أستاذ جامعي وباحث نووي وإقتصادي

الضرائب آتية لا محال!

عزة الحاج حسن

في جلسة خصّصت لبحث تسهيلات مالية للقطاع الصناعي عقدها مؤخراً عدد من نواب لجنة الاقتصاد الوطني والتجارة والصناعة والتخطيط مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، جرى التطرق لموضوع القروض الإسكانية والأزمة المتراكمة منذ بداية العام. تم طرح أكثر من مقترح لإعادة النشاط إلى قطاع الإسكان، بالتالي القطاع العقاري، وكان من بين المقترحات زيادة 5000 ليرة على صفيحة البنزين، “فقامت الدنيا ولم تقعد”، وكأن سلة الضرائب التي فرضت في موازنة العام 2018 كانت خاتمة الضرائب.فمن يرصد واقع المالية العامة والعجز المتسارع وتفاقم الاستحقاقات أمام الحكومة المقبلة وضيق الخيارات أمام زيادة الإيرادات إذا ما استثنينا مكافحة الفساد وسد مزاريب الهدر لصعوبة اتخاذ أي قرار جدّي بهذا الشأن، يرى أن المورد المالي الوحيد لدولة عاجزة عن إدارة اقتصادها والتحكّم بمرافقها هو “الضرائب”.

ورغم أن ما طرحه سلامة خلال اجتماعه مع بعض النواب لم يكن طرحاً رسمياً إنما جاء من باب الدردشة، بحسب ما أكد النائب ميشال ضاهر لـ”المدن”، وهو أحد المشاركين في الاجتماع، ولا يستلزم كل هذه الضجة غير المبررة، برأي ضاهر، إلا أن طرح زيادة الضريبة على البنزين هو خيار قائم لا بل شبه محسوم، وفق مصادر “المدن”. والذريعة الحاضرة دوماً هي متطلبات مؤتمر سيدر وضرورة خفض الانفاق في سبيل خفض العجز. ما يعني أن زيادة الانفاق لدعم الإسكان يجب أن يقابلها إيرادات جديدة. والخيار الأسهل هو زيادة الضرائب.

وليس طرح الزيادة على البنزين سوى جزء من التوجهات المالية المقبلة، وفق المصادر. فزيادة الضريبة على البنزين 5000 ليرة من المقترح أن يتم ربط إيراداتها ببند إنفاقي محدد هو القروض الإسكانية، بعد إيجاد مخرج قانوني لها لمخالفة ذلك قانون المحاسبة العمومية. وبهذه الحالة تكون تعرفة البنزين ضمانة لاستمرار دعم القروض الإسكانية سنوياً.

أما التعديل الضريبي الآخر، الذي من المتوقع أن تتجه إليه الحكومة المقبلة، فهو رفع الضريبة على القيمة المضافة على مدى 5 سنوات لتصل إلى 15%. فزيادة TVA وفق قراءة الخبير الإقتصادي الدكتور جاسم عجاقة هو أمر محسوم، لاسيما أن توصيات مؤتمر سيدر تركّزت على ضرورة خفض عجز الموازنة. وذلك يتم عبر رفع الدعم عن الكهرباء وغيرها وزيادة الضرائب لاسيما TVA والخصخصة. من هنا أصبح التوجه إلى الزيادة الضريبية أمراً واقعاً.

والحال أن عجز الموازنة يبلغ نحو 10% من الناتج المحلي، ويتوزع نحو 90% من الموازنة بين رواتب وأجور وخدمة دين وعجز الكهرباء. ما يعني أنه من غير الممكن خفض الإنفاق سوى بمحاربة الفساد ووقف الهدر. وهذا الأمر يستلزم قراراً سياسياً وهو غير متوفر. فلا يبقى من خيارات أمام زيادة الإيرادات سوى رفع الضرائب. ولا شك أن أكثرها استسهالاً، وفق حديث عجاقة لـ”المدن”، هو الضريبة على القيمة المضافة.

وليس البدء بالتمهيد لزيادة الضرائب بالأمر المفاجئ ،إذ ان تراكم العجز والدين وغياب أي سياسة ضريبة واقتصادية، لا يمكن أن يمهّدا إلا لرفع الضرائب بشكل مستمر. وهنا يذكّر عجاقة بالقاعدة الاقتصادية: “دين اليوم هو ضرائب الغد”. ويتوقع رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 15% على مدى 5 سنوات المقبلة.

فالضريبة على القيمة المضافة تجبي اليوم نحو 3300 مليار ليرة، أي نحو 2.15 مليار دولار. وفي حال زيادتها 1% ستزيد إيراداتها نحو 200 مليون دولار، ثم تدريجاً 4% ستزيد إيراداتها نحو 800 مليون دولار. مع الأخذ بالاعتبار تراجع القدرة الاستهلاكية في حال زيادتها.

وليست التطمينات التي أطلقها وزير المال علي حسن خليل مؤخراً بأن “لا ضرائب جديدة في مشروع موازنة 2019” سوى كلام لتهدئة الشارع، إذ بات واضحاً أن الزيادات الضريبية لن تمر عبر الموازنة المقبلة إنما ضمن قوانين خاصة بها، وذلك تجنباً لأي طعن قد تتعرض له موازنة 2019 على غرار موازنة 2018 لعدم قانونية شمولها تعديلات ضريبية.

فالموازنة المقبلة لن تشمل أي ضرائب جديدة، ولكن زيادة الضرائب على البنزين وTVA لاشك أنها آتية. ويتخوف اقتصاديون من المرحلة التحضيرية لإقرار الضرائب وتهيئة الأجواء المالية والاقتصادية التي غالباً ما تأخذ منحى “الانهيار”.

رابط المدن

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More