصعبة. فأرقام trading economics تُشير إلى ركود في مداخيل السياحة نسبة إلى العام الماضي مع نسب موازية (2.8 مليار د.أ في شهر حزيران 2018).

وكأن هذا المشهد لا يكفي، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإقرار تعديلات دستورية من قبل مجلس النواب التركي قلّص من خلالها صلاحيات المصرف المركزي التركي في ما يخصّ السياسة النقدية. وتفاعلت الأسواق المالية  بشكلٍ عنيف مع هذه التعديلات حيث إعتبرت أن إستقلالية السياسة النقدية في تركيا إنتهت مع تعيين أردوغان مباشرة للحاكم المركزي ونوابه. كما أن تعيين صهر الرئيس أردوغان بمنصب وزير المال تلقته الأسواق كعنصر فساد إضافي دفع العديد من رؤوس الأموال إلى الهروب وبالتالي إرتفع عجز ميزان المدفوعات وإنهارت العملة التركية. وعلى الرغم من رفع المركزي التركي لأسعار الفوائد إلا أنه لم ينجح في لجم إنهيار الليرة التركية.

السياسة النقدية التركية مقارنة بالسياسة النقدية اللبنانية
تفرض مقارنة السياسة النقدية التركية بالسياسة النقدية في لبنان نفسها من منطلق أن العلوم الإقتصادية هي علوم حيّة ترصد الـ Best Practices في الأسواق. وبتحليل لإقتصاد كلى البلدين (بإستثناء الناتج المحلّي الإجمالي)، نرى أن البلدين يتشاركان في عجز مزدوج (عجز الموازنة وعجز الميزان الجاري)، والتضخّم (12% في تركيا، 5% في لبنان)، والبطالة (11% في تركيا، أكثر من 35% في لبنان)… إذا ما الذي يجعل من السياسة النقدية في لبنان فعّالة في حين أنها غيّر فعّالة في تركيا ناهيك عن أن الإقتصاد التركي ضخّم في حين أن الإقتصاد اللبناني صغير مقارنة به؟
للإجابة عن السؤال، يجب البحث عن رياض سلامة وسياسة الثبات النقدي التي يعتمدها.
تعتمد تركيا بشكلٍ رئيسي على تدفقات رؤوس الأموال من السياحة (26 مليار د.أ) ومن الإستثمارات الأجنبية المُباشرة (10 مليار د.أ). هذا الإعتماد يجعل سعر صرف العملة التركية عرضّة للعديد من العوامل السياسية وعلى رأسها الملفات الإقليمية التي تأخذ فيها تركيا مواقف مناهضة للقوى الإقتصادية الإقليمية والدولية. وبالتحديد، فإن تحرير سعر صرف الليرة التركية عرضة للمضاربات من قبل بعض القوى الإقتصادية التي تستطيع التأثير على الليرة التركية في حين أن هذا الأمر شبه مُستحيل مع المنظومة القانونية التي وضعها رياض سلامة لحماية الليرة اللبنانية من المضاربة الداخلية والخارجية.
أضف إلى ذلك، فإن النظام المصرفي التركي بقي ضعيفًا على الرغم من الإصلاحات التي قامت بها الحكومة التركية في العام 2001 (أي قبل وصول حزب أردوغان إلى السلطة) والتي أقرّت فيها أربع نقاط إصلاحية: إستقلالية المصرف المركزي التركي، زيادة رأسمال عدد من البنوك العامة والخاصة، إقفال المصارف المٌصنّفة في وضع الإفلاس، وهيكلة عدد من المؤسسات العامة والخاصة. ولم يستطع المركزي التركي دفع النظام المصرفي التركي إلى مستويات عالية تجعل منه محطّ ثقة عالمية وبقي هذا القطاع رهينة السياسة التركية عامّة. هذا الأمر مُختلف جدًا مع ما قام به رياض سلامة في القطاع المصرفي اللبناني حيث كانت خطّته رفع رأس مال المصارف من أرباحها، إلزامها تطبيق المعايير الدولية، وتطبيق القوانين الدولية. وهذا الأمر جعل لبنان من أهمّ المراكز المالية العالمية وزادت ثقة المُستثمرين والموديعين بهذا القطاع كما تُثبته الودائع المصرفية التي تُسجّل نموًا على الرغم من كل المشاكل السياسية.
ويبقى الأهم الإحتياط من الأصول الأجنبية في المصرف المركزي التركي والتي بلغت 131 مليار د.أ أي ما يوازي 14.5% من الناتج المحلّي الإجمالي. في حين أن إحتياط مصرف لبنان من الأصول الأجنبية هو 114% من الناتج المحلّي الإجمالي مع إحتمال رفع هذه النسبة إلى 138% إذا ما أخذنا بعين الإعتبار أصول المصارف التجارية اللبنانية في المصارف الأجنبية. وهذا الأمر يبقى عنصر أساسي في المُحافظة على قيمة الليرة اللبنانية.
أيضًا يُمكن ذكر الفارق بين سياسة أسعار الفائدة في تركيا ولبنان، حيت أن غياب إستقلالية السياسة النقدية في تركيا منع المركزي التركي من ممارسة مهامه الأساسية وهي المحافظة على قيمة العملة، في حين أن رياض سلامة يتّبع منهجية علمية مبنية على ربط الليرة بالدولار الأميركي ولكن أيضًا المحافظة على نسب تضخّم مقبولة.
إن الأزمة التي تمرّ بها الليرة التركية، تُظهر أهمية دعم رياض سلامة في سياسته النقدية التي حمت ثروة المواطن والشركات وخلقت قطاع مصرفي قوي. كما أنها تؤكّد المؤكّد أن لا حق للطبقة السياسية مهما كان لونها التدخّل في السياسة النقدية التي يتوّجب عليها القيام بكل ما يلزم بما فيها الهندسات المالية.

رابط النهار

مقالات بحسب المواضيع

الإقتصاد اللبناني

المالية العامة

الفساد

السياسة النقدية

سلسلة الرتب والرواتب

الموازنة تُهدّد الحكومة… وسيناريو التعطيل مُكلِف

تكاثرت التسميات بين موازنة إصلاحية، تقشفية، تصحيحية... والنتيجة واحدة، موازنة من دون هوية. والسبب يعود إلى الصراعات السياسية التي تُطيح فرصة الإستفادة من الظروف والوقت لإخراج موازنة تكون على مستوى التحدّيات. سيناريوهات عديدة أمام الحكومة واسوأها تعطيلها. فما هي هذه السيناريوهات وما هي التداعيات الاقتصادية؟
المزيد...

هكذا رُحلت الموازنة غير “الوازنة”

يوم بعد آخر تُرحّل النقاشات "الموازناتية "من جلسة إلى أُخرى، لتصبح "البنود" المطروحة على طاولة البحث أشبه بـ شبكات…

حسابات سياسية تُعرّقل طريق الموازنة وإحتمال حدوث سيناريو السلسلة مُرتفع

عقد مجلس الوزراء جلسة البارحة كان من المفروض أنها الجلسة الختامية في سلسلة إجتماعات مُخصّصة لدرس مشروع موازنة العام…

لا توظيف في الدولة والبطالة تتفشى.. ما هي البدائل؟

لا جدال في أن وقف التوظيف في القطاع العام بات ضرورياً، كخطوة أساسية من خطوات وقف استنزاف القطاع العام وخزينة…

سويسرا تكشف عن 320 مليار دولار في بنوكها لسياسيّين لبنانيّين؟

"ما حدا يقول لبنان مفلس". بموجب بوست تتناقله صفحات وحسابات لبنانية على منصات التواصل الاجتماعي، "لبنان ملياردير إذا…

الدين العام

«المركزي» دعَمَ الخزينة بـ 2.8 مليار دولار في 2018

هل يُساهم مصرف لبنان في دعم خزينة الدولة؟ سؤال مشروع مع تواتر الشائعات عن عدم مساهمة المصرف المركزي في دعم مالية الدولة. في الواقع تُشير الأرقام إلى أنّ كلفة مصرف لبنان جرّاء دعم خزينة الدوّلة بشقّيه التسهيلات والقروض بلغت 2.8 مليار دولار أميركي في العام 2018.
المزيد...

هكذا يتحول العجز إلى دين…وهذا هو الحل

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجّاقة في حديث لصحيفة الشرق الاوسط، أن "مؤتمر (سيدر) فرض على لبنان إجراءات تتطابق…

مصرف لبنان يوفر على الدوّلة أقلّه ملياران ونصف مليار دولار أميركي

تتمّ مداولة العديد من المغالطات عن مدى مساهمة مصرف لبنان في خزينة الدوّلة والتي تُروّج لفكرة أن مصرف لبنان لا يقوم…

الحكومة مُحاصرة برباعية المجتمع الدولي ــ الشارع ــ عجز الموازنة والوقت

الديار | بروفسور جاسم عجاقة نقاشات حادّة طغت على الجلسات الأولى لمجلس الوزراء لبحث الموازنة وكادت تُطيح بها وبجلسات المجلس. وعلى الرغم من تدخّل الرئيس الحريري لتهدئة الأجواء وإرساء جو من النقاش البنّاء إلا أن المعلومات تُشير إلى أن أجواء الجلّسات بقيت محقونة تحت تأثير أربعة عوامل: أولا ـ المجتمع الدولي الذي ما يزال غير راض عن الإجراءات المُقترحة…
المزيد...

بروفسور جاسم عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا

مقابلة البروفسور جاسم عجاقة على قناة ليبانون فايلز ضمن برنامج مرتجل مفيد - عجاقة: هكذا سيكون وضع الليرة قرييا -…

مُعالجة الموازنة من وجهة نظر ماليّة لن تكفي والمطلوب مُعالجة إقتصاديّة إصلاحيّة

أسبوع مرّ على خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحتى الساعة لم يتمّ طرح الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، مع…

الموازنة العامة

الكهرباء

النفايات

التهرب الضريبي

الإرهاب

لبنان يكافح شبكة تمويل داعش

نهاد طوباليان داهم الأمن العام في لبنان خلال عمليات نفذت مؤخرا في بيروت مؤسسات صيرفة وشركات مالية بعد الإشتباه…

العقوبات الأميركية على حزب الله

إيران

الأزمة القطرية الخليجية

الإمارات ومصر والسعودية أمام موجة خسائر بسبب مقاطعة قطر

ستكون شركات إماراتية وسعودية، أمام موجة من الخسائر المالية التي ما يزال مبكراً تقدير حجمها، ناتجة عن مقاطعة دول…

خُبراء.. قطع العلاقات مع قطر خسارة للاقتصادات العربية

محمد إبراهيم أكد خبراء ومحللون اقتصاديون، تأثر الاقتصادات العربية بالخلاف الدبلوماسي الأخير، والذي أدى إلى قطع…

مقالات إستراتيجية

الموازنة العامّة

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More